العلوم والتكنولوجيا مع مفهوم الدين في بلاد الرافدين ‎

بقلم : عضيد جواد الخميسي
تطورت العلوم والتكنولوجيا في بلاد الرافدين خلال فترة أوروك (4100 -2900 قبل الميلاد) وفترة السلالات المبكرة (2900-1750 قبل الميلاد) ؛ تحت مسمى “الحضارة السومرية “. إذ وضع السومريون أساس التقدم العلمي والتكنولوجي في بلاد الرافدين عندما اكتشفوا لأول مرة ؛ تطبيق الفرضيات العلمية ؛ والعمل على الابتكار.
من هذين المفهومين خلقوا الكلمة المكتوبة ، وأسسوا لكل من الرياضيات المتقدمة ، علم الفلك ، وعلم التنجيم ، وحتى أنهم صمموا فكرة للوقت ، فكانت أهم اختراعاتهم : العجلة ، الشراع ، الكتابة ، البناء المقوّس ، أدوات الرّي والزراعة ، تشييد المدن ، تصميم الخرائط ، قواعد الرياضيات ، الوقت وأجزائه ، علم الفلك والتنجيم ، الأدوية الطبية والجراحة .
ابتكر السومريون هذه الأشياء في محاولة لتحسين معيشتهم ، فقد كان عليهم أن يفكروا بها بسبب حاجتهم إليها ؛ فقاموا أولاً ؛ بتحديد المشكلة ، ثمّ اقترحوا حلولاً تمّت تجربتها فيما بعد .
يعترض بعض العلماء على استخدام مصطلحات مثل ” العلم ” أو ” المنهج العلمي ” ، في الإشارة إلى الاختراعات والابتكارات السومرية في بلاد الرافدين ، لأن الدين كان يلعب دوراً مهمّاً في حياة الناس ، كما أُعتبرت إرادة الآلهة هي المسؤولة الوحيدة عن كيفية عمل الكون والحياة على الأرض . لكن مهما كان الخلاف في ذلك ؛ فإن ” المنهج العلمي” هو المصطلح الأكثر دقة عن كيفية تصرّف الناس إزاء التحوّل والتغيير المرتقب ؛ بسبب ان سكان بلاد الرافدين ، قد سمحوا لأنفسهم بتخيّل عالم يعمل وفق قوانين الطبيعة ، مع الحفاظ على مفهوم الدين لديهم . وفي محاولة لمعرفة مدى نجاح فكرتهم ، وضعوا الأسس العلمية لتحقيق ذلك ، والتي تم تطويرها فيما بعد من قبل المفكرين المصريين واليونانيين ، ثمّ انتقالها إلى علماء العصر الحديث . لكن هذا لا يعني أن سكان بلاد الرافدين القدامى قد مارسوا نفس الأساليب والطرق المتبعة في البحوث العلمية التي يسلكها الباحثون في الوقت الحاضر .
أمّا أولئك الذين يعترضون على استخدام كلمة “العلم” أو مصطلح “المنهج العلمي” فيما يتعلق بمفهوم التطوّر الحضاري الذي قاده الشعب الرافديني ، نقول لهم :
اعتقد سكان بلاد الرافدين القدامى ؛ بأن الآلهة قد خلقت النظام الكوني من الفوضى ، ومن ثمّ خلقت البشرمن بعده ، وكان القصد من ذلك ؛ هو مشاركة البشر مع الآلهة في الحفاظ على ديمومة النظام . وبما ان الآلهة تُعدّ مصدراً لجميع الأشياء سواء مرئية أوغير مرئية ،فقد كان الهدف من تلك الابتكارات والاختراعات المتنوعة ؛ هو فهم كيفية أداء هذا النظام والعمل على تطويره بدعم واسناد من الآلهة .

