العري في فنّ العالم القديم

بقلم : عضيد جواد الخميسي

الأجساد العارية ، هو موضوع ذو رؤية شاملة متجذرة في تاريخ الفن العالمي نشاهده في كل مكان تقريباً من الحضارات القديمة ، فقد وجد في الشرق الأدنى ، الشرق الأوسط ، وأوروبا ، وحتى الجانب الآخر من العالم.
افتتح متحف انتيكا موسيوم
Antikenmuseum
مؤخراً معرضاً جديداً – تحت عنوان ” فن العري ” – في مدينة بازل السويسرية ، والذي عرض جميع جوانب فن العري في العالم القديم بعناية فائقة ، وكان مغزى العرض ، هو استيعاب معنى التعرّي وتراثه في المفاهيم الغربية للجمال والأخلاق .
تحدث الدكتور” توماس لوخمان ” ، مدير المعرض لمتحف أنتيكا موسيوم في مقابلة مع ممثل مؤسسة
AHE
للبحوث التاريخية المرتبطة بمنظمة اليونسكو العالمية ، زميلنا الباحث والمؤرخ ” جيمس بليك وينر ” ، عن كيفية رؤية العالم القديم في مناطق البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأدنى الى مسألة التعرّي .
وينر: النقاشات الجارية الآن حول المشاكل التي تعاني منها النساء في المجتمع الذي يهيمن عليه الرجال ، ودراسات مستفيضة حول النوعية الاجتماعية ، ومؤخرا ” انا ايضا
MeToo “.


