السلسلة ليست أقوى من أضعف حلقة فيها

أعود اليوم إلى وليام الصغير، والذي ملأ حياتنا عبقا، وجدد كل شيء فيها،
وفي الوقت نفسه قضى على نصف ماتبقى من عمري!
أعود إلى قصة ولادته كي أثبت لنفسي ولقرائي، أن الأمة – أية أمة – هي مجموع أفرادها! كما يؤكد قول أمريكي: السلسلة ليست أقوى من أضعف حلقة فيها!! بناءا عليه ينظرون إلى أي طفل يولد، بغض النظر عن أصوله،
ينظرون إليه ككنز انساني ووطني، ويحاولون كل مابوسعهم لان يساهموا في صقل هذا الكنز منذ اللحظات الاولى للحياة.
….
في تلك اللحظات يجرون كل فحص مذكور في الكتب الطبية، ليضمنوا ان الطفل صحي، او يسارعوا الى علاج أية حالة او اضطراب ولادي قبل ان يستفحل!
….
كل فحوصات وليام كانت طبيعية باستثناء ارتفاع في مستوى الامونيا في الدم.
أحد الاحتمالات وأكثرها خطورة هو إصابته بنقص احد إنزيمات الاستقلاب،
والذي يؤدي لاحقا الى فشل في تحويل الامونيا الى يوريا وطرحها في البول.
…..
في اليوم التاني من ولادته اتصلوا بِنَا، كي نعيده وبسرعة البرق الى غرفة الإسعاف، قبل ان تصل الامونيا الى الجهاز العصبي المركزي ويبدأ التخريب…
كانت لحظة قاسية جدا، وكان الطبيبة المختصة مع طاقمها في انتظارنا.
أجروا على الفور فحوصات دم وبول جديدة، وجاءت النتيجة أن كمية الامونيا رجعت الى الحد الطبيعي وكل شيء على مايرام… حتى ارتفاعها في الفحص الاول لم يكن مقلقا، فلقد كانت 83، والمفروض ان تكون تحت ال 60
الخطورة تكون حقيقية عندما تتجاوز المائة.. مع هذا، ورغم عودتها الى الحد الطبيعي لم يقتنعوا، وأخضعوا وليام لكل الفحوصات الممكنة ابتداءا من الدراسات الوراثية ومرورا بالمخبر.
طبيبته تقول: في حال إصابته باضطراب ولادي استقلابي لا يمكن ان تعود الامونيا الى حدها الطبيعي، بالاضافة الى ان الأعراض السريرية المرافقة لهكذا حالة غير موجودة على الإطلاق، ولكن علينا ان نضع اسوأ الاحتمالات،
ونفعل كل مانستطيع لقطع الشك باليقين! فعلاج الحالة في بدايتها أسهل بكثير من علاج اختلاطاتها لاحقا.


…..
حسب تصوراتي وحساباتي أتوقع ان الفحوصات والدراسات التي أجروها على وليام منذ أن ولد وحتى اليوم، ولتقطع نسبة شك واحد بالمليون باليقين، قد فاقت الخمسين الف دولار. لكن الطفل عندهم أغلى من أي رقم حسابي، وهنا تكمن عظمة الأمة.
….
لقد عشنا قرابة ثلاثة أسابيع على أعصابنا، وخصوصا أنا التي أعرف مضاعفات الحالة، لو كان مصابا بها. كم كانت تقهرني دموع أمه، وهي تنحدر على وجنتيها كشلالات نياغرا، كلما سألتها عنه! ولَم تكن اليوم أقل هديراً، لكنها كانت دموع الفرح، بعد ان عادت نتائج الفحوصات لتؤكد أن وليام طفل صحي، ولا يعاني من أية مشكلة…
لقد بدأت للتو عملية ولادة حقيقية،
ولادة إنسان جدير بالحياة، وجديرة به….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.