الزراعة في تأريخ بلاد الرافدين

الزراعة في تأريخ بلاد الرافدين

بقلم : عضيد جواد الخميسي

المناطق القديمة والتاريخية في الشرق الأدنى والهلال الخصيب وبلاد الرافدين على وجه الخصوص ؛ يُنظر إليها عادة بانها كانت مهداً للزراعة . وعند الألفية الرابعة قبل الميلاد ؛ كانت منطقة بلاد الرافدين أكثر اعتدالاً من ناحية المناخ مما هي عليه اليوم ، وقد تنعمت بالتربة الخصبة ، و نهرين كبيرين (دجلة والفرات) بالإضافة إلى التلال والجبال في الشمال .

أصل الزراعة

ان ولادة فكرة الزراعة كانت لحظة مهمة جداً في تاريخ البشرية ؛ إذ سمحت بظهور الحضارات الأولى في الهلال الخصيب . وعلى الرغم من أن بلاد الرافدين يطلق عليها “مهد الحضارة ” ؛ إلاّ أن المعروف عن الزراعة والحضارة البشرية نشأتا أيضاً بشكل مستقل في مناطق مختلفة من العالم ؛ حيث في أمريكا الوسطى قام الناس بزراعة الذرة والفاصوليا ، و زراعة الأرز والدخن وتربية الخنازير لأول مرّة في الصين ؛ حصل ذلك كله دون معرفتهما بمن سبقهما في الشرق الأدنى .

حسب رأي علماء الآثار والبيولوجي ؛ ظهرت الزراعة تدريجياً في بلد التلال (جنوب شرق تركيا) ، وغرب إيران ، ومنطقة الشام ؛ لأن تلك المناطق كانت موطناً لمجموعة واسعة من النباتات والحيوانات التي تصلح للزراعة والتدجين بغية الاستهلاك البشري . فقد بدأت زراعة القمح وتربية الماعز حوالي عام 9000 قبل الميلاد ، تلتها زراعة الفول (الباقلاء) والعدس حوالي عام 8000 قبل الميلاد ، وزراعة أشجار الزيتون بحلول عام 5000 قبل الميلاد ، وتربية الخيول عام 4000 قبل الميلاد .أمّا الكروم فكانت زراعته حوالي عام 3500 قبل الميلاد .

تلك النشاطات البشرية كانت تمهيداً في التحوّل نحو الزراعة بدلاً من الاعتماد على الصيد كليّاً في الحصول على القوت اليومي . أمّا عصرنا الراهن ، فإن 90٪ من سعراتنا الحرارية المكتسبة تأتي من الأطعمة النباتية والحيوانية التي عرفها الإنسان القديم في الموجة الأولى من الثورة الزراعية .

على مايبدو كان الإنسان القديم المترّحل قد تعرّف على مصادر الغذاء النباتي من بعض الماشية والطيور التي كانت تعتاش على بعض المزروعات المنتشرة . الصيادون الذين كانوا يجمعون الحبوب و يجلبونها إلى مساكنهم من أجل فصل الحبوب عن قشرتها؛ كانوا من المؤكد وعن غير قصد ينثرون بعضاً منها على الأرض خلال عملية النقل . وعند عودتهم إلى نفس الموقع في العام التالي ؛ كانت تلك الحبوب قد نمت في مكان غرسها . و بتكرار الجني والحصاد ؛ قد أدّى إلى المزيد من البذور المتناثرة . ومع زيادة الكمية من الحبوب في تلك الرقعة من الأرض ؛ أصبح الحصاد أكبر والمنفعة أكثر ، عندئذ تحوّل هؤلاء الناس إلى أقوام شبه رحلّ في قراهم الموسمية . وكمثال على ذلك ؛ الثقافة النطوفية (ثقافة قديمة منسوبة إلى وادي النطوف شمال غربي القدس في فلسطين) ، التي ازدهرت حوالي عام ( 12500 – 9500 قبل الميلاد ) .

بمرور الزمن ؛ قرر بعض هؤلاء شبه البدو البقاء في قراهم الزراعية على مدار العام لزراعة الحبوب ؛ بينما استمر آخرون على بداوتهم . في حلول عام 8500 قبل الميلاد ، كان الشرق الأوسط موطناً للعديد من القرى الدائمة التي سكانها في المقام الأول من المزارعين . ثم بدأت الثورة الزراعية مع رفع إنتاج الغذاء من الزراعة ، ومن خلالها استمرت الحياة البشرية بزيادة السكان وتحويل القرى إلى مدن ؛ وبالتالي ظهور حضارات بلاد الرافدين المعروفة .

