العدالة للطفلة #مآب

د. الهام مانع تؤم المصلين بمسجد في سويسرا

العدالة للطفلة مآب
وأكاليل العار

عادة لا أنشر صوراً مؤذية. جثة، أو إنسان تعرض للتعذيب. احتراماً لكرامة ذلك الإنسان.
هذه المرة لم اتمكن من الإلتزام بقاعدتي.
هذه المرة لم ارَ سوى حجم الظلم والأذى الذي تعرضت له مآب.
كان لابد من نشر ماحدث لها، حتى يراها العالم بأسره.

طفلة في العاشرة من عمرها.
من اليمن.
وفي الواقع ليس مهما فعلاً أين تعيش.
فمنطقُتنا اصَبحت تعج بما نسمية “جرائم الشرف”. لعل الأفضل ان نسميها باسمها، أكاليل العار، عار مجتمعاتنا. تلك التي لا ترى في الطفلة، الفتاة، المرأة، كياناً له كرامة وحقوق متساوية. كيان مستقل. له إحترامه.
بل تراه مصدراً للعار.

مآب الطفلة تعيش مع عمها بعد طلاق والديها.
بعد زيارة لوالدتها، عذبها والدها لمدة ست ساعات حتى تعترف بأنها ارتكبت “فاحشة”.
بأنها تمارس الجنس مع “الأولاد” بسبب والدتها.
ذكرتني بالشيخ الداعية السعودي، فيحان الغامدي، الذي قتل ابنته ذات الخمس سنوات لنفس السبب. شك في سلوكها وهي في الخامسة من عمرها. وعذبها هو الأخر.

بعد التعذيب سجل عم مآب فيديو لها، يحقق معها، يريد أن يثبت جريمتها. وجهها منفوخ ازرق بالكدمات، ملابسها ممزقة، شعرها منفوش، خائفة، ترتعش، وهو يسألها، “هل علمّتكي أمك كيف يلعب الأولاد بكي؟” وهي ترد بخوف “ايوه”، وصوتها خافت كأنين صامت.
لم يكن إنساناً من صور ذلك الفيديو.
لم يكن إنساناً.
فقد آدميته.
والغريب انه تصور أنه بذلك “يُثبت التهمة عليها”.
أية تهمة؟
لم يجد هو في فيلمه أية جريمة؟
لم يجد في تعذيب الطفلة أية جريمة؟
لم يجد فيما يفعله هو أية جريمة؟
بأي ذنب قتلت؟
أسألكم/ن بكل غال لديكم/ن، بأي ذنب قتلت؟
بأي ذنب قتلت هذه الطفلة؟

كل ذنبها، وكل الطفلات والفتيات اللاتي قتلن في اليمن، كما اشارت تدوينة لمنظمة الحراك النسوي اليمني على التويتر “أنهن إناث ولدن في مجتمع لايراهن إلا كجسد يمثل الشرف والعار”.

إكليل العار الأكبر هو في قوانيننا، تلك المستمدة من فقه قديم يعود إلى قرون وسطى. ينتمي إلى عصره.
المادة 59 من قانون الجرائم والعقوبات اليمني ينص على التالي:” لا يقتص من الاصل بفرعه وانما يحكم بالدية او الارش على حسب الأحوال».
ما الذي يعنيه هذا؟
ما يعنيه هذا أن الأب الذي يقتل إبنته أو أبنه لا يعاقب، بل يدفع ديه او مبلغاً يتم الإتفاق عليه. لأن الأب هو الأصل (كالشجرة) والابنة والابن هما الفرع (كفروع الشجرة).
بكلمات اخرى، القانون يعتبر الابنة والابن امتداداً للأب، وهو له الحق في أن يُؤدبهما كما يرى ولو قتلهما فالمسألة تظل خفيفة يمكن التعامل معها بتعويض مالي.

ولذلك لم يكن غريباً أن تبُريء المحكمة السعودية فيحان الغامدي الذي قتل ابنته ذات الخمسة أعوام، وعذر المحكمة أنه “أَسرف في تأديبها”. كأن التأديب يؤدي إلى كسر الجماجم والضلوع.
ولولا الضجة الإعلامية ما دخل السجن. لكنه في النهاية خرج، بصمت قاتل، وكأن حياة الطفلة، كرامتها، حقوقها، لا معنى له في قاموس تلك المحاكم والقوانين التي يحكمون بها.

الطفلة مآب قُتلت في عام 2014. ولم تبدأ محاكمة والدها إلا هذا الشهر في اليمن. والمحاكمة حدثت وتحدث في السر. كيف ستحكم المحكمة؟ هل ستقول أنه “أسرف في تأديبها” هي الأخرى؟ هل ستتجاهل الكسور والكدمات والرصاصات ورميها من فوق مرتفع؟ هل ستتجاهل الفيديو؟ هل ستتجاهل إنسانيتها؟

نريد عدالة تحترم كيان هذه الطفلة، وتصر على أن قتلها كان جريمة، وقاتلها مجرم سينال عقابه.

الطفلة مآب قتلت بدون ذنب.
قتلها أبوها.
ذاك الذي “شك في سلوكها”.
عقله يضج بوسوسة جنسية.
لكن الوسوسة تعكس رؤية مجتمعية.
مجتمع بأسره، مهووس بالطفلة، الفتاة والمرأة.
وسوسة عار.
والنتيجة انها عُذبت، وصورت ثم قتلت. والرجل مقتنع انه يؤدبها.
أليس هذا مخيفاً؟

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.