كثير من الناس يثيرون أسئلة حول التماثيل والمجسّمات والألواح الفنية للأجساد العارية في متاحفنا . هل كان معرضكم ” فن العري ” جاء كرّد فعل على مجمل الخلافات التي تحصل بين التيارات الاجتماعية والثقافية المتعددة ؟ إذا كان الأمر كذلك ، ما هي التساؤلات أو القضايا التي يحاول المعرض معالجتها ؟ ولماذا؟
لوخمان : في البداية ، خططنّا لهذا المعرض ، بهدف التركيز على ظاهرة مركزية في فن الثقافات القديمة ، إذ كان العري موجود في كل مكان ، وله دلالات وأهمية قصوى . منحنا هذا الموضوع الكبير فرصة لإعادة تنسيق وتجديد خططنا الدائمة بشكل يتلائم مع أهدافنا . إن اختيارنا لأدوات المعرض الممكنة ، كانت غير مقيّدة تقريباً ، ومن ثم فهو مناسب جداً لمعرض خاص دون مواجهة تكاليف باهظة والتي عادةً ما تحدث عندما نلجأ الى طلب قروض محددة من المتاحف الدولية .
إلى جانب هذه الزاوية الفنية ، هناك أيضاً فكرة متكاملة لعرض “العراة” ، وهذا هو الموضوع الرئيسي والمهم حول التحيز الجنسي في الفن ، الذي يمنح معرضنا لمسة من الإرتباط والأهمية . دفعتنا جملة من الأسباب في الابتعاد عن التعرّي الصريح في الفن المعاصر ، وهذا بدوره يقودنا إلى سؤال بسيط للغاية : ” لماذا يوجد العديد من العراة في الفن القديم “؟
وينر: في الشرق ، من بلاد الرافدين وحتى بلاد النيل ، تم العثور على نماذج كثيرة من التماثيل الحجرية والألواح الطينية لنساء عاريات . هل يمكنك القول بأن هناك قاسم مشترك بين هذه التماثيل النسائية العارية ؟ .. دكتور لوخمان ؛ إذا كان الأمر كذلك ، فما هو الهدف في مسألة العري؟
لوخمان : من الواضح أن جميع هذه التماثيل ما قبل التاريخ في الشرق (وليس فقط من الشرق ، ولكن أيضا في أماكن أخرى) يظهر جسد المرأة ليس عارياً فقط ، بل بروز أنوثتها الجنسية ايضاً . من الواضح أن الثديين ، والحوض ، وكذلك الأعضاء التناسلية يتم التركيز عليهما ، في حين يتم اقتطاع الرأس والذراعين والقدمين من العمل الفني . القاسم المشترك في رأيي هو ، أن الهدف من ذلك هو التركيز على انوثة الجنس ، وما يعني ، هي الخصوبة بحد ذاتها .
وينر : أن المصريين القدماء كانوا يصوّرون الآلهة والأطفال عراة كما هو معروف . . بأية وسيلة جسّد المصريون القدماء التعرّي والإثارة الجنسية في الفن ؟ وما مدى تأثير ذلك على المجتمع ؟
لوخمان: في التقاليد المصرية القديمة ، يتم تحديد المستوى أو المرتبة الاجتماعية من خلال الملابس التي يرتديها الأفراد ؛ لذلك ، فإن العري يدلّ في المقام الأول على عدم وجود انتماء طبقي أو مركز اجتماعي للفرد .
نعم ؛ صحيح أن المصريين القدماء يصورون الأطفال عراة ، لأن ليس لديهم أي مركز اجتماعي بعد ، لذا فإن الأردية تتناقض مع الأهداف المقصودة في العري لدى الفن المصري القديم . وبطبيعة الحال ، لعب العري دورا هامّاً في الإثارة الجنسية ومقياس الجمال والجاذبية لدى الإناث ، وذلك عندما نجد منحوتات الفتيات العاريات على مقابض أدوات التجميل ، وكذلك سطوح صناديق الحليّ والمجوهرات ، كما عُثر على بعض التماثيل الحجرية لنساء عاريات والمتسميات (الخليلات السّريات) ، اللّائي دُفنَّ في قبور الرجال المتوفين ، لصحبتهم ومآنستهم !.
وينر: دكتور لوخمان .. أثناء تجوالي في المعرض ، كنت مبهوراً بالعمل التي تم فيه تمثيل العري بإطار الفن اليوناني القديم ، ولربما كان ذلك أكثر من أيّة حضارة أو ثقافة غربية أخرى ، فإننا عادة ما نقرن الإغريق القدماء بالجسد العاري . هل يمكنك أن تعلّق لي على هذا الأمر ؟
لوخمان: في الواقع.، إن العري هو الظاهرة الغالبة في الفن اليوناني القديم ، ووجودها أكبر من الثقافات الأخرى ، ولكن الأهم من العري ، في الحقيقة ، ان جسم الإنسان بشكل عام هو الموضوع الشبه حصري في الفنون اليونانية . ومع ذلك ، فمعظم الشخصيات البشرية في الفن اليوناني القديم لا تمثل البشر من الموتى فقط ، بل هي الآلهة وبعض المحاربين والرياضيين المتميزين . وهذا أمر استثنائي لموقع الإنسان اليوناني في المجتمع ، والذي يتمثل بشخصيات استعاريّة تجسّد الأماكن الطبوغرافية ، بالإضافة إلى أشياء وشروط مجرّدة أخرى .
لذلك ، فإن جسم الإنسان هو وسيلة هامة للقيم أو المعاني المختلفة والتي توفر تفسيراً كافيا للنماذج المنحوتة ، على أن تظهر بشكل أفضل من الطبيعي الى حد “الكمال”. يمكن أيضاً للإنسان أن يقترب الى المستوى المقدّس للآلهة من خلال بعض الممارسات أو الألعاب الرياضية ، ويكون بذلك محارباً أو رياضياً مشهوراً على سبيل المثال (بالطبع ، كان عليه أيضاً أن يريّض عقله وروحه وليس بدنه فقط !) . إن مشاركة الرياضيين والمحاربين في المهرجانات الرياضية وهم عراة تماماً في الفن اليوناني ، جعل النموذج اليوناني القديم من الرجال الأبطال العراة ” نمطاً ” من أنماط الفن . هذا هو السبب في العري ، والذي هو شكل من أشكال التمثيل السائد داخل الفن اليوناني القديم.