الجغرافيا

نظراً لجغرافيتها الشاملة ؛ كانت الزراعة في بلاد الرافدين كثيرة التنوع من حيث مصادر الغذاء . وتعتمد غلاّت المحاصيل الموسمية على كمية هطول الأمطار السنوية ؛ وطرق الإرواء (يمكن أن يصل الإنتاج الزراعي إلى 100 ضعف في المواسم الجيدة) .

كانت هناك طريقتان في الزراعة :

الزراعة الجافة بدون رّي : حيث كان معظم الناس يزرعون الحبوب ويعتمدون على هطول الأمطار ، والتي كانت تُمارس بشكل أساسي في شمال بلاد الرافدين (سوريا) .

الزراعة بالرّي : تتمركز في جنوب بلاد الرافدين (العراق) .

يدّمر الجفاف أو الفيضانات العديد من المحاصيل، مما دعا الناس الى اختراع أنظمة الري الاصطناعية لمعالجة تلك المشكلة ، لكن بعضاً منهم وحسب جغرافية مناطقهم ؛ فضلوا الاعتماد على المناطق الجبلية الممطرة لضمان نجاح نموّ حاصلاتهم .

عُرف الرّي في مناطق الهلال الخصيب ؛ بطريقة سحب المياه من نهري دجلة والفرات مباشرة إلى الحقول ؛ باستخدام القنوات الصغيرة و”الشادوف” ( آلة لرفع المياه بقصد رّي الأراضي الزراعية ؛ تتكون من إطار رأسي معلق فيه عمود أفقي. نقطة تعليق العمود تكون عند خمسه تقريباً. في طرف الجزء الأطول يعلق وعاء للماء ــ دلو أو كيس من الجلد ــ بينما في طرف الجزء الأقصر يعلق ثقل ليكون بمثابة قوة موازنة للرافعة ). وهي مصاعد للمياه الشبيهة بـ “النواعير” الموجودة في وسط وغرب وجنوب بلاد الرافدين منذ حوالي عام 3000 قبل الميلاد.

المناطق الأكثر جفافاً في الهلال الخصيب كانت الزراعة فيها ممكنة فقط من خلال أنظمة قنوات الرّي ، والتي بدأ العمل فيها منذ منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد . أمّا أقدم قناة مائية معروفة في العالم كانت قناة “جروان” والتي بناها الملك سنحاريب الأول ملك أشور بين عام 703 وعام 690 قبل الميلاد .

كان الأورارتيون (أورارتو ـ مملكة تقع في منطقة الهضبة الأرمينية جنوب شرق البحر الأسود وإلى الجنوب الغربي من بحر قزوين) ؛ هم الأمهر في بناء القنوات ؛ إذ لا تزال العديد من أنظمة الرّي تعمل منذ ذلك الوقت .

وعادة ما يتم إنشاء القنوات الرئيسية وصيانتها بشكل عام من قبل الدولة ، أمّا القنوات الصغيرة فهي مهمة المزارعين أنفسهم أو قبائلهم . وكانت الأراضي الزراعية المروية تعاني كما اليوم من تهديد الملوحة المستمر .

التربة وبالأخص في السهول الرسوبية في المناخ الجاف لبابل وآشور كانت عرضة للجفاف والتصلب والتصدع . ومن أجل الحفاظ على تربة صالحة للزراعة كان لا بد من استخدام المحراث . في حلول عام 3000 قبل الميلاد ، كانت المحاريث معروفة ومستخدمة بكثرة في المنطقة ، وكان العديد من الملوك الآشوريين يتفاخرون باختراع نوع جديد ومحسّن منها . وغالباً ما كانت الحقول الزراعية تمتد طولاً وتضيق عرضاً ، توازيها قنوات مائية ضيقة لرفع كفاءة الرّي .

المحاصيل

كانت الأنواع الرئيسية للحبوب التي استخدمت في الزراعة هي ؛ الشعير والقمح والدخن والإيمّرEmmer (قمح ثنائي الحبّة) .

في بلاد بابل وآشور والأراضي الحثية كان الشعير هو المحصول الرئيسي للاستخدام البشري . و جُعل منه وسيلة للدفع في قياس قيمة العمل التجاري ، و صُنع منه الخبز المسطح للاستهلاك اليومي . وكانت أصغر وحدة وزن تعادل حبة واحدة (1/22 غم) . كما صُنعت البيرة الفاخرة والأطعمة الراقية من القمح والإيمّر ، إلاّ أن القمح قد لعب دوراً ثانوياً في الزراعة كونه أقل مقاومة للملح من الشعير .