اتخذ شكل النظام الكوني نموذجاً متطوّراً من “الأشياء” الأساسية في الحياة التي يتعامل معها الناس ، وهذا يتطلّب ملاحظة ردود أفعالهم ، والتي تعتمد نوعاً من الفرضيات حول مدى تأثيرها في حياتهم ، وذلك من خلال التجربة والاستنتاج . على الرغم من أن هذه الطريقة تتّبع الشكل الأساسي للمنهج العلمي في عصرنا الحديث ، إلا أن الرافدينيون القدامى كانوا يعتبرون الآلهة لها القدرة في أن تدرك جميع المتغيرات التي قد تحصل على مصادر ونمط معيشة البشر في حياتهم اليومية . وبدلاً من سؤال الآلهة ؛ كيف يمكن للبشر معرفة ذلك؟ ، يكون السؤال ؛ كيف يمكن للبشر إنجاز أعمالهم في تلبية حاجاتهم ، وماهي سبل تحسينها أو تطويرها ؟ فقط ؛ ليتماشى دورهم مع الآلهة كشركاء في حفظ النظام الكوني .
لن يسأل المزارع السومري القديم ” لماذا أصبح حقلي أجرداً ، بينما حقل جاري ما زال مخضرّاً ؟ “؛ لأن الإجابة واضحة لديه ؛أنها إرادة الآلهة !. ولكنه بالتأكيد كان يسأل ” كيف يمكنني التأثير على إرادة الآلهة ، لجعل حقلي مخضرّاً ؟ “. يمكن أن يكون الأمر بسيطاً ! ؛ فقد تطلب منه الآلهة بذل جهود اضافية أكبر من التي يبذلها جاره في إصلاح حقله ! ، ولربما أيضاً ، تريد من الشخص القيام بشيء لم يقم به أحد من قبل ؛ عندما تعمدّت بافتعال تلك المشكلة عن قصد ، كي يخترع نظام الرّي ، ليستفيد منه هو ، وغيره من المزارعين ! .
يبدو فعلاً أن “الحاجة أم الإختراع “، لكن تلك الاختراعات كانت تتماشى مع الجوهر الأساسي لعالم الآلهة المنظّم ، وطالما بقيت الأمورعلى حالها منذ الخليقة ، فإن مهمة الفرد في ذلك الوقت ، كانت مواجهة التحديات التي فرضتها الآلهة ، والعمل على تطوير ما يمكن تطويره ، وقبول ما لا يمكن تغييره .

العجلة ـ الشراع
كانت الكتابة والعجلة ، أكثر الإختراعات أهمية في بلاد الرافدين . على الرغم من أن بعض العلماء يؤكدون أن العجلة قد أُبتكرت في آسيا الوسطى (بسبب العثور على أقدم عجلة في العالم هناك) ، لذا فمن المقبول والمعقول ، أن المفهوم قد نشأ في سومر بسبب اختراعها للطاحونة الحجرية في طحن الحبوب ، ويُعتقد أنه تمّ تحويرها في صناعة العربات الصغيرة ، ومن ثمّ الى مركبات نقل البضائع ، لسهولة الانتقال بسرعة أكبر من مكان إلى آخر .
أن مبدأ اختراع العجلة نفسه قد انطبق على اختراع الشراع الذي بدا بسيطاً على الأرجح بالنسبة لسكان بلاد الرافدين ؛ وذلك من خلال ملاحظة تأثير حركة الهواء على قطعة قماش (ربما عند تجفيفها بعد غسلها) والتي كانت السبب وراء الفكرة ، ولكن عند وجود قطعة قماش أكبر ؛ ستُسلّط عليها قوة أشدّ من الريح ، وعليه فقد سعى الرافدينيون إلى توظيفها في قوارب النقل النهري لزيادة سرعة حركتها وسهولة قيادتها . تُعدّ هذه نقطة تحوّل خاصة في حقل التجارة ، نظراً لوفرة القنوات المائية واستغلالها في عملية التبادل التجاري مابين المناطق ، لكن الأمر يبدو صعباً وبطيئاً ، عندما يكون التجذيف بعكس اتجاه تيار الماء والرياح ، إلا ّ أن الشراع قد عالج هذه المشكلة من خلال التحكم باتجاهاته ومبادلة المجذّفين .

