الرفيق أبو عمار في #العراق

ياسر عرفات

د. ميسون البياتي
مدة الربع قرن التي عملت بها في تلفزيون العراق من بغداد جعلتني شاهداً مهماً بشكل تفصيلي أو عن كثب على الكثير من الأحداث التي لم يطّلع عليها الناس . خلال الأيام الماضيه ذكرت السيده سهى الطويل أرملة المرحوم ياسر عرفات في تصريح لها منشور في عشرات المواقع أن الرئيس محمود عباس عبّر عن رفضه التطبيع الذي قامت به الإمارات مع اسرائيل بطريقة دبلوماسيه دون الإساءة للإمارات وحكامها , لكن الجميع خوّنوا وهاجموا سهى عرفات , وخوّنوا الإمارات , والسيده تقول للجميع إنهم لن يستطيعوا تخوين الإمارات مضيفة أن هناك 300 ألف فلسطيني يعيشون في الإمارات وهي لا تريد تكرار تجربة أبو عمار حين وقف مع صدام حسين ضد الكويت لأنها على حد قولها لا تريد مخيم زعتر ثاني
akhbaar.org/home/2020/9/275098.html

من موقعي كشاهد على الحدث أحب تصويب بعض ما قالته السيده سهى وهي في أقصى غايات الإنفعال , وربما فاتها بسبب إنفعالها الوقوف على كثير من حقيقة الموقف . فمذبحة تل الزعتر وقعت خلال الحرب الأهليه اللبنانيه في 12 آب 1976 ولا علاقة لصدام حسين أو العراق بها كما لا تربطها أية رابطه بموقف صدام من الكويت 1989 , من ناحية ثانيه أظن أن السيده لديها غموض كامل في حقيقية العلاقه بين صدام وأبو عمار , وسبب طرد الفلسطينيين من الكويت إبان إحتلال الكويت , ودور زوجها فيما وقع بين العراق والكويت أثناء الأيام الأولى من إحتلال الكويت
قبل البدء بأي تعقيب أحب تثبيت موقفي من التطبيع , أنا لست معترضة عليه بالمره , وأدرك تماماً أن وجود بريطانيا في مباحثات تقسيم فلسطين والحرب العربيه الإسرائيليه الأولى 1948 من خلال الجامعه العربيه التي أسستها عام 1945 ومن خلال حكومات الإنتداب في العراق وفلسطين ووجودها في الخليج العربي والجنوب العربي ومصر وليبيا , وجود بريطانيا في كل هذا دفع القضيه العربيه _ العبريه الى منحى ما كانت ستصل إليه , وربما كان النزاع قد أفضى الى حل منذ بداية القضيه

أما الآن وبعد خروج بريطانيا من العراق وفلسطين وليبيا وبعض من نقاط ارتكازها في الخليج والجنوب العربي ونهاية علاقتها مع الجامعه العربيه بعد خروجها من مصر , وإنهيار عصبة الأمم البريطانيه بعد الحرب العالميه الثانيه وتأسيس هيئة الأمم المتحده الأمريكيه على أنقاضها , كل هذا يدعو العرب الى التفكير بعقلانيه من أجل عدم خسارة الكل العربي أمام صراع على جزء من فلسطين , متذكرين ان اسرائيل وبعد ما يزيد على 70 عاماً على قيامها أصبحت أمراً واقعاً لا مفر من التعايش معه

هذا التعايش يفرض على العرب موقفاً موحداً شاملاً , لأن مضي كل طرف لوحده الى مباحثات التطبيع يفضي الى التضحيه بالمزيد من الدماء والمصالح وفقدان للكرامه عند الإتهام بالتخوين ونشر الغسيل على الحبال , ناهيك عن أن الموقف الموحد سيجعل اسرائيل أمام قرار واحد لها لا تستطيع المراوغه معه بسهوله , وليس أمام موقف مراوغ تشد اسرائيل الطرف العربي المنفرد إليه ببعض تنازل كاذب تتراجع عنه الى موقفها المتعنت بمجرد حصولها على التطبيع , على سبيل المثال في التطبيع الحاصل بين الإمارات واسرائيل , على الرغم من تأكيد كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان الربط بين ( وقف مشروع ضم أراضي الضفة الغربية ) و( توقيع اتفاق تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل ) لكن اسرائيل أصرت على الإستمرار في ضم الأراضي الفلسطينيه . حين تحدث محمد بن زايد عن (( إيقاف)) مشروع اٌستيطان الصهيوني , نتنياهو (( أكّد )) على أنه : مؤجل


