الشاعرة عايدة خطيب تتألق بشعرها للأطفال

(نص كلمة القيت في ندوة عن ابداعات الشاعرة عايدة خطيب)

نبيل عودة

في السنوات الأخيرة ألاحظ أن المرأة تأخذ حيزا يتزايد باستمرار في المشهد الأدبي العربي داخل اسرائيل.

للأسف هناك عوائق كثيرة تشكل الكثير من العوامل السلبية على تطور ثقافتنا بمجملها، سأذكرها بدون توسع:

1. مشكلة النشر والتوزيع

2. غياب الصحافة ألثقافية، هناك محاولات آمل ان تنجح وان نرى مجلة ثقافية فكرية كما كانت مجلة “الجديد” في وقتها.

3. غياب نسبي كبير للصفحات الثقافية من الصحف المطبوعة.

4. مؤسسات الجماهير العربية بكل انواعها وتشكيلاتها لا تقدم لتطوير الحياة الثقافية أي دعم. وغير ذلك الكثير…

بالمناسبة: تعرفت على عايدة خطيب عبر نشاطها الثقافي وبالتحديد بكتاب ” اشعار للأطفال” الذي وقع تحت يدي بالصدفة، فشدني بروحه وصوره الشعرية التي نقلتني لعالم الطفولة المذهل بجماله ألرائع، برونقه، بالوانه وكان أول كتاب محلي للأطفال أقرأه .. ليس قصورا مني انما لم أجد ما يشدني ضمن مشاغلي الكثيرة لأتعرف على هذا الجانر الأدبي، الذي لا اقلل من أهميته وقيمته الإنسانية والجمالية لتطوير وعي أطفالنا.

في السنوات الاخيرة تعرفت على ابداعات كتاب آخرين.. وأستطيع القول ان الكتابة للأطفال اصبحت ساحة مخترقة من عدد كبير من الأسماء بعضها رائع حقا وبعضها لم أجد به ما يخدم الهدف من الكتابة للأطفال.

السؤال الهام: هل التهافت على الكتابة للأطفال، الذي تشهده ثقافتنا العربية داخل إسرائيل هو تهافت طبيعي ام يخفي وراؤه اهدافا لا تخص النشاط الثقافي ومتطلبات تطوير أجندة تخص عالم الطفولة؟

أقول بوضوح، ما عدا قصص قليلة ولأسماء قليلة جدا من كتاب الأطفال لم أجد إلا كتابات تتراوح بين الإجادة والإجادة المتوسطة من جهة والثرثرة المؤسفة والمضرة من الجهة الأخرى.

يهمني بهذه المناسبة أن اتناول بعض المميزات لدى الأديبة عايدة خطيب في تناولها لعالم الطفل وهو عالم مركب جدا، آسر جدا بجماله، تتحكم فيه أجمل المشاعر الانسانية وأكثرها براءة ونقاء. اقول بثقة ووضوح ان عايدة خطيب فاجأتني وأعادتني طفلا وأنا أقرأ اول كتاب لها “أشعار للأطفال”. وقد لاحظت انها تعمل بلا كلل على تطوير تجربتها في الكتابة القصصية والكتابة الشعرية للأطفال، وقد اصدرت حتى اليوم اكثر من اربعين قصة وديوان شعر يخص الأطفال.

المميز الهام لدى عايدة خطيب هي قدرتها على الدخول الى عالم الطفل وتفكيره وردود فعله، حيث استطاعت ان تحافظ على رونق عالم الطفولة مثلا قصيدتها “أحب اللعب بالكبريت” نقرأ:

” أحب أن العب

بعلبة الكبريت

فتفزع أمي

تصيح يا عفريت…

كم لاعب بالنار

أحرق كل الدار

وحينما تذهب

أمي الى المطبخ

لتطبخ الطعام

وتشعل الكبريت

أعدو وراءها وأصيح

يا عفريته…”

من منا لم يعش هذه القدرة الطفولية على الربط بين الظواهر وليس بين المضمون. من هنا ينبع جمال عالم الطفولة الذي عرفت عايدة ان تتسلل اليه وتنقله لنا.

