الشهداء في ذاكرة الأمة

الكاتب العراقي فؤاد الكنجي

فواد الكنجي

الثالث من شباط يوم للوفاء والتقدير، وهو يوم خالد في ذاكرة الأمة الاشورية.

انه يوم نستذكر الذين تم إعدامهم من قبل النظام البائد في الثالث من شهر شباط عام 1985 وهم الشهيد (يوسف توما) والشهيد (يوبرت بنيامين) والشهيد (يوخنا ايشو) أعضاء (الحركة الديمقراطية الاشورية) حيث تم اعتقالهم ومن ثم إعدامهم بسبب أنشطتهم القومية ومطالبتهم بحق تقرير المصير للأمة (الاشورية) في (العراق).

انه يوم الأمة (الاشورية) شعبا وكل مؤسسات امتنا المدنية والدينية والحزبية والسياسية.

انه يوم تذكير واستذكار بقيم التضحية والفداء وممارسات البطولة والإقدام.. يوم ننحني تكريما وإجلالا للذين قدموا أرواحهم فداءا للأمة (الاشورية) ودفاعا عن حقوق الأمة القومية؛ ذادوا عن حياضها ودافعوا عن إنسانها من أجل حق تقرير المصير على أرضهم التاريخية في (العراق) ومن اجل الحرية.. والعدالة.. والكرامة الإنسانية، والتي هي قيم تناضل الأمة من اجل تحقيق الأمن.. والاستقرار.. والحرية لأبنائها؛ وهي القيم التي لا تزال تشكل نهجا يوميا لشعبنا (الاشوري) ولقيادة كل أحزابنا.

في الثالث من شباط نتذكر البطولات والتضحيات هؤلاء الإبرار ومن قبلهم ألاف الإبطال من الذين استشهدوا بعد إن نذروا أنفسهم فداء للأمة وقد لبوا نداء الواجب دفاعا عن الأمة وحقوقها القومية في أكثر من ساحة، وبذلوا أرواحهم دفاعا عما نذروا أنفسهم من أجله؛ كي تبقى راية الأمة عالية خفاقة في أفاق الوطن.

في الثالث من شباط.. يوم نعبر فيه عن عظيم شكرنا ووافر امتناننا لمن بذلوا أرواحهم ودماءهم الغالية في ساحات الشرف فداء للأمة (الاشورية) وصونا لحقوقها؛ لتظل راية (الإشورية) رمزا للوحدة.. وللقوة.. والعزة.. والمنعة؛ لحين إن ترفرف على ارض (اشور)؛ ارض الاباء والأجداد.

فالثالث من شباط.. تاريخ فيه دلالات بالغة الأهمية تؤكد على قيمة الشهادة والتضحية من اجل بناء حاضر ومستقبل الأمة وتجسيدا لقيمها ومبادئها؛ لان الشهداء رسموا بدمائهم طريق الحرية للأمة ولأبنائها وقدموا في سبيلها أعز ما يملكون وهو (الدم)؛ بعد إن آمنوا بشعار ( لا حرية بدون تضحيات)، ولهذا سيظل أسماء الشهداء محفورة في الذاكرة والقلوب كل أبناء الأمة؛ وفي سجل التاريخ؛ لأنهم منحوا بدمائهم نور الحياة الذي لا ينطفئ ليضيء الدروب لنا وللأجيال القادمة بعد إن أعطوا لنا المعنى الجميل للمجد والسؤدد، وبعد إن سطروا أروع ملاحم البذل والتضحية والعطاء الغير المحدود.

فالثالث من شباط.. بإعدام الشهيد (يوسف توما) و(يوبرت بنيامين) و(يوخنا ايشو) هؤلاء العظماء الذين حملوا راية الجهاد أعطوا للأمة (الاشورية) درسا عظيما في (ثقافة الاستشهاد) لترسيخ قيم التضحية والولاء والانتماء للأمة ولمعنى الحرية في المجتمع (الاشوري)؛ ليتم تنشئة الأجيال على هذه القيم بعد إن يؤمنون بقيمها ويتمسكون بها؛ لان الأثر الذي تتركه (الشهادة) في نفوس المجتمع بتجدد الروح هي قيمة دائمة الحضور ومتجددة في حراكها الإنساني؛ لان رصيدها الرمزي والمعنوي سيبقى خالدا في الذاكرة وفي مخيلة الأمة؛ تعتز.. وتتزود بمعطياته.. وتشحن بطاقاته.. من أجل إدامة الحياة الحرة الكريمة والاستمرارية.