السيده سهى الطويل وبسبب إنفعالها جعلت من اعتراض الفلسطينيين على موقفها من تطبيع الإمارات مع اسرائيل ( طوشة وردح نسوان ) جمعت فيها الصراع العربي الإسرائيلي على الصراع الفلسطيني _ الفلسطيني معيّرة البعض باللاءات الثلاثه التي أقرتها قمة الخرطوم التي أعقبت هزيمة حزيران متناسيه أن المرحوم احمد اسعد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينيه كان قد رفع في قمة الخرطوم التي أعقبت هزيمة حزيران 4 لاءات حذف منها عبد الناصر أهمها التي تقول (( لا انفراد لدولة عربيه في حل القضيه )) لأن عبد الناصر كان يريد الإنفراد , وهذا الحذف من أجل الإنفراد هو الذي سوغ لتطبيع كامب ديفيد وتطبيع وادي عربه وتطبيع الإمارات

أدخلت السيده سهى الطويل المسيحيين في حديثها عن أخيها جبران داود الطويل سفير السلطه الفلسطينيه في قبرص وهددت بالفضائح مشيرة الى إسم السيده إنتصار أبو عماره 62 سنه مسؤولة مكتب الرئيس عباس واصفة إياها بأنها (( هي من تقرر كل شيء)) غامزة من طرف خفي ومذكرة لنا بشخصية ( رشيده مهران ) عشيقة أبو عمار التي كانت تقرر كل شيء في مكتبه ايضاً , لافتة أنها أبلغت شقيقها جبران : أنه لو قابل نتنياهو لما فعلوا ذلك , ومن حديثها نستشف كأن أعضاء السلطه الفلسطينيه موظفون عند نتنياهو
ثم طالبت السيده سهى الطويل بمعرفة قاتل أبو عمار , وذكّرت بوجود 300 ألف فلسطيني يعملون في الإمارات مفضلة حياتهم على حياة ما يزيد على 5 مليون فلسطيني يعيشون على أرض فلسطين موزعين ما بين السلطه الفلسطينيه والسلطات الصهيونيه , حين يمضى العرب فرادا الى التطبيع فستكتسب اسرائيل حقوقاً مضافه يتضاعف بها القهر والإجحاف على الفلسطيني الباقي على أرضه , ويصبح السكوت من أجل 300 ألف شخص جريمه تُقترف بحق 5 ملايين مواطن

نعود الى حقيقة العلاقه بين صدام وأبو عمار . في فترة الحرب العراقية الإيرانيه , العرب من غير العراقيين كان لهم دور كبير في تلك الحرب , وكل إشتغل ( طبّال حرب ) لغاية في نفسه . وإشترك في ذلك التطبيل : حكام عرب , وجاليات عربية في العراق , ورؤساء أحزاب عرب , ورؤساء منظمات دينية من غير العراقيين , ومثقفين وفنانين وصحفيين عرب , على سبيل المثال لا الحصر السودانيان الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني كانا قد نقلا ساحة صراعهما السياسي من السودان الى العلاقه بين العراق وايران .. ما أن يزور أحدهما طهران حتى يركض الثاني الى بغداد واستمر سجالهما قائماً الى أن منعا من الوصول الى بغداد , أما ياسر عرفات فكان ينافق العراق وايران على أمل الحصول على مساعدات من كليهما , وضع كوميدي مأساوي تم إنتهاجه أثناء الحرب

الحكومة العراقية خلال الحرب مع ايران كانت قد تكونت لها بسبب تلك الممارسات العربية ردة فعل قوية جعلتها لا تحسن الظن بنوايا أي عربي , لكنها مكرهه تعتبر القضية برمتها ثمناً مدفوعاً لإعلام الحرب , وتسعى إليه برغبتها أحيانا , فتخرج بنفسها الى حملات لشراء الذمم

في إحدى سنوات الحرب .. زارنا ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية , حملته الطائرة عند العاشره صباحاً الى بغداد من طهران التي أنهى فيها زيارة رسمية فقمت بالإنتقال تلفزيونياً الى مطار بغداد الدولي لنقل مراسيم إستقباله , كنت يومها مذيعة الفتره الصباحيه

بعد ساعه وصل مذيع الأخبار الى الإستوديو راكضاً وبيده بيان عليه أن يقرأه بسرعة , كان محتوى البيان يقول إن الحكومة العراقية قد علمت من مصادر موثوقة أن السيد الخميني في حالة صحية متدهورة وأنه امتنع عن مقابلة ضيوفه , ويرجح أنه مات لكن القيادة الإيرانية تخفي الخبر حرصاً على معنويات جيشها , وقد علمتُ وقتها من قسم الأخبار أن ياسر عرفات هو مصدر الخبر