الكتابة
أُخترعت الكتابة خلال فترة عام ( 3600-3500) قبل الميلاد ، كوسيلة لنقل المعلومات عبر مسافات طويلة بهدف التجارة. كانت الكتابة البدائية الأولى عبارة عن رسوم بيانية أولية ، والتي يمكن أن تنقل أخباراً أو أوامراً يُراد ايصالها الى طرف معلوم ؛ مثل ؛ ” اثنان من الأكباش – معبد في أوروك”. لكن لم يتضّح الغرض من الكبشين ، هل يتمّ جلبهما إلى المعبد أم حملهما منه ؟. وهل هما حيّان أم ميّتان ؟. كتب عالم السومريات “صموئيل نوح كريمر” ، في كتابه ( يبدأ التاريخ في سومر ) ، التعليق التالي :
” كان من المحتمل ، ومنذ حوالي خمسة آلاف سنة ، جاء السومريون بفكرة الكتابة على الطين ؛ بسبب حاجاتهم الاقتصادية والإدارية . محاولتهم الأولى كانت بدائية وتصويرية ؛ إلاّ أنها مكنتهم من استخدامها في الرموز الإدارية البسيطة فقط . لكن في القرون التي تلت ، قام الكتّاب والمعلمون السومريون بتعديل وصياغة نظام الكتابة الخاص بهم تدريجياً ، لدرجة أنه فقد صفته الصورية تماماً ، وأصبح نظاماً للكتابة الصوتية التقليدية البحتة . في النصف الثاني من الألفية الثالثة قبل الميلاد ، أصبحت تقنية الكتابة السومرية طيّعة ومرنة بدرجة كافية للتعبير عنها في المؤلفات الأدبية والتاريخية الأكثر تعقيداً ، وبدون صعوبة ” .
يُعرف هذا النظام للكتابة باسم “المسمارية” ، المشتق من الاسم اللاتيني لـ
” إسفين wedge “
، لأن الكلمات قد كُتبت بالضغط على قلم يشبه الإسفين في طين رطب تم تجفيفه فيما بعد . في حين لم يطلق السومريون أنفسهم على الكتابة بـ “المسمارية ” ؛ بل هي تسمية علماء الآثار في العصر الحديث ، وينطبق ذلك أيضاً على تسمية الحضارات المختلفة المستخدمة بهدف التعريف والمقارنة .
انتشرت الكتابة المسمارية السومرية عند الحضارات العظيمة الأخرى في بلاد الرافدين والأناضول ، والتي تضم كل من :
الحضارة الأكدية ، البابلية ، الآشورية ، العيلامية ، الحيثية ، الآمورية ، و إمارات الحوريين .
في وقت مبكر من عام 3200 قبل الميلاد ، كان هذا النظام من الكتابة متطوراً و واسعاً ، ليتطلب نوعاً من القواميس – المعروف بـ “المعجم “، والذي عرّف بعض الرموز على أنها كلمات ، وأعطى ترجمة لكل كلمة ورمز في جميع اللغات السومرية ، الأكدية ، والحيثية .
أُستخدمت المسمارية في جميع مجالات الحياة اليومية لإعداد او اصدار نفس صفة المستندات التي يمكن للمرء أن يفكر بها في الوقت الحاضر؛ ابتداءً من الرسائل الشخصية وعقود العمل ، سندات الأراضي ، الإيصالات ، الفواتير ، التبليغات القانونية ، التاريخ والأدب . كما ان ملحمة گلگامش ، ونصوص التراتيل لإنهيدوانا ، وأدب نارو ، وجميع روائع الأدب الرافديني القديم ؛ كانت مكتوبة بالخط المسماري . وقد ظلّ هذا النظام من الكتابة في بلاد الرافدين قيد الاستخدام حتى ظهور نصوص الكتابة الأبجدية حوالي عام 100 قبل الميلاد .
