الروح القدس في القرآن

سامح عسكر
في سؤال لصديق عن معنى “روح القدس” في القرآن وهل هو جبريل أم لا؟

قلت: الشائع في كتب التفاسير هو جبريل لكن حدث الاختلاف منهم من قال هو الإنجيل أو دعاء سري كان يحيي به المسيح الموتى، لكن قوله تعالى “قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا “[النحل : 102] لا يمكن يكون معناها إنجيل لأن الخطاب للرسول محمد، وكذلك ليس دعاءً سريا لأن التثبيت والحشد المعنوي يلزمه فهما وبساطة في القضية..

رأيي أن الخلاف فيها لا يضر والتعصب لمعنىً واحد يضر أيضا..

واجتهادي الشخصي أن كلمة “روح القدس” مرادفها “روح الله” وهي وصف لقدرة الرب الإلهية في الكون والتي منها خرجت النفس العاقلة للإنسان أصل التكليف، فيصبح بالتالي قوله تعالى “وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس “[البقرة : 253] يعني أيدناه بقدرتنا وحفظناه بعنايتنا العالِمه بأحواله، ولأن الكلمة أكثر ما قيلت في حق الأنبياء كانت في حق عيسى نفهم لماذا كان النبي عيسى أكثر الأنبياء معجزات وقدرات مختلفة لأنه في الحقيقة مؤيد (بروح الله) أي قدرته.

أما القول أنه جبريل فسيكون إشكالية عقدية، روح الله أو القدس يعني وجود اتصال بين جبريل والله من حيث الطبيعة أو الجوهر وهي نفس المشكلة الكلامية التي أحدثها الفقهاء من كلمة “روح الله” ومن أجلها قال المعتزلة أن القرآن مخلوق أي حادث فلو كان قديما برأيهم قدم الذات يصبح هناك اتصالا بين الله والمسيح في الجوهر لتساوي الذات الإلهية مع روحها في الرتبة..

فمعنى أن جبريل هو روح القدس إذن يوقعنا في عدة أخطاء:

أولا: الملائكة بنص القرآن عباد مكرمون لا فضل لواحد منهم على آخر، والجميع متساوي الرتبة لنفي التكليف وإجبارهم بالعبادة، أما التفاضل فمن سمات الاختيار وحرية الإرادة، هنا يصبح القول أن جبريل أفضل الأنبياء أو أنه روح الله / القدس يطرح السؤال مباشرة: ما الذي فعله جبريل ليستحق تلك المكانة؟

ثانيا: لو قلنا أن جبريل هو روح القدس سيكون حسب فهم جمهور الفقهاء هو قديم قدم الله نفسه، ولا يمكن حمل المعنى على المجاز..فروح الله ضمن سورة يوسف تعني رحمته وعفوه “يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون” [يوسف : 87] فهل إخوة يوسف قنطوا من جبريل والمسيح هنا أم من رحمة الله في الحقيقة؟

ثالثا: الله لا يفضل ملاكا على غيره إنما يصطفي منهم لوظائف كما في قوله تعالى “الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير ” [الحج : 75] والاصطفاء الوظيفي لا يعني تمييزا أو اختلافا في قدرات المصطفين، كما لو كنت مديرا لشركة مثلا وأردت فلانا أن ينجز مهمة..فهل هذا يعني أنه الأفضل مطلقا أم أن المهمة المطلوب إنجازها لا يلزمها سوى شخص واحد؟

الثابت أن صفات الله جميعها في القرآن هي صفات ذات وصفات فعل، والرحمة صفة فعل مضمنة في قدرة الله الأزلية، بالتالي فروح الله أو القدس هنا تفهم بمعنى القدرة الكلية للرب والتي قد تكون منها رحمة وهي المعنى المستفاد من نزول الرسالات في المعتقد الغنوصي الصوفي، أن الله أرسل أنبيائه رحمةً بالخلق وإرشادهم طريق الصواب من مرجعية الحب الذي فهمه هؤلاء من تمدد الكون ونمائه ورهن بقائه في العمل الصالح ودماره بالشرور..

مع ذلك توجد إشكالية في هذا التفسير، وهي أن القرآن في آيات أخرى يحكي نشاط الروح والملائكة معا كجواهر مستقلة، منها “تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة” [المعارج : 4] و”يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا” [النبأ : 38] و “تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر” [القدر : 4] أصبحت الروح هنا جوهر عاقل وليست صفة للرب، وأيضا هي جوهر مختلف عن الملائكة يعزز ما قلناه أنه ليس جبريلا وإلا قيل “تنزل جبريل ومن معه بإذن ربهم” وفي هذا المعنى حضور لغوي بتعريف الروح وعدم تركها نكرة..مما يعني أنها ذات مستقلة عن الملائكة هي ليست جبريل كما قلنا لكنها في ذات الوقت ليست قدرة إلهية..