فتخليد ذكرى الشهداء.. ما هو إلا قيمة رمزية ثابتة في الذاكرة الجماعية يتوارث ذكراهم وأسمائهم العطرة عبر الأجيال والأزمنة؛ لان من يموت لأجل قضية سامية يعني تجاوز ذاته ويؤثر فيها عن نفسه أشياء كبرى.

ومن هنا يجب إن تدرك الأجيال بان الحرية والسيادة لأية امة؛ لا تأت ولا تمنح لأنها ليست هدية تقدم بالمجان؛ وإنما تأتي عبر طريق النضال.. والكفاح.. وبالتضحية.. والوفاء؛ وبالتالي من الواجب المقدس إن يجاهد كل أبناء الأمة من اجل الحفاظ على وجودهم والسعي لتحقيق مكاسب وطنية لامتهم لكي ترى حريتها مشرقة على ارض الوطن (اشور)، لان ثمن الحرية ثمن غال.. وغالي جدا.

ومن هنا نجد بان كل جيل من أجيال امتنا (الاشورية) يقدم ضريبة (الدم)؛ وقد قدمها كوكبة من جيل 1985 من الأجيال امتنا، فضريبة الإبداع.. والتنمية.. والتقدم.. والازدهار.. هي مسؤولية كل الأجيال وعليهم إن يحافظوا على هذه القيمة الوطنية للأمة؛ لأن شهداء الأمة (الاشورية) استشهدوا من أجل الحرية وحق تقرير المصير على الأرض وتراب الأمة ومن أجل شرف الأمة؛ وبالتالي فان هذه الضريبة؛ (ضريبة الدم)؛ ستكون بمثابة حصانة للأجيال؛ يجب عليهم إن يحافظوا على هذه المكاسب وان يضيفوا عليها مع استمرار في توريث هذه القيم الخالدة؛ وهذه هي ديمومة وصيرورة الحياة وإرثا تسير الأمة عليه من بعدهم حتى لا تضل الطريق؛ لان الشهداء هم عنوان لتحقيق الوجود.. والنصر.. والحرية.. والاستقلال.

فشهداء امتنا؛ شهداء علموا الأجيال قيمة التحدي لإثبات الوجود والتصدي لقوى الظلم.. والقهر.. والقتل.. والتدمير.. والحصار.. والتهجير القسري؛ لذلك فان نظرة أبناء امتنا وتحديدا الشباب منهم ينظر إلى الشهداء وما جادوا به من دماء، وما تركوه من وصايا، وما سجلوه من كلمات قبل استشهادهم وهم يعتلون المشانق أو في ساحات القتال والاستبسال؛ كان وما يزال بمثابة الوقود والزيت الذي يسرج قناديل الحرية للشعب (الاشوري) برمته ليتجذر أكثر وأكثر على أرض امتنا (الاشورية) ليتمسكوا أكثر وأكثر بحقوقهم القومية وبتاريخ أمتهم وحضارتهم الخالدة، لذلك نرى شعبنا (الاشوري) في كل مرحلة من مراحل تاريخهم وهم في كامل الاستعداد والجهوزية كي يدفعوا ثمن بقائهم على الأرض وحقهم في تقرير المصير مهما طال الزمن أو قصر، لأن الحقوق.. والحرية.. والكرامة لا تستجدى وليست متاعا تباع وتشترى؛ ولن يعطيها لنا أحد بالمجان؛ بل تؤخذ بقوة النضال.. والكفاح.. والمقاومة مهما كان الثمن؛ وقد عرف شهداء امتنا هذا الثمن فقدموا أنفسهم فداءا لها ليرسلوا هؤلاء الشهداء الشباب (يوسف توما) و(يوبرت بنيامين) و(يوخنا ايشو) – كما أرسل غيرهم من الشهداء من الذين سبقهم – رسائل إلى كل شباب امتنا (الاشورية) بان لا يكلوا ولا يملوا بل عليهم إن يصروا ويصبروا وان يناضلوا ويكافحوا لان في كل وقت وفي كل زمان ستولد وسائل صمود جديدة لا تخطر على بال أحد من وسائل تصدي جديدة ليست بحسبان الأخر من الذين يصادر حق امتنا في تقرير المصير والحرية، لذلك فان تضحيات وعطاء هؤلاء الشهداء أصبحت تتوالد وتنمو وتكبر في نفوس أبناء الأمة؛ جيل بعد جيل لأنها أصبحت دروس عملية لتأصيل وتجذير روح الانتماء للأمة (الاشورية)؛ لذلك فان الروح النضال المتوثبة اليوم في نفوس أبناء امتنا أينما وجدوا وأينما كانوا والتي تسرى في عروق شباب امتنا هي من ثمرات الجهاد والاستشهاد هؤلاء الشهداء الثلاث وغيرهم من شهداء متنا، وبركة من بركات من جادوا بدمائهم من خلال الفعل الحقيقي المعبر عن الإيمان بقضية الأمة (الاشورية) وبالأرض والكرامة الإنسانية، ولن تستطيع القوى الغاشمة وأجهزتها القمعية من الوقوف في وجه الأحرار ومواجهة من يسعى إلى النضال من اجل النصر ومن اجل حق تقرير المصير وهو يحمل روحه على كفه، ويتطلع إلى حياة حرة كريمة وبناء وطن حر يؤسس بدماء أبناء امتنا (الاشورية).

