السلبيات تخلق الإيجابيات أحياناً .

قصة حقيقية من تجاربي الحياتية القاسية في المدرسة الأبتدائية .
بين سني الخامسة والثامنة من عمري تم إنتقالنا ألى عدة مناطق سكنية وبحسب الظروف المادية والوظيفية التي واجهت والدي .
كنا في بداية وعيي وذاكرتي -في سن الخامسة- نسكن منطقة السعدون، ومنها انتقلنا لمنطقة البتاويين، ومنها ألى محافظة السماوة،وبعدها بسنة عدنا إلى بغداد وإستأجرنا بيتاً صغيراً (مشتمل) في منطقة (سبع قصور) في جانب الرصافة .
كل ذلك حدث خلال ثلاث سنوات وأنا في بداية طفولتي مما أثر سلباً في أجتهادي المدرسي حيث سقطتُ في الصف الأول الإبتدائي وكنتُ اكره المدرسة وكل ما يتعلق بها وخاصةً مدرستنا الأبتدائية في منطقة سبع قصور (مدرسة الحرية) والتي كانت تفتقر وبصورة بائسة ومُحبطة لكل انواع الحرية !.
كانت تلك المنطقة تعج بأبناء الفقراء والكادحين والكسبة من المسلمين الشيعة وقليل من أبناء المسلمين السنة ذوي الرتب العسكرية الكبيرة ومالكي الأراضي وأصحاب البيوت والقصور التي كانت تقع على ضفة نهر دجلة .
مدرسة الحرية لم يكن فيها غير 3 طلبة مسيحيين فقط ، أخي نبيل وهو أكبر مني بثلاث سنوات، وطالب آخر كان اسمه ( وليد ميجر سطام ) وأنا. ولا أعتقد أنني عانيتُ من أي نوع قمع وتفرقة وإضطهاد في كل حياتي أكثر مما عانيتُ في تلك المدرسة الكابوس .
من ضمن الطلبة معي في الصف الأول الأبتدائي كان هناك طالب ضخم متنمرعدائي لئيم الأخلاق إسمه (منعم)، كان يضطهدني بكل الطرق التي ممكن أن تسمح له الفرصة بها !. كان اكبر مني حجماً بمقدار يجعله دائماً متفوقاً عليَ جسدياً في حالة الصراع الجسدي وحين كان يستفزني ويُجبرني على منازلته دفاعاً عن نفسي .
كنتُ أُطبق تعاليم والدي الذي كان دائماً يحثنا للدفاع عن انفسنا حتى ولو خسرنا المعركة، المهم برأيه أن ندافع عن انفسنا !، وحين كبرتُ قرأتُ حكمة رائعة للشاعر العراقي (عبد الوهاب البياتي) كانت تختصر فلسفة والدي في الدفاع عن النفس تقول :
[ شرفُ الإنسانِ أن لا يموتَ راكعاً منسحقاً مُهان، كالكلبِ تحتَ عجلاتِ العار. بل أن يعيشَ في خُطوطِ النار .. منتصراً حتى وإن حاقت بهِ الهزيمة ] .
وكم هي رائعة ورهيبة وشبه مُقدسة هذه الجملة الأخيرة “منتصراً حتى وإن حاقت بهِ الهزيمة” . وهو ما كان يحدث معي دائماً، كنتُ أشعر بالفخر لإني لم أكن اتنازل أو أحني رأسي لإحد. وهو بالضبط ما حدث للسيد المسيح الذي انتصر حتى وهو يموت فوق الصليب .