وينر : د. لوخمان ، بدا أن الأتروريين ( وهم شعب حضارة قديمة تأسست قبل روما في إيطاليا ) يختلفون تماماً عن الرومان الذين كانوا حريصين على إمتلاك التماثيل العارية للمحاربين المتميزين والآلهة وحتى النقوش والمنحوتات المثيرة في منازلهم الخاصة رغم تحفظهم على التعرّي في الأماكن العامة . كيف نظر الأتروريون إلى العري والتعبير عنه في تقاليدهم الفنية ؟
لوخمان : إحدى الاختلافات المهمة بين الأتروسكان والإغريق والرومان ، هو حقيقة المرأة الأترورية التي كانت تتمتع بالحرية الزائدة في الحياة الاجتماعية أكثر من النساء اليونانيات والرومانيات ، في حين كانت الألعاب الإغريقية مخصصة للرجال فقط ، ولكن كان بمقدور الفتيات الأتروريات أن يمارسن الرياضة مع الأولاد وهنّ عاريات تماماً ! وبالتالي ، لم يكن العري الكامل في الهواء الطلق لكلا الجنسين شيئ غير عادي ، ولم يكن له أي احتمال للفضيحة أيضاً . هذا ما يفسر لماذا كان الأتروسكان أيضا لديهم تحفظ أقل ضد الأعمال المثيرة في الفنون المختلفة .
وينر: احتوى المعرض على مجسّمات صنعت في حضارات بلاد مابين النهرين وبلاد النيل، وحضارات اليونان والإتروسكان وروما . من تلك الأشياء المعروضة ، من منها برأيك التي خطفت “الأضواء ” ؟ بالإضافة إلى ذلك ، هل لديك ما تفضله شخصياً من بين تلك المعروضات ؟
لوخمان : حتى لو سيطرت على المعرض الأعمال الفنية اليونانية ، رغماً من حقيقة أنني متخصص في اليونانية و النحت الروماني ، ولكن في تقديري هناك عملان فنيّان خطفا الأضواء والمفضَّلين عندي ، وهما ليسا من روما أو اليونان ، بل من سوريا ومصر . الأول هي معبودة سورية – أقدم قطعة في المعرض ، والتي تعود بتاريخها إلى حوالي 5000 سنة قبل الميلاد ، إذ تمثل الخصوبة بهيئة امرأة جميلة في وضع جنسي . والثاني هو تمثال مصري يعود لسيدة من البلاط الفرعوني حوالي عام 1300 قبل الميلاد خلال عصر الدولة الحديثة ( 1550 ق.م – 1077 ق. م). وهي ترتدي ملابسها ، لكنّ ملابسها أشبه بستارة خفيفة غير معتمة ، لتظهر تفاصيل جسدها كما لو كانت عارية .
لم يكن هذا النوع من التداخل بين المكشوف والمخفي تخصصاً يونانياً صرفاً في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد ، لكنه كان قد أُتقن من قبل فنانين مصريين قبل تسعة قرون! ، وهذا ما يجعل الإغريق في ذيل القائمة !.
عمل فني روماني آخر أثار اهتمامي ، لابد من الإشارة إليه ، وهو جذع رخامي من عمل النحات اليوناني بوليكليتوس ، وأطلق على تلك التحفة
(Polykleitian Diadumenos )
. حتى لو كانت هذه النسخة رومانية من الفترة المتأخرة ، فإنها عمل دقيق للغاية ، لدرجة يمكن اعتبارها الأفضل من بين جميع النسخ الرومانية المتشابهة بعد العمل الفني المفقود لبوليكليتوس والذي أنجزه خلال القرن الخامس قبل الميلاد .
وينر: بالنسبة إلى الفنانين في العصور القديمة ، كان تجسيد العري يتعلق بمفاهيم مختلفة عبر المكان والزمان ؛ على سبيل المثال ، الخلود، والقداسة، وظواهر الطبيعة الأولى ، بالإضافة إلى مفاهيم الحضارة . دكتور لوخمان ،هل يمكننا القول ، أننا قد انحرفنا كثيراً عن أسلافنا القدماء عندما يتعلق الأمر بالعري في موضوع التعرّي في الفن؟
لوخمان : العري موجود في كل مكان ليس فقط في الفنون القديمة ، ولكن أيضاً في الفن الحديث حيث تمّ قبوله الى حد ما . المشكلة الوحيدة التي قد نواجهها مع العري في الفن ، تحدث عندما لا يُفهم العري أو لربما يُعتبر غير مبرّر.
في العصور القديمة ، كان العري موجود لأسباب شتى . يمكننا التمييز بين العري الطقوسي ، والعري الرمزّي ، والعري المتحضّر ، والعري غير المتحضّر ، والعري المُشرَّع ،والعريّ المثير.
من الغريب أن نشاهد الأعمال الفنية القديمة الفاضحة ، مثل تلك التي تظهر على المزهريات كجزء من الديكور في مكان ما لمحاضرة أو ندوة ، وحتى لإجتماع جماهيري ، هي بالنسبة للعديد من المشاهدين أقل استفزازاً ، ولكن هيئة امرأة عارية في العمل الفنّي الحديث هو استفزاز مرفوض وغير مقبول عند الكثير من المشاهدين ، لأن أسباب التعرّي غير معروفة بشكل واضح (أو لم تعد تُفهم بعد) . هذا هو رأيي .
وينر : الدكتور لوخمان ، بالنيابة عن مؤسسة
AHE
، أشكركم جزيل الشكر على مشاركة معلوماتكم القيّمة معنا لتقديمها الى قرّائنا عن هذا المعرض المتخصص . أتمنى لك النجاح في نشاطات أخرى .

جيمس بليك وينر

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.