لغة عايدة تتميز بالبساطة والسهولة وتضفي لونا اضافيا على النص ما هو أهم من اللغة هي القدرة على دخول عالم الطفولة المسحور والأسطوري والكشف عن نمو شخصية الطفل وتكوينها. ان اسلوب اكتشاف الأطفال لذاتهم، لواقعهم وإدراكهم لعالمهم ليس أمرا سهلا. في قصيدة “أحبكم ان تسمعوني” تقترب عايدة أكثر للتفكير الطفولي:

” حين تموء قطتي

وتطلب الطعام

انهرها بشدة

فنحن بالصيام”

في قصيدة موجهة بالأساس للأهل، عبر الرؤية بعيني طفلة، وكأني بها توبخ الكبار خاصة بموضوع التفضيل الذي يحظى به المولود الذكر عن المولودة الأنثى، في قصيدتها “لماذا أمي حزينة” تمس عايدة قلب ألمشكلة بكلمات تنغرز بالقلب بألم:

“يظل فكري حائرا

أياما كثيرة

فأمي تبدو دائما

تعيسة حزينة

لأن أمي أنجبت

أختي أمينة

ولا أخ في بيتنا

ونشتهي البنينا”

أعترف ان أدب الأطفال بدأ يشدني منذ قرأت “أشعار للأطفال ” للأديبة عايدة خطيب، حيث اكتشفت الكثير من الأفكار والعمق الانساني الذي بدأنا نفتقده في عالم “الشاشات الألكترونية” التي تملأ كل زوايا بيوتنا. في بعض ما يكتبه الكبار للصغار بدأت ألمس تطور “النص الألكتروني”، ضجيج لا يقول شيئا.. ربما لغويا لا بأس بالنص، لكنه خطاب لا يصل للعنوان الصحيح.

على عكس ذلك عايدة خطيب نجحت بنقل عالم الطفولة بتوهجه. الموضوع ليس لغة فقط مع أهمية اللغة والمفردات التي نختارها لمخاطبة ألطفل انما النجاح بتقمص تفكير الطفل الساحر والأسطوري ولنحلم بلا خجل كالأطفال، ربما عندها نستطيع ان نحلم كالكبار، فبدون ان نحلم لا معنى لكتاباتنا. الكتابة في جوهرها هي العلاقة بين الحلم والواقع. اتمنى لعايدة خطيب ان تواصل الحلم مع الأطفال وتمنحنا كبار وصغارا لحظات من الجمال والمتعة.

لدي بعض الملاحظات حول ديوانها الشعري للكبار ” أحلام مؤجلة”:

في ديوانها شعرت انها لم تعد بحاجة لقدراتها الخاصة في اختراق عالم الطفولة فهي تنشد لعالم تعيشه بصعوده وهبوطه، بأمله ويأسه، ببؤسه وفرحه، فتلاشت من الديوان الكثير من الأحلام او انها أجلتها كما اعلنت بالاسم الذي أطلقته على مجموعتها الشعرية للكبار “أحلام مؤجلة”.

وهل تؤجل الأحلام؟ هل نؤجل الشعر الذي كله أحلام؟ وماذا ينفع الشعر للإنسان إذا صار قدريا؟

انت تعرفين الجواب يا عايدة فما بالك تتعثرين؟ الشعر لا يعرف التردد والحياة لا تعرف التردد، الحياة لمن يروضها كذلك الشعر.

رغم ذلك في قصائدها للكبار ظلت تحمل تأثرا واضحا من قصائدها للصغار. من هنا جاءت بعض التعابير نثرية مباشرة، كان بإمكانها ان تلجأ للشفافية أكثر وان تتركنا نحن الكبار نجتهد لنفهم ما وراء الكلام، الست انت التي تقولين في “خمائل وجدانية”:

” اتسعي ما شئت

بل عانقي الغمام

ان أردت”

في الديوان عدد من القصائد العامية، أعتقد انها أكثر حرارة وأكثر حركة وتمردا لاقترابها أكثر من البساطة كما في قصيدة اعتراف

“وشعري على كتافي

ربيته الك”

وهي قصيدة تكاد تكون وحدة متكاملة حتى وجدت صعوبة في اقتطاع مقاطع للدلالة عليها.

ولا بد من الإشارة الى قدرات عايدة على الصياغة اللغوية المنسابة بهدوء واطمئنان وقدرتها على الاستعارة و حتى النحت باللغة. تتميز بعض مقاطعها بما يسمى “اللغة ألتصويرية” لكن اكثر ما لاحظته هو خيط رفيع من الحزن لا ينقطع، يرافق القارئ من بداية الديوان وحتى نهايته، بحيث يبدو الفرح في بعض القصائد كإعلان للتمرد الذي سرعان ما يذوى وراء الحزن المتواصل في الديوان. بعض القصائد زخرت بالشعاراتية وهو حقا موقف صادق لكنه لا يخدم الشعر. اما المميز لأكثرية قصائد الديوان فهو انسيابها ألهادئ الخجول أحيانا، ربما “الطفلة” عايدة تشعر بارتباك عند مخاطبة الكبار ومن المثير معرفة نفسية الشاعرة في الحالتين. وكما كتبت عايدة على الغلاف الأخير “يحق لنا ان نسافر بأحلامنا”: واضيف: وبشعرنا أيضا فهو هويتنا وهو “حكم القدر، اذا وجد مثل هذا الشيء!!

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.