الزوجات الأربع

علي سالم: الشرق الاوسط

منذ عامين تقريبا، وفي تلك الأيام التي انهارت فيها المؤسسة الأمنية، حدث أن أربعة من رجال الشرطة؛ ثلاثة ضباط وأمين شرطة، كانوا في طريقهم مقبلين من سيناء إلى الوادي، استوقفتهم جماعة مجهولة، وقبضت عليهم، وذهبت بهم إلى مكان مجهول. وُجدت السيارة محترقة، أما البشر، فلم يُعثر لهم على أثر، ربما لأن أحدا لم يهتم بالبحث عنهم. ومنذ ذلك الوقت، تولت الزوجات الأربع مهمة كل أجهزة الأمن المصرية، بل وكل الأجهزة السياسية، وذلك بحثا عن أزواجهن ومعرفة مصائرهم، منذ ذلك الوقت وهن يدرن على مكاتب المسؤولين ومحطات التلفزيون يشرحن قضيتهن ويطلبن معونة كل من في الأرض ومن في السماء، وذلك بقيادة زوجة منهن، ربما تكون هي أشجع امرأة عرفتها مصر في العصر الحديث، وهي السيدة دعاء زوجة أحد المخطوفين، وهو برتبة رائد.

كل المصادر التي تمكّنت الزوجات من الوصول إليها أكدت لهن أن أزواجهن أحياء، وأنهم موجودون في قطاع غزة، أكد ذلك أيضا وزير الداخلية الحالي والسابق والأسبق، كما أكده عضو مخابرات برتبة عالية، أما عند رئيس الجمهورية فكانت المفاجأة، أكد لهن أنه لا يعرف عن الموضوع شيئا، غير أنه أكد أنه سيقوم ببحثه، غير أن السيد موسى أبو مرزوق القيادي في حماس، وهي الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان المصرية، أكد للسيد ضياء رشوان نقيب الصحافيين، في وجود آخرين، أن رجال الشرطة المخطوفين قُتلوا ودُفنوا في جبانة معينة، غير أنه لا يستطيع تحديد المقبرة التي دفنوا فيها.

وفي لقاء آخر بالرئاسة قال لهن مسؤول كبير، إن في وسعهن الحصول على كل حقوقهن الشرعية إذا قدمن طلبا باعتبار أزواجهن شهداء. الرسالة نفسها وصلت تليفونيا للسيدة دعاء من مسؤول كبير في وزارة الداخلية، تقول الرسالة: تستطيعين الحصول على مليون جنيه عندما تتقدمين بطلب باعتباره شهيدا (يعني بالبلدي: أزواجكم قُتلوا.. البقية في حياتكم.. شدوا حيلكم وربنا معاكم.. خدوا القرشين وابتدوا حياتكم من جديد.. ما تضيعوش شبابكم)، هذا هو المعنى الوحيد الذي توصلتُ إلى ترجمته، وبعد أن أعلنت السيدة دعاء أن وزير الداخلية الحالي أخبرهن أنهم أحياء، صرح الرجل على الفور بأن ما قاله كان معلومة اتضح فيما بعد أنها خاطئة.

السيد موسى أبو مرزوق يعرف أنهم قُتلوا انتقاما من الأمن المصري، وأنا لا أصدق ذلك؛ فالمنتقم في هذه الحالة يقتل أعداءه في المكان، ثم يغادر، هو لا يخطفهم ثم يقتلهم فيما بعد، غير أني أسأله: أنت تعرف أنهم قتلوا.. من قتلهم يا عضو قيادة حماس الحاكمة والمسؤولة عن قطاع غزة؟ وأنت تعرف الجبانة وليس المقبرة.. هل عرفت ذلك بالصدفة؟ هل كنت تجلس على كافتيريا الجبانة عند مرور الجناة بجثث الضحايا؟ أم أن أجهزة الرصد عندكم أبلغتكم بذلك؟ وهل بالفعل حضرتك تتصور أننا سنصدق أن جماعة من القتلة سيحملون جثامين ضحاياهم ليدفنوهم في جبانة عامة تاركين وراءهم ألف دليل وأثر على جريمتهم؟

About علي سالم

كاتب سيناريست وصحفي مصري ليبرالي جريدة الشرق الاوسط
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.