الطائرة الروسية وأزمة إسرائيل في سورية

بقلم جويس كرم/
جاء وقوع الطائرة الروسية ومقتل 15 جنديا روسيا فيها بعد خطأ تقني في سماء اللاذقية يتحمل النظام السوري مسؤوليته؛ إنما تجر هذه الحادثة إسرائيل إلى أزمة سياسية مع موسكو، تحاول واشنطن التوسط فيها والتخفيف من أعبائها.
ما من شك أن هناك ضوءا أخضر، أو على الأقل أصفر، من روسيا إلى إسرائيل بشن هجومات على أهداف لـ”حزب الله” وإيران في سورية. وهذا نتاج عشرات الزيارات والاتصالات بين تل أبيب وموسكو منذ 2015 تزامنت مع تكثيف للطلعات والضربات الإسرائيلية في سورية (جوا أو عبر الصواريخ)، واستهدف معظمها مخازن أسلحة، قواعد عسكرية، وحواجز في الجنوب السوري حيث تتواجد القوات الإيرانية أو المليشيات التابعة لها وعلى رأسها “حزب الله”.
تخاطب المواقف الأميركية والإسرائيلية موسكو أولا وأخيرا، وبالتأكيد من دون الاعتذار على فحوى الضربة الإسرائيلية
لا تختلف ضربات ليل الاثنين في اللاذقية عن هذا السياق. وهي استهدفت، بحسب مسؤولين أميركيين، تحدثوا إلى “سي.أن.أن” مخزنا للأسلحة الإيرانية المتطورة، يستخدم أيضا لتركيب الأسلحة قبل شحنها إلى “حزب الله”. الذي اختلف في هذه العملية هو تداعياتها غير المقصودة ووقوع الطائرة الروسية والتعقيدات المترتبة عن ذلك على الجانب الإسرائيلي في الحلبة السورية.
سلطت العناوين الضوء على خطأ الدفاعات السورية وإيقاعها للطائرة الروسية، إنما التداعيات الأكبر هي على التفاهم الروسي ـ الإسرائيلي وذلك لهذه الأسباب:


1 ـ لم تعط إسرائيل إنذارا مسبقا بوقت كاف يتيح لروسيا الخروج من الأجواء السورية؛ وبحسب موسكو، فإن قواتها تلقت الإنذار الإسرائيلي قبل دقيقة، وهو ما لم تنفه تل أبيب. وفي هذا السياق، قال الناطق باسم التحالف ضد تنظيم “داعش” شان ريان إن التحالف يبلغ بالضربات الإسرائيلية مسبقا. هذا الأمر يزيد العبء على إسرائيل لجهة عدم تنسيقها مع اللاعبين العسكريين الأبرز في الأجواء السورية، وقد يؤدي إلى إعادة التفاوض حول قواعد الاشتباك قبل شن إسرائيل ضربات مماثلة، لجنب تكرار هذه الخطأ.
2 ـ تسارع الاتصالات الإسرائيلية مع موسكو بعد استدعاء الأخيرة للسفير الإسرائيلي في موسكو بهدف احتواء الأزمة. وهنا تبرز المكالمة الهاتفية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبيان وزارة الدفاع الإسرائيلية الذي يقر بالقيام بالضربة ويحدد الهدف بأنه حزب الله وإيران ويوجه اللوم للنظام السوري فيما يخص وقوع الطائرة الروسية.
قد تشهد الأيام المقبلة مزيدا من الاتصالات الروسية ـ الإسرائيلية لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك والتنسيق بين الجانبين قبل أي ضربات إسرائيلية في سورية
3 ـ تطابق البيانات الأميركية وتصريحات من مسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب مع الجانب الإسرائيلي لاحتواء الأزمة. وهنا جاء تأكيد الرئيس الأميركي على أن النظام السوري هو من أوقع الطائرة وتعبيره عن حزنه للحادثة، ليساند الموقف الإسرائيلي. تكررت اللهجة نفسها من قبل الخارجية الأميركية التي ذكرت بالتواجد الإيراني في سورية وضرورة التصدي له. وتلا موقف الخارجية، كلام مصادر في وزارة الدفاع الأميركية لـ”سي.أن.أن” بأن الهدف هو إيران وحزب الله أي تأكيد الموقف الإسرائيلي.
تخاطب هذه المواقف، الأميركية والإسرائيلية، موسكو أولا وأخيرا؛ وبالتأكيد من دون الاعتذار على فحوى الضربة الإسرائيلية. ويحاول الطرفان الحفاظ على قواعد الاشتباك والتفاهمات الموضوعة، عبر طمأنة موسكو بأن الهدف لم يكن طائرتها ولا قوات نظام بشار الأسد في اللاذقية بل إيران و”حزب الله”.
إلا أن الحادثة حصلت في الوقت الذي تشعر فيه روسيا بثقة أكبر في الساحة السورية، بعد اتفاقها مع تركيا حول إدلب وبدء التفاوض لفتح الممرات التجارية بين أنقرة والنظام السوري وتعزيز تفاهمات أستانة والتنسيق مع إيران بحسب ما ورد في نص تفاهمات إدلب. وهذا ما يزيد الضغط على إسرائيل ومساعيها لعدم نسف التفاهم مع روسيا. أما واشنطن، التي تسعى للعودة للمفاوضات السياسية في سورية، واحتواء “داعش” و”هيئة تحرير الشام”، فهي لا تريد أيضا إغضاب الجانب الروسي في هذه المرحلة.
قد تشهد الأيام المقبلة مزيدا من الاتصالات الروسية ـ الإسرائيلية لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك والتنسيق بين الجانبين قبل أي ضربات إسرائيلية في الساحة السورية، ولتفادي إنذارات اللحظة الأخيرة والأخطاء غير المباشرة التي قد تنسف التفاهم بين البلدين.

شبكة الشرق الأوسط للإرسال

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.