أخي الكبير نبيل كان اوفر حظاً مني، لإنه كان متفوقاً دائماً في الصراعات الجسدية التي كانت ايضاً تُفرض عليه، والتي توقفت بعد حين لإنهم عجزوا عن أن يهزموه، لكنه كان يُراقب بحزنٍ شديد خساراتي المتكررة ونفسي الجريحة ومعاناتي الطفولية الصامتة التي كانت تأبى البكاء أو التذمر أو حتى الشكوى . كان يحس بي ويتألم لإجلي .
ولم تُجدي كل محاولات والدي في أن يجعل إدارة المدرسة تعاقب المعتدين، حيث اذكر مرة أن مدير المدرسة قال لوالدي بما معناه : ( ابو نبيل هذه مشادات تحدث يومياً بين الطلاب ولسنا قادرين على معاقبة الجميع، حاول ان تعلم أبنك كيفية الدفاع عن نفسه ).
لكن ذلك المدير الإبله نسى أو تناسى أن (منعم ) كان اكبر مني حجماً بكثير، كان بحجم أخي نبيل الذي يكبرني بثلاث سنوات !.
المهم … والدي بدأ يُطبق نصيحة السيد المدير، وفرض عليَ يومياً مدة ساعة اقوم في خلالها بمصارعة أخي نبيل في حديقة دارنا. وفي نهاية العطلة الصيفية أصبح أخي نبيل بالكاد يستطيع التغلب عليَ في المصارعة الجسدية، لإني كنتُ مندفعاً بكل قناعتي، وكانت شدة كراهيتي لمنعم تجعلني أشد وأقوى وأكثرُ صلابةً من خلال حلمي الوحيد في ان اصرعه وأهزمه وأمرغ أنفه في تراب ساحة المدرسة. وكانت واحدة من الدروس التي علمني إياها والدي هي أن اكون السَباق في مهاجمة الخصم لحظة احس انه سيُهاجمني لا محالة .
كان والدي يُردد عل اسماعنا يومياً بيت الشعر الشهير الذي يقول :
[ لو لم تكن ذِئباً على الأرضِ أجرداً *** كثيرُ الأذى، بالت عليكَ الثعالبُ].
انتهت العطلة الصيفية ( 3 اشهر) وعدنا للمدرسة وكلي شوق وتحفز لإن يستفزني منعم كعادته، وفعلاً لم يُفوت الفرصة حين راح يُخاطبني مُستفزاً: ( ها ولك نصراني جايف، بعدك دجاجة ؟. )، فما كان مني إلا ان باغتته وصفعته بشدة على وجهه ودفعته بكل قوتي بحيث سقط ارضاً مما اتاح لي فرصة إعتلائه وضربه بشدة على وجهه عدة مرات إلى أن بدأ انفه ينزف دماً، وراح بقية الطلاب المتجمهرين يرفعوني من فوقه وهم متعجبين كيف أن “النصراني الدجاجة” تمكن من ديكهم الشقي المتنمرالجسور !. ومن خلال زحام الطلاب حولي شاهدتُ على البعد وجه أخي نبيل وهم يبتسم .
مدير المدرسة قال لإخي نبيل بأنه يُريد أن يرى والدي في صباح اليوم الثاني، وحين حضر والدي أخبره المدير بما حدث وطلب منه تأديبي ومنعي عن ممارسة العنف !!!، لكن والدي قهقه ضاحكاً وبكل سخرية وقال للمدير وهو يُغادر غرفته : “علموا طالبكم المدلل منعم كيف يُدافع عن نفسه”.
لم يتجرأ منعم بعد ذلك على إستفزازي أبداً. بل راح يتودد لي ويطلب صداقتي، كذلك فعل غالبية الطلاب، لكنني لم أكن أثق بمنعم ولهذا أهملته نهائياً، لكن كان هناك دائماً من يحاول كسر شوكتي حتى في الوظائف التي كنتُ فيها قبل هجرتي كان هناك دائماً من يحاول أن يستصغرني لإني وكما كانوا يُسموننا ( نصراني ) !.
بعدها إنتقلنا ألى بيتنا الجديد في مدينة المأمون، وإنتقلتُ شخصياً عبر بضعة سنين إلى مدارس مختلفة ( إبتدائية ومتوسطة وثانوية ) ودائماً كان في تلك المدارس (منعم) جديد ولكن بإسم ووجه مُختلف، وكما يقول المثل العربي ( في كل وادٍ بنو سعد) !، لهذا كان عليَ أن اعيش في تحديات متواصلة ومعارك وإشتباكات يدوية متواصلة كنتُ دائماً مُجبراً عليها، ورغم أني كنتُ منتصراً تقريباً في أغلبها لكنني وبصدق لم أكن فخوراً بها وبنفس الوقت لم أكن نادماً عليها ! لإن طبيعتي لا تميل للشر ابداً إلا حين اُرغمُ عليه .
الدنيا صراع لن ينتهي بين القوي والضعيف، لِذا يتوجب على الفرد مِنا ان يكون قوياً أجرداً كي يحمي نفسه وحقوقه وكرامته قدر الإمكان من شر القوي الظالم الخبيث ودفاعاً عما يعتقد أنه حق .
هو حقاً شيءٌ مُخزي ومُحزن ومُفجع لي وربما لآلاف وملايين من الصبية والصغار وتلاميذ المدارس في بعض المجتمعات وحتى الراقية والمتحضرة منها .. أن يعيشوا تلك الشخصية الأزدواجية التي يختلف فيها تصرف الطفل ونوع شخصيته في البيت عما هو في المدرسة او المحلة كأختلاف الليل عن النهاركما كان يحدث لي بالضبط !.
لحد اليوم أقابل في حياتي ومجتمعي وعملي شخصيات مريضة مضطربة قلقة ومحرومة من التصالح مع نفسها كشخصية (منعم)، وحتى هنا في الفيسبوك هناك (منعم) يأتينا على شكل رجل أو امرأة .. لا فرق !. وأعترف بأنني لا أرحمهم لإنهم لا يحترمون إلا من يذلهم ويكسر شكيمتهم !.
أنا سعيد جداً كوني إجتزتُ كل تلك السنين الكابوس والتجارب السلبية التي حولتُها بوعيي وثقافتي وآلاف الكتب التي قرأتها إلى إيجابيات حياتية وبأقل الخسائر النفسية … شكراً لوالدي وأخي نبيل، عساهم يرقدون بسلام في مثواهم الأخير .
المجدُ للأنقياء .. عاشقي السلام والخير والمحبة .
طلعت ميشو …… Jun – 12 – 2021

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.