ولان وسائل التضحيات اليوم أصبحت بأشكال وصور وآليات أكثر من أن تعد وتحصى، فالجهاد والتضحية ليست مقتصرة على السلاح فحسب، لان الشهداء جسدوا الحقيقة القائلة بأن التضحية ما هي إلا مجموعة من ثوابت تتلاحم وتتفاعل من أجل تحقيق غاية واحدة وهي حرية الشعب، لذلك يكون القرار والاستعداد للتضحية بكل شيء حتى بالروح من أجل الخلاص من الذل والقهر والحرمان، والجهاد أول طريق للشهادة؛ من يخرج إليه ويمشي في مسالكه فقد ينالها ويسكن في ضمير الإنسانية والحياة؛ ومن يناضل من اجل قطف ثمار الحرية والانتصار فهو الشهيد؛ وبهذا المفهوم هو (الشهيد الحي) مع وقف التنفيذ؛ هذه هي معادلة الكفاح والنضال من اجل تحقيق حرية الشعب وحقه في تقرير المصير؛ لان طريق الشهادة بكل جوانبها وقيمها البطولية تشكل الذاكرة الجهادية للأمة وبعدا من أبعاد نضال الأمة والاستعداد لتضحية والارتقاء في تحمل المسؤولية وكل تبعات التي تستوجب التضحية؛ لان المقاومة في ذواتهم تجسد أعلا قيم الانضباط من حيث التحمل والصبر؛ لأنهم أدركوا الحقيقة أكثر من غيرهم؛ لأنهم لا يرضخون ولا يستسلمون ولا يتنازلون عن مبادئهم التي نذروا أنفسهم من اجلها في تحقيق الحرية لشعبهم؛ لان إصرارهم على الحياة؛ هو إصرار بان تكون الحياة حرة كريمة للأمة؛ لان أعماقهم وقلوبهم وأفكارهم وضمائرهم تحمل كل القيم الإيمان.. والإنسانية.. والحضارية.. والأخلاقية؛ لان حرية الأمة لا تمنح بل تؤخذ بتضحيات هؤلاء الشهداء الذين استطاعوا بما قدموه أن يبرهنوا على أنهم قادرين على العطاء والبذل والتضحية دفاعا عن حقوق الأمة والأرض والعرض، فالشهيد لا يضحي بروحه جزافا ودون هدف ودون سبب، انه يقدم روحه و دماءه من اجل تحقيق غايات للأمة تمس مستقبلهم في نيل حقوقهم القومية، لذلك نراهم في ساحات الوغى وعلى حبال المشانق يصيحون بأعلى أصواتهم بوجه الظالم المستبد والمحتل؛ بحرية للأمة والشعب؛ ليكون صوتهم صوت لكل المظلومين والمضطهدين والمحرومين والمقهورين؛ بعد إن تكالبت على امتنا (الاشورية) كل قوى الظلم والبغي؛ واغتصبت حقوق الأمة في أرضها وحريتها فمارسوا أبشع أنواع الاستغلال والقهر والإذلال بتجريف أراضيهم وتغير دمغرافيتها وحمل أبنائها بقوة السلاح إلى النزوح والتشرد هنا وهناك.