الزراعة والهندسة المعمارية
في مجال الزراعة ؛ ابتكر السومريون طرق وأساليب الرّي ، ونثر البذور، واختراع كل من المحراث والمِعوَل ، ويبدو أنهم اخترعوا أيضاً الجهاز المعروف باسم ” لولب الماء ـ السيفون ، أو لولب أرخميدس
Archimedes’ Screw
” ، وذلك قبل فترة طويلة من محاولة الإغريق في صناعته . لولب الماء ؛ هو جهاز يقوم بسحب المياه من المستويات الأدنى إلى المستويات الأعلى (من المياه الجوفية أو الجداول والنهيرات إلى قنوات الري) .
تطوير تخمير شراب البيرة وحساب ضريبتها يُعد جزءاً لايتجزأ من المهام الزراعية التي تقع على عاتق الدولة والمجتمع في بلاد الرافدين ، ومن خلال البيرة ، اخترع السومريون البيروقراطية الحكومية ، التي تشرف على إنتاج وتوزيع المحاصيل الزراعية وتوزيع الحصص المائية . كتب كريمر في كتابه ” السومريون ” التعليق التالي عن الرّي :
” …عندما جعل السومريون للفرد قيمة في المجتمع ، وذلك كل حسب عمله وكفاءته ، كان الرّي أحد العوامل المهيمنة التي عززت روح التعاون القوية بين الأفراد والمجتمعات ، لذا اعتمدت عليه سومر بالكامل في رفاهية شعبها . وبما ان الرّي هو عملية معقدة تتطلب جهداً وتنظيماً جماعياً ؛ فكان لا بدّ من حفر القنوات والحفاظ عليها ومن ثم صيانتها باستمرار ؛ ولا بدّ أيضاً من تقسيم المياه بالتساوي على جميع المستفيدين . ولضمان ذلك ؛ كان يجب وجود سلطة أكبر من قوة مُلاّك الأراضي ، لتطبيق هذا المفهوم إلزامياً . عند ذاك نمت المؤسسات الحكومية ، وبرزت الدولة السومرية “. ( السومريون ص5)

نشوء الدولة وعمرانها
نشأت فكرة الدولة لدى الكيانات المجتمعية الصغيرة المعروفة باسم “الأسر المتعايشة” التي لم يكن أفرادها جميعهم من الأقارب ، تربطهم مصالح مشتركة فيما بينهم ، وذلك من خلال ملكية بعض الأراضي والخدمات المعروضة . إذ كان التسلسل الهرمي الصارم ، يحكم تلك الأسر الذي يبدأ بـ “الرجل الكبير” المعروف باسم “إسي ” وفيما بعد ” لوگال ” ، وزوجته من بعده ، ثم الآخرون الذين يتبعونهم من العمال المهرة وغير المهرة ، وبالتالي تطورت تلك الأسر الصغيرة الى البيوت الحاكمة مع تطور المدن ، ثمّ نشأ مفهوم المَلَكية .
تركزت المدن عند مجمّع المعبد ، ودعت تلك المجمّعات إلى تطوير أبنيتها تكريماً لآلهتها الذين يقيمون فيها. وقد كان لكل مدينة معبدها وإلهها الخاص ، مع فسح المجال في حرّية الناس للعبادة ، ويشتد التنافس بين هذه المجمّعات كي يكون معبد كل مدينة مثيراً للعجب بأكثر من غيره . على الرغم من أن المعبد كان جانباً مهماً في حياة الناس ، إلاّ ان المدن كانت تتطلب تصميم مبان لها مداخل رئيسية ، و مداخل إضافية لمرافقها الأخرى ، وكان لا بد من إيجاد بعض الوسائل لتصميم تلك المباني .