عرضنا هذه الرؤية على المخالف قال: إشكالية توقفك في معنى الروح مجردا ونفيك أنها جبريل لا يستقيم لأن المعنى واضح في آية التحريم، قال تعالى “إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة “[التحريم : 4] هنا تفريق بين جبريل والملائكة ليس إقرارا باختلاف النوع والجنس بل باختلاف الدرجة، وذكر جبريل مع الروح بالعطف لا يختلف عن ذكر الروح مع الملائكة بالعطف، وفي الآية قرينة أن الروح في الآيات الثلاث السابقة تعني جبريل، وأما دلالة ذكر هؤلاء جميعا فهو من ناحية تراتبية من حيث القدرة، فالله يقول أنه حفيظا بنفسه ثم جبريل والصالحين والملائكة، مما يعني أن جبريل له قدرة مختلفة عن بقية الملائكة والصالحين بالطبع..

قلت: هنا تعمقت الإشكالية حتى بلغت عقدة المرض في الظاهر، لكن في الحقيقة أن تراتبية القدرة أعلاه ذكرت على وجه الإجمال في ذكر القدرة الإلهية..فمما لا شك فيه أن قدرة جبريل والملائكة والصالحين هي من قدرة الرب، والقول بالتراتب هنا تعديد وتقسيم للقوة الإلهية لا يجوز شرعا وعقلا، فالإله القوي لا يتجزأ..وبالتالي آية التحريم تقول أن ما دون الله من قوى ستكون مولىً للظالمين هم جنود مجندة مصداقا لقوله تعالى “إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها” [التوبة : 40] معنى الجندية هنا صفة لجواهر القوة السابقة التي هي مستقلة عن الله في الجوهر لكن قدرتها ممكنة الوجود يصبح بالتالي ذكرها نظماً في الآية بمعنى الجندية..

أما أن الروح هو جبريل فلا يمكن للمرة الألف لقوله تعالى “ينزل الملآئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده” [النحل : 2] فمن هم الملائكة الذين نزلوا بجبريل على حد قولك؟..وإذا كان جبريلا أكثر قوة وقدرة فلماذا لا يكون العكس أي “ينزل جبريل بالملائكة من أمره على من يشاء”..إن المؤكد فورا أنه في حال تفسير الروح بالقدرة والقوة الإلهية المطلقة يصبح المعنى مستقيما واضحا، فالملائكة نزلوا بقوة الله وقدرته على من يشاء من عباده، وفي قوله تعالى “رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق” [غافر : 15] دليلا إضافيا على أن الروح ليس جبريل..وأنها في ذلك السياق تعني الرسالة والنبوات المدعومة بالقوة الإلهية التي تنذر الناس وتذكرهم بيوم القيامة..

أما قوله تعالى “نزل به الروح الأمين ” [الشعراء : 193] فلو كان جبريلا هل يصح القول أنه تعرض لاختبار كي يثبت أمانته؟..فإذا لم يكن فعلى ماذا الوصف؟ إن جبريلا من الملائكة أم لا؟ فإذا كان..هل ينطبق عليه قوله تعالى “عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون” [التحريم : 6]؟..أم أن السمع والطاعة هنا صفة لملائكة النار خصيصا وجبريل ليس منهم؟ وأما تفسير آية الشعراء فهو مرتبط بتفسير آية مريم “فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا” [مريم : 17] ويبقى السؤال ما الروح الذي نزل بالرسالة ووصف بالأمانة ومن الذي أرسل لمريم بصورة بشر؟

الجواب : في قوله تعالى “ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا “[التحريم : 12] و “والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين” [الأنبياء : 91] هنا تأكيد مكرر أن روح الله ليست جبريل، بيد أن الروح المنفوخة ليست جوهرا مستقلا عن الله، بل هي قدرة..فإذا كان النفخ فعلا من الرب فهو صفة له، بالتالي لو كانت الروح جبريل لأصبح جبريلا صفة للرب..وهذا لا يستقيم، وتبقى إشكالية معنى الأمين كصفة للروح وبرأيي هي من الأمن لا الأمانة..الروح الأمين هي القدرة الإلهية الضامنة لأمن وأمان الناس ومرجعية الرسالات دوما..فالإصلاح يتطلب قوة حق عادلة تفرض الأمن الاجتماعي والإنساني هي المعين لمن يأخذ بأسبابها..