شملت مجموعة المنتجات الزراعية الأخرى ؛ بذور السمسم (المشتق من الكلمة الأكدية سماسمّو šamaššammu ) ، والذي كان يزرع بكثرة ؛ وأستُخدم في صناعة الزيوت ، كما أستُخلص زيت الزيتون من ثماره في المناطق الجبلية . وعُرف الكتان في صناعة الأقمشة. كما زُرعت الباقلاّء ( الفول) في جنوب بلاد الرافدين ، بينما ازدهرت زراعة العدس في شماله .

عُثرعلى بساتين التين والرمان والتفاح والفستق في جميع أنحاء الهلال الخصيب . أمّا في قرى ومدن جنوب بلاد الرافدين ، فقد كانت بساتين النخيل منتشرة في معظمها ، مع زراعة بعض الخضار مثل ؛ البصل والثوم والخيار ؛ التي تنمو في ظلال النخيل . وكانت التمور تؤكل إمّا طازجة أو مجففة ، كما استخدم سعف وخشب النخيل في بعض الأعمال الحرفية ، ولكنه لم يُستغل في أعمال البناء .

الحصاد والتخزين

يتطلب الحصاد قوة بشرية كبيرة ، حيث كان هناك ضغط زمني هائل لإكمال الحصاد قبل حلول فصل الشتاء . إذ يتم الحصاد بواسطة المناجل ، وينقل المحصول إلى أكواخ خاصة لتجفيف السنابل ، ودرسها بواسطة قطعان الحيوانات العابرة على الطريق بعد فرش المحصول في أنحائه. بعد الدرس ؛ تأتي خطوة فصل الحبوب عن قشورها بطريقة التذرية ، وهو ما كان ممكناً فقط في الطقس العاصف. ثم تُحفظ الحبوب إما في مخازنها ( حفر خاصة أو في المغاور ) ، أو نقلها بعيداً على طول الممرات المائية (كي يتم تصدير جزء منها إلى بلدان أخرى). وفي مخازن الحبوب ؛ حيث يتم استخدام القطط والنمس( السمور) لحماية المخزون من الفئران .

كانت غلة المحاصيل في الاقتصادات الزراعية لبلاد الرافدين القديمة مقاربة جداً لما حققه مزارعو منطقة الشرق الأوسط بأكملها خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لما قبل الميلاد ، وذلك قبل ظهور التقنيات الزراعية الحديثة. كما تًعدّ بلاد الرافدين ؛ موطناً لواحد من أكثر النظم الزراعية نجاحاً في العالم القديم .

الملكية والإنتاج الزراعي

اعتمدت مجتمعات بلاد الرافدين إلى حد كبير على الزراعة و وفرة المياه . عند البداية ، كانت غالبية الأراضي مملوكة للحكّام وكهنة المعابد ؛لكن في القرن الثامن عشر قبل الميلاد ، تم خصخصة مساحات شاسعة من الأراضي . وكانت أصغر وحدة من الأرض هي (الإلكوم )، وهي قطعة أرض يؤجرها المعبد أو الملك الى عائلة صغيرة لأغراض الزراعة والسكن . على الرغم من أنها لا تورث من الناحية القانونية ، إلا أن عقد إيجارها يُعدّ نافذاً لأجيال متعددة .

كان الفائض الزراعي ضرورياً لتشييد المدن ودعم المجتمعات الحضرية الأولى . وبمجرّد ما أن يفيض المنتوج الزراعي عن حاجة الناس في نواحي القرى ؛ يًدفع جزءاً منه لسداد حاجة المدن ، والمتبقي ؛ قسماً منه يذهب للتصدير، والآخر يتم خزنه ؛ تحسباً لظروف الجفاف أو الفيضانات في السنة القادمة .

في مجتمع بلاد الرافدين ؛ كان الحكام يهتمون جداً بالإنتاج الزراعي ؛ حيث كان الاستقرار والإمدادات الغذائية عاملين أساسيين لإضفاء الشرعية على حكمهم . فقد تمّ تخطيط وإدارة شبكات الرّي الكبيرة والقنوات المائية من قبل الدولة ؛لأجل ضمان توفير المياه لمواطنيها.

كان الاستقرار السياسي له أهمية قصوى في الرفاه الاقتصادي للمنطقة ، حيث إن أي اضطراب يحدث في نظام الأسرة الحاكمة ؛ يمكن أن يتسبب في عرقلة الأنشطة الزراعية وبالتالي ينعكس على انسيابية التجارة ، مع عواقب وخيمة قد لايتحملها الفقراء .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ديتز أوتو إدزارد ـ السومريون حتى الإسكندر الأكبر ـ بيك للنشر ـ 2009 .

فون ولفرام ـ مقدمة لدراسة الشرق الأدنى القديم ـ شركة إردمانز للنشر ـ 1994 .

صموئيل نوح كريمر ـ التاريخ يبدأ في سومر ـ مطبعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.