يشرح لنا البروفيسور”ستيڤن پيرتمان ” ، كيف تم مواجهة هذا التحدي من خلال المقطع التالي :
” ثبت أن الحل الهندسي هو البناء القوسي . والقوس ؛ هو اختراع سومري من الألفية الرابعة قبل الميلاد . يبدأ القوس بفتحة في الجدار ثم يعلو . والسرّ في ذلك ، هو توزيع الأوزان التي تتحملها الأقواس الى الجانبين ومن ثم إلى الأرض ، بدلاً من ان تحملها على نفسها فقط . ومن خلال بناء سلسلة الأقواس المتلاصقة معاً ؛ تمكن المهندسون من بناء (أقبية ) أستخدمت كأنفاق . بالإضافة إلى تشكيل الممرات . كان القوس وسيلة قوية وفعالة لدعم البناء الذي يعتليه ، وبسبب الأشكال القوسية ، فالمبانى تُعد اقتصادية أكثر في استخدام الحجر والطابوق .” (ص 190)
كانت أولى المحاولات هي بناء ” الطَّنف
Corbel Arch
“؛ وهي السقيفة التي تبرز من فوق باب الدار للحماية من المطر ، ومن ثمّ طُوّرت فيما بعد لتصبح قوس حقيقي . أُستخدم هذا التصميم في جميع الحضارات الأخرى من المصريين إلى الإغريق ، والأكثر شهرة ، كان في روما .
نَهَضت المدن ، ونَمَت التجارة ، مما دعت الحاجة إلى ابتكار خرائط لقياس المسافة والاتجاه بين أقاليم ومدن سومر، مع تلك التي في شمال البلاد ، والبلاد البعيدة مثل مصر، والهند . صُممت الخرائط إما عن طريق عمل الطبعات على الطين الرطب – على غرار الخط المسماري – ، أو عن طريق نحت الرسومات على مواد أخرى . إذ كان قياس المسافات ؛ قد اعتمد على عِلمٍ آخر في بلاد الرافدين ، ألا وهو علم “الرياضيات” .

الرياضيات ـ الوقت ـ علم الفلك / التنجيم
ربما تطورت الرياضيات من التجارة كضرورة لمسك دفاتر الحسابات ، ولكن من الواضح أنها كانت ركناً أساسياً أيضاً في الهندسة المعمارية لتخطيط وبناء المدن ومعابدها . في سياق تشييد تلك المدن العظيمة والصروح الكبيرة ، يبدو أن السومريين قد اخترعوا النموذج الرياضي لنظرية المثلث القائم الزاوية ـ نظرية فيثاغورس (قبل قرون من ولادة فيثاغورس) . كان هذا ليس مفاجئاً أبداً ؛ لأن مدن بلاد الرافدين كانت معروفة كمراكز كبيرة للثقافة والعلم آنذاك ، وأبرزها مدينة بابل ( 1792- 600 ق.م) ، حتى قيل أن الفيلسوف اليوناني “طاليس المالطي” ، قد تتلمذ فيها .
طورت بلاد الرافدين نظاماً رياضياً متقدماً للغاية ؛ وهي القاعدة الستينية الذي تتضمن ترميز الأعداد من الرقم (1) الى الرقم (60 ) ، ( بينما القاعدة الحالية العشرية ، هي من 1 الى10) . وتضمّن هذا النظام ، العمليات الأربع في الحساب (الجمع ،الطرح ،الضرب ، والقسمة ) ، وكذلك الجبر والهندسة ، النسبة والتناسب ، الأُسُسْ ( القوّة ) ، والجذور التربيعية .
القاعدة الستينية التي ألهمت السومريين في ابتكار التوقيت ، بناءً على معنى العدد (60 ) ، ولهذا تمّ تعريف الساعة بـ 60 دقيقة ، والدقيقة 60 ثانية. كان قياس الوقت بواسطة الساعة الشمسية ( المزولة ) أو الساعة المائية ( كالبسدرا) ، وقُسّم اليوم إلى فترتين من شروق الشمس إلى غروبها ، وشروقها مرة أخرى ، 12 ساعة منها إلى النهار، و 12 ساعة الى الليل، مما جعل اليوم في أكمله ( 24 ) ساعة.
كانت مدة السنة الواحدة 360 يوماً بعد احتساب أيّام الفصول الأربعة ، ومن أجل معرفة الأوقات التي تُعد مناسبة للقيام ببعض الأنشطة والفعّاليات على مدار العام ، تم تطوير علم الفلك لرصد النجوم وتحديد المواسم ، وأدى ذلك إلى اختراع “التقويم” .