مثلا كل من يأخذ بأسباب القوة اللازمة لفرض الأمن ويسعى لحماية الناس يكن له ذلك، مثل قوله تعالى على لسان ابنة شعيب على موسى “إن خير من استأجرت القوي الأمين” وهي لم تختبر بعد أمانته بل قوته في خدمتهما، وعليه فلفظ الأمين يعني الذي يوفر لها الأمن ، حتى لفظ الأمانة الوحيد المذكور في القرآن ليس بمعنى الأمانة في صدق الوعود والعهود..بل من الأمن وخلافة الله في أرضه ببنائها وعمارها في قوله تعالى “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا” [الأحزاب : 72] والسؤال الفوري: لو كانت الأمانة هنا بمعنى الصدق والوفاء وحفظ العهود..فهل السماوات والأرض والجبال مكلفين عاقلين ليحملوها؟..فإذا لم يكن.. على ما إذن عرضها الله عليهم؟

هنا يصبح تكليف الله للإنسان بحفظ أمن الكوكب معقولا، فهو الذي حمل الرسالة ببناءه وحفظه، لذا كان جوهر الرسالات هو الإصلاح البشري ووقف جميع الشرور ونتائجها المحتملة على أمن البشرية والكائنات، وعليه أصبح كل فعل شرير مؤذٍ للطبيعة والكائنات مخالف لجوهر الرسالة حتى لو حدث ذلك تحت اسم الإسلام..!

نعود لتفسير روح القدس بقوله تعالى في سورة الشورى”وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا “..[الشورى : 52] هنا الروح ظهرت طاقة إلهية تمكن الإنسان من العلم والهداية لطريق الرب، بينما تفسير الروح بجبريل كما هو شائع هو طاقة إلهام لفظي فقط لا طاقة وعي وإدراك، فجبريل عند الفقهاء هو مجرد رسول أمين لا مُعلّم متمكن، وبالتالي نخلص لنتيجة نهائية أن روح القدس جاءت غير معرفة لسبق تعريفها بالروح سابقا إما نسبا لله وإما مجردة وتعني في كل أحوالها ب (الطاقة – القدرة – القوة) الإلهية التي تتشكل في أحوال متعددة حسب السياق..

فروح القدس التي أيد الله بها عيسى هي قوته وقدرته المطلقة الإلهية في إحياء الموتى وعلم الغيب وخلق الكائنات من الطين..وغيرها، وفي ذلك خصيصة مفردة ووحيدة لعيسى لا تكون لأحد غيره، والدليل أن تأييد هذه الروح في القرآن لم يأتِ سوى لعيسى، فلو كان روح القدس جبريل فقد نزل به على سائر الأنبياء فلماذا خص التأييد والدعم بتلك الروح على نبيٍ واحد بتلك المؤهلات والمعجزات، أما الروح الأمينة التي نزلت على النبي بالرسالة فهي أمر الله بالتكليف والأمن لما يعلمه الله في مستقبل الرسول بتحرش وأذى القرشيين له في حال إعلانه الدعوة، ويؤكد ذلك قوله تعالى “والله يعصمك من الناس” [المائدة : 67] دلالة على أمانة وقوة الروح الإلهية وقدرته في حفظ أنبيائه لكي يطمئنوا ويعلنوا عن دعوتهم بشجاعة..

أختم أن مفهوم الروح هو مفهوم ديني قديم منذ الأديان البدائية الأولى..ففي حضارة المصريين القدماء عرفوه باسم “با” ورسموه على شكل طائر يغادر الجسد بعد وفاته..من هذا التفسير ورث المتدينون معنى الروح بأنها سر الحياة، أما العلم فلا يعرف لفظ الروح ولا معناه المتداول بل يقول أن أسباب الموت مادية بحتة، وتعدد أشكال الموت من إغماء لموت إكلينيكي لموت نهائي له تفسيراته المعتمدة والمفهومة في الطب، وبناءً عليه توصلوا لعلاجات مختلفة وأمصال تنقذ المرضى، وبرأيي أن تفسير الروح القرآنية بهذا الشكل وما يتعلق بها من “روح القدس وروح الله” يخلص إلى عدم تعارض مفهوم الروح القرآني مع العلم..لكن لا يعني ذلك ذكره في مقام الإعجاز كما يفعل دراويش ومخرفي هذا المجال..

أما روح القدس في الأديان المسيحية واليهودية..ومعاني الروح في بقية الأديان وتصور البشرية لها فأرجئه لمناقشة أخرى، ويبقى هذا الاجتهاد قابلا للصواب والخطأ.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.