ومع هذا الجبروت الذي مارسه الأخر ضد امتنا في وقت الذي لم تؤخذ قضية امتنا محمل الجد في المحافل الدولية وهيأتها ومنظماتها الحقوقية والإنسانية؛ ومع هذا الظلم استطاعت امتنا وبدماء شهدائنا إن تفشل كل المحاولات والمساعي التي لم تتوقف لتدجينه وتذويبه وطمس هويته القومية.. والدينية.. والإنسانية.. والتراثية.. والحضارية.. كشعب ينتمي للأمة (الاشورية) والى ارض (اشور) في بلاد (ما بين نهرين) وسلخه عنها، فامتنا (الاشورية) هي واحدة من الأمم الوحيدة؛ لا زال يرزح شعبها تحت نيران التهجير ألقسري من موطنه وأراضه في بلاد (ما بين نهرين) منذ عقود طويلة؛ لذلك لم يكن أمام شبابهم من أمثال الشهيد (يوسف توما) و(يوبرت بنيامين) و(يوخنا ايشو) وآلاف من أمثالهم استشهدوا في مذابح عام 1393 – 1401مذابح (تيمورلنك) و1812 – 1848مذابح (بدرخان) و 1894 – 1896 مجاز (الحميدية) و1915 – 1918 – 1924 مذابح (سيفو) و1933مذبحة (سميل) وغيرها من المذابح، إلا إن يأخذوا من الكفاح.. والنضال.. والمقاومة.. والشهادة.. سبيلا لإيصال رسالة الأمة (الاشورية) إلى كل محافل الدولية في حق تقرير المصير؛ بل واستطاعت امتنا بتضحيات شبابها وخيرة رجالها إن يتجاوزوا كل المكائد المحلية والإقليمية والدولية وأن يداووا جروحهم النازفة بأيديهم، وعبر قوافل الشهداء استطاعت الأمة أن تصمد بوجه كل المحن وتواصل مسيرة للنهوض من بين أكوام المعاناة والألأم ومن قلب الإخفاق واليأس إلى تحقيق ذاتها كقومية (اشورية) لها تاريخها وحاضرها كند حقيقي لأشرس أعداء احتلوا واغتصبوا وقمعوا حقوق الأمة في بلاد (ما بين نهرين) وفي حق تقرير المصير.

لذلك كانت لتضحية الشهيد (يوسف توما) و(يوبرت بنيامين) و(يوخنا ايشو) ونضال رفاقهم في السلاح وجبهات النضال من خلال ما قاموا وما فعلوا هؤلاء الشباب الذين قدموا أرواحهم فداءا للأمة (الاشورية) فكانوا خير قدوة عملية التي أحيت الأمل في نفوس امتنا والأجيال الناشئة؛ لان ما قدموه كان النموذج الأمثل للتضحية والفداء؛ وجعلوا من قضية الأمة (الاشورية) قضية حية في الوقت الذي أراد أعداء الأمة نسيانها وأن تبقى حبيسة أدراج المؤسسات هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الأممية .

About فواد الكنجي

ولد في عام 1957 في مدينة كركوك بالعراق,و حصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة الحديثة من جامعة بغداد عام 1983. إضافة إلى الفن التشكيلي اصدر عديد من المؤلفات بداية من ديوان الشعر بعنوان ( ضوء على مياه الثلج) عام 1983 في بغداد, ثم ديوان الشعر بعنوان ( مراثي الجسد ) عام 1984 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان ( البكاء الأخير ) قصيد ولوحات عام 1985 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان( سحب الذاكرة ) قصيد مرسومة عام 1987 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان ( أحزان قلبي ) في بغداد عام 1992 , و ثم اصدر ديوان الشعر ( حرائق الحب ) في جزئيين الأول تحت عنوان ( رسالة ساخنة إلى الخائنة –م- واللامعقول في سيكولوجية الحب ) ..أما الثاني فقد أتى تحت عنوان ( قسوة الحرائق ) عام 1993 في بغداد , وكذلك اصدر ديوان الشعر بعنوان (رماد الأجساد) في بغداد عام 1993 , و ديوان الشعر بعنوان( صرخة المساء ) في بغداد عام 1995 , و له ديوان شعر بعنوان ( لحظات الحب ) صدر بمقاطع قصيرة على عمود الصفحة الأخيرة في جريدة نركال وعلى مدى ثمانية أعوام ، اما في مجال الدراسات فقد ألف كتاب بعنوان ( دراسة جمالية في التربية المعاصرة ) طبع ولم يصدر , و كتاب بعنوان ( قاموس الأحلام ) موسوعة لتفسير رموز الأحلام لم يطبع , و كتاب بعنوان (الفن والأسس الجمالية) لم يطبع , و كتاب بعنوان ( نعم احبك) لم يطبع , و كتاب بعنوان ( جان دمو الإنسان ) دراسة لحياة الشاعر.. نشر بأجزاء في جريدة نركال. اما في مجال الأعلام والصحافة فقد أسس جريدة نركال و ترأس تحريرها ، حيث كانت تصدر في مدينة كركوك- العراق منذ عام 2003 , حيث صدر العدد الأول في 8-10-2003 ولغاية اذار عام 2011 حيث غادر العراق مهاجرا إلى كندا لظروف سياسية.
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.