استخدم سكان بلاد الرافدين تقويماً شهرياً ؛ وقد جعلوا بداية كل شهر ؛ هو أول ظهور لهلال القمر.
المحاولات الأولية لتعريف السنة التقويمية ، كانت أقل من السنة الشمسية الحقيقية ، لكن بحلول القرن السابع عشر قبل الميلاد ، تطور علم الفلك إلى درجة حددت فيها السنة الكاملة ، وكذلك الدورات الزمنية الأخرى .
تمّ تفسير هياكل النجوم في السماء ، مثله مثل أي شيء آخر ، ومخططها جاء وفقاً لإرادة الآلهة ، وبالتالي كان من الطبيعي على العرّافين ؛ تفسير بعض الظواهر الفلكية ، من أنها رسائل الآلهة . هكذا كانت بداية علم التنجيم ، فقد كانت ممارسة العرافة في بلاد الرافدين قبل نشوء علم التنجيم ، وذلك عن طريق التضحية بالحيوانات وقراءة الطالع من خلال أحشاءها .
أمّا علم التنجيم ، فقد جاء للهيمنة على العرافة ، باعتباره مفهوم ينظر إلى الظواهر الفلكية التي تحصل خلال السنة ، وأن الظواهر الفلكية المختلفة ؛ كانت بمثابة رسائل سماوية مباشرة وواضحة من الآلهة تتعلق بمستقبل الأمة في أسرها ، لتشمل حتى الأمور الشخصية التي تمس حياة الناس اليومية . وعليه ؛ فإن علامات البروج ، وتحديد السمات الأساسية للشخص ومصيره على المدى القريب والبعيد ؛ كانت مفاهيم تم بلورتها لأول مرة في بلاد الرافدين قبل أن يتم تطويرها مستقبلاً من قبل المصريين والإغريق .

الطب والأطباء
ينطبق هذا النموذج نفسه على الرعاية الصحية ، حيث أن العديد من الممارسات الطبيّة التي تبنتها مصر واليونان ، قد نشأت في بلاد الرافدين . إذ كانت الربّة السومرية للصحة والشفاء هي “گولا” (التي عُرفت فيما بعد في مناطق أخرى باسم ـ نينكاراك و نينيسينا ـ) ، وغالباً ما كان يتم تصويرها مع كلبها ، لأن الكلاب كانت مرتبطة أيضاً بالشفاء والصحة والحماية.
إلى جانب كلبها ؛اهتمت گولا بجميع الناس من خلال مساعدة زوجها ” پاپيلساج ” ( الذي كان إله القضاء ) ، وأبناؤهما ” دامو ، نينازو ” وإبنتهما ” گونورا ” .
الشعار العالمي الذي يرمز الى مهنة الطب في الوقت الحاضر على هيئة ثعبانين متشابكين حول عصا أو وتد ؛ هو في الحقيقة لا يمت بصلة الى إله الطب اليوناني “اسكليپيوس” كما هو شائع خطأً ، ولا للربّة السومرية گولا التي هي إلهة الصحة والشفاء ؛ بل لابنها نينازو الذي كان اسمه مقروناً بالثعابين والشفاء ويعني “الرّب المعالج “، وهو الذي يمتلك السيطرة على العالم السفلي أيضاً .
كان هناك صنفان من الأطباء في بلاد الرافدين :
ـ أسو : ممارس طبي
Medical Practitioner
؛ الذي يؤدي عمله من خلال التجربة العلمية والعملية لعلاج المريض ، أي بمعنى المعرفة .

ــ أسيبو: المعالج الذي يعتمد علاجه على السحر، أي بمعنى الخرافة ( كهنة المعابد) .
كان هناك أيضاً أطباء من الجرّاحين (الذي يبدو أنهم جاؤوا من هذه الخلفيات الطبية) ، والأطباء البيطريين (الذين يمكن أن يكونوا أسو أو أسيبو) ، كذلك أطباء الأسنان ، أطباء وطبيبات للولادة . ومن المؤكد كان لديهم القابلات “سابسوتو” يساعدن الأطباء والطبيبات في حالات الولادة .
