العفو عند المقدرة .

قبل حوالي عشرة سنوات وبينما كنتُ اسوق سيارتي توقفتُ عند الضوء الأحمر في شارعٍ قريب من بيتي، وبعد لحظات وفجأةً صدمتني سيارة من الخلف وأنا متوقف تماماً !.
وحين ترجلتُ من سيارتي وجدتُ شابة جميلة يتراوح عمرها بين الثلاثين والخامسة والثلاثين وهي لا زالت جالسة خلف مقود سيارتها نوعية ( الجاكوار ) .
إعتذرَت مني وسألتني أن كنتُ قد أصبت بأي جرح أو كسر بسبب الإصطدام فأجبتها بالنفي. ثم ترَجَلت من سيارتها وكانت ترتدي مايوه سباحة بكيني وفوقه ثوب فقط مفتوح الأزرار وتحتذي نعالاً صيفياً مشبكاً، والظاهر انها كانت قادمة من مسبح أو واحدة من بحيرات ولاية مشيكان الكثيرة حول مناطق سكننا حيث توجد في مشيكان خمسة آلاف بحيرة من كل الأحجام .
وراحت تُبرر إصطدام سيارتها بسيارتي بسبب أن سيكارتها سقطت من يدها في قاع السيارة !، لكني لم أجد أي سيكارة هناك كذلك تيقنتُ بأنها نصف سكرانة وخاصةً أن رائحة الخمر كانت تصلني من خلال فمها وهي تتحدث !.
وحين واجهتها عن حقيقة كونها سكرانة أنكرت ذلك وقالت بأنها كانت تشرب القهوة من القدح الذي في السيارة، وحين أخذتُ القدح وتذوقته وجدتُ أن نسبة الكحول فيه أضعاف نسبة القهوة .
المهم … راحت تتوسل بي وقالت بأنها محامية !، وأن لها سوابق في السكر بحيث لو أني خابرتُ البوليس فسيلقون بها في السجن مباشرةً ويسحبون رخصة سياقتها لسنوات طويلة وسيلغون رخصتها وحق أختصاصها وعملها في المحاماة !، وأن كل ذلك سيكون نهاية لمستقبلها إضافة لتكاليف باهضة قد تصل لعشرات الآلاف من الدولارات !.
وكنتُ كأي مواطن أمريكي أعرف كل هذه الحقائق عن تشدد القانون الأمريكي جداً جداً مع كل من يسوق وهو مخمور، لهذا فقد كنتُ حقاً في حيرة من أمري !، وخاصة أن الإصطدام ترك أثاراً واضحة جداً في مؤخرة سيارتي، وكل ذلك بحاجة لمبلغ ليس بالقليل لإصلاح السيارة أن كنتُ لن أبلغ عن الفاعل، وحتى لو إدعيتُ لشركة التأمين أني وجدت سيارتي مضروبة في أي محل عام لوقوف السيارات فحتماً شركة التأمين ستقوم بإصلاح السيارة ولكن مبلغ التأمين السنوي سيرتفع لا محالة وأكون أنا الخاسر مادياً في المحصلة النهاية !.

بعدها راحت تستعطفني أكثر حين جعلتني أرى رخصتها كمحامية مُرخصة وكان إسمها ( كاثي )، ثم حاوَلَت أن تقترب مني جسدياً في محاولة إغراء واضحة وربما في لحظة جنون ومغامرة جعلتها مستعدة لدفع أي ثمن قد يُنقذها من البهذلة وضياع مستقبلها ربما لسنوات طويلة لو تم القاء القبض عليها وهي مخمورة وقد صدمت سيارة أخرى !.
ثم أخرجت دفتر الجكات وقالت لي بأنها ستكتب لي جك بأي مبلغ اريده منها لإصلاح سيارتي !، وعرضت علي مبلغ الفين دولار، لكني كنتُ منصفاً معها جداً وطلبت منها أن تكتب لي مبلغ الف دولار فقط وهو تخميني لما كان سيكلفني مبلغ إصلاح سيارتي وعلى حسابي الخاص وبدون إعلام شركة التأمين بما حدث .
كتبَت لي الجك وهي غير مصدقة أني قررتُ عدم الإتصال بالبوليس، لكني إشترطتُ عليها أن تتصل تلفونياً بأهلها أو أحد معارفها كي يأتوا حالاً ويأخذوها لإني لم أكن اريدها أن تسوق سيارتها وهي نصف مخمورة !، فوافقت رأساً وإتصلت بعائلتها، وبعد أقل من نصف ساعة توقفت سيارة مرسيدس فيها شقيقها وزوجته والذي صافحني وعانقني وأغدق عليَ كل انواع الشكر والمديح ووعدني بأنها ستكون أخر مرة ستقود ( كاثي ) سيارتها وهي مخمورة. وكان حقاً فضاً وقاسياً معها وهو يوبخها ويكيل لها قارص الكلام وهي تبكي بكاءً مراً راحت بعده تعانقني وتقبل وجنتي وحتى انها قَبلَت باطن يدي عرفاناً بالجميل ووعدتني بأن ما حصل لن يتكرر مطلقاً في حياتها في قادم الأيام .
***************
خلال السنين العشرة الماضية وكلما تذكرتُ ما حدث اتسائل مع نفسي : هل ما فعلتُهُ مع تلك الفتاة وعدم تبليغي للبوليس عنها كان عملاً صحيحاً أم خطأ !؟.
وماذا لو انها بقيت على رعونتها وربما تسببت في قتل نفس أو أنفس بريئة من خلال طيشها وهي تسوق مخمورة في حالة لو انها لم ترتدع بعد ما حدث بينها وبيني !؟.
أحياناً في حياتنا نتخذ قرارات تتدخل فيها العاطفة والرحمة وقد تنقلب وبالاً وكما تقول الحكمة ( ولعل ما تحبون وهو شرٌ لكم ) أو لغيركم !. أو كما يقول المثل الأمريكي :
( Damned if you do, damned if you don’t )
، أي : اللعنة إن انتَ فعلتَ أو لم تفعل .

لستُ أحاول أن اصور نفسي كملاك ولكن .. طوال حياتي كنتُ أؤمن بمقولة وحكمة : (( العفو عند المقدرة ))، والتي أصبحت جزء ً من أخلاقياتي وسلوكي مع الآخرين، وفي حياتي عفوتُ عن الكثيرين من الذين أساءوا لي ثم وقعوا تحت رحمتي ولستُ نادماً، وبنفس الوقت أشكر كل من عفى عني حين إقتدر … رغم قلتهم .
وعسى أنني لم أكن مُخطئاً في تصرفي مع “كاثي” حين عفوتُ عنها !… لها الذكر الطيب !.
بالمناسبة …. تصليح سيارتي كلفني 1300 دولار .

المجدُ لمن يقتدر ويعفو .
طلعت ميشو Jul – 24 – 2020

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

1 Response to العفو عند المقدرة .

  1. س . السندي says:

    من ألاخر

    ما فعلته عين العقل والصواب ، ويحدث للكثير منا طوعا أو كرها وللاحباب ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.