كانت هناك جهود طبية علمية حقيقية متواصلة للتشخيص السليم لبعض الأمراض استناداً إلى الملاحظة التجريبية ، وبما يسمى اليوم “التفسير العقلاني أو المنطقي “، وأشهر مثال على ذلك ؛ رسالة من ” زيمري ــ ليم “، ملك ماري ، الى زوجته بشأن امرأة في البلاط الملكي واسمها ” نانا “؛ التي كانت تعاني من مرض معد ؛ فأوعز الملك لزوجته بالعزل مع وصيفتها نانا ، والأخريات من النساء العاملات في البلاط ؛ لأن مرض الوصيفة كان مُعدياًً وخشية إصابته هو ايضاً من خلال زوجته ، بسبب ذلك أصدر أوامره .
لم يكن هذا المفهوم للعدوى معروفاً في انتشار الفيروسات ، ومع ذلك ، فقد خلص بدلاً من ذلك إلى أن ؛ نانا قد ارتكبت الخطيئة التي جعلتها مريضة ، وأن التقرّب من الشخص المريض والاصابة بالعدوى ، ما يعني ان الآلهة تسمح بهذا المرض كي ينتقل إلى الآخرين .
نقل الرافدينيون القدامى ، العلوم والتكنولوجيا والمعارف الأخرى إلى الحضارات المختلفة ، التي عملت على تطويرها وصولاً إلى عصرنا الحالي . وقد لخّص البروفيسور البريطاني “پول كريڤاشيك” أهمية مساهماتهم في مجالات العلوم والتكنولوجيا ، كما في المقطع التالي :
” معظم التكنولوجيا الأساسية التي ساعدت البشرية منذ آلاف السنين ، وحتى بداية الإنتاج الصناعي الذي سيطر على عالمنا اليوم قبل قرنين فقط من الزمان ؛ تم ابتكارها لأول مرة في بلاد سومر ؛ ذلك الجزء الصغير من العالم . كان البعض من تلك الابتكارات المنزلية : تخمير البيرة ، وعاء البيرة ، أفران الطبخ والفخر ، نول الحياكة والنسيج . أما في الحقول ، فكان : المحراث ، ناثرة البذور ، والعربة الزراعية . كما أن صناعة القارب وشراعه ، و دوّارة أو مروحة الريح ؛ كانت لها فوائد كبيرة في الأنهار والقنوات . حتى الموسيقا كانت لها حصّة في الاختراعات ، إذ عرفوا القيثارة ، الهارب ( الربابة ) ، وآلة العود . وفي تكنولوجيا البناء ؛ كان الطابوق المفخور، الأقبية ، والمباني القوسية. ” (ص47)
كشف صموئيل نوح كريمر في كتابه (يبدأ التاريخ في سومر) عن ” 39 أولاً ” . تسعة وثلاثون انجازاً من منجزات الحضارة السومرية (نُسب الكثير منها إلى المخترعين اليونانيين ) ؛ قد ظهرت لأول مرة في بلاد سومر خلال فترة أوروك ، وأوائل سلالات بلاد الرافدين . تلك الحضارة الرائدة في مجال الثقافة والعلوم والتكنولوجيا ؛ لا تزال الأقوى في ذاكرة التاريخ الى يومنا هذا ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صموئيل نوح كريمر ـ التأريخ يبدأ في سومر ـ مطبعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988.
صموئيل نوح كريمر ـ السومريون ـ مطبعة جامعة شيكاغو ـ 1971 .
پول كريڤاشيك ـ بلاد الرافدين وميلاد الحضارة ـ سانت مارتن كرڤن للطباعة ـ 2010 .
ستيڤن پيرتمان ـ الحياة اليومية في بلاد الرافدين ـ منشورات جامعة أكسفورد ـ2005 .
د. روبرت. ب. بيگز ــ الشفاء والجراحة والصحة العامة في بلاد الرافدين ــ جامعة شيكاغو ـ قسم الدراسات الأكاديمية الآشورية2013 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.