مباشرة عند اذاعة البيان غطت الأعيرة النارية سماء العراق , وإستمر الرمي كثيفاً حتى المساء … عند حوالي العاشرة مساءاً بتوقيت بغداد … ظهر السيد الخميني من تلفزيون ايران يسخر من البيان العراقي . فعمت وجوه العراقيين نظرة , تشبه تلك التي أعقبت نكسة حزيران , ولم يسأل أي عراقي عن سبب كذب البيان .. من يجرؤ على ذلك ؟

لست أدري يومها كيف أو متى غادر أبو عمار العراق , لأننا لم نبث مراسيم توديعه الرسمية لتلك الزيارة , وأكون كاذبة لو قلت إنه طرد من العراق أو منع من زيارته بعد ذلك , فأنا لا أعلم بمثل هذه التفاصيل , لكني أستطيع القول إن زيارته بعد ذلك الى العراق كانت غير مرحب بها , وأنه لم يدخل العراق بعد ذلك حتى نهاية الحرب العراقية الإيرانية , ولمن يتشكك في كلامي بإمكانه الرجوع الى محتوى بيانات العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية , والرجوع الى أرشيف الصحف العراقية التي تخص نفس تلك الفترة

متى دخل ياسر عرفات العراق بعد ذلك ؟ جاء الى بغداد مدعواً الى قمة بغداد التي عقدت قبل الإجتياح العراقي للكويت , حاله من حال أي زعيم عربي تتفق أو تختلف معه حكومة بغداد . كان أبو عمار أكثر هدوءاً ورصانة , وتخلى عن قبلاته الإلزامية التي يوزعها يمنة ويسره , كما أنه لم يستقبل على حده أو إنفراد للترحيب به كما هو متبع في هذه المناسبات

لم يزر أبو عمار بعدها العراق إلا مرتين أثناء الإجتياح العراقي للكويت وكانت الزيارتان لا تستغرقان سوى ساعات , وكانتا بتكلفة من الحكومة الكويتية للتباحث مع صدام بشأن الإنسحاب من الكويت , لكن وساطته كانت فاشلة لأنه لم يُعطَ أذناً صاغيه , ربما كان هذا هو السبب في ممانعة أبو مازن زيارة ابو عمار لبغداد التي تحدثت عنها السيده سهى في تصريحها , وليس بالتأكيد إصطفاف ابو عمار مع صدام حسين في موقفه من الكويت , وبعدها لم يدخل العراق حتى وفاته يرحمه الله

أشار ياسر عرفات من طرف بعيد الى مشكلته مع الحكومة العراقية حين إلتقى أستاذاً جامعياً عراقياً في تونس عام 1987 وبادره على طريقة ( الكلام إلك يا جارة ) , ليسمع صدام أو الحكومة العراقية قائلاً : (( بعض الحكام العرب يتهموني بالكذب . ولم لا أكذب ؟ من أجل فلسطين أنا مستعد للكذب طول الوقت )) ثم غرق في الضحك
قصة اللقاء مع الأستاذ العراقي مثبتة في كتاب السيرة السياسيه لعرفات لمؤلفه سعيد أبو ريش

رغم موقف صدام حسين والحكومه العراقيه من ياسر عرفات إلا أن العراق لم يكف عن دعم الثوره الفلسطينيه منذ ثورة الحجاره الأولى 87 والثانيه 2000 والتي تحولت الى عمليات انتحاريه نفذها فلسطينيون داخل اسرائيل , ورغم أن المواطن العراقي كان يرزح تحت ضغط حصار ثقيل منذ عام 1991 إنعدمت خلاله أبسط مقومات العيش إلا أن التعويضات العراقيه للمصابين والمتضررين الفلسطينيين كانت تصلهم سخيه ودون تأخير ما جعل كثير من الفلسطينيين يناصرون صدام ظالماً أو مظلوماً , ولهذا فحين اندفع الى احتلال الكويت عام 1990 ناصره كثير من الفلسطينيين داخل الكويت وخارجها , كان في الكويت حوالي 400 ألف فلسطيني حال وقوع الغزو غادر حوالي نصفهم الكويت هرباً من الحرب أو إعتراضاً عليها , وعند تحرير الكويت تم التعامل مع الذين بقوا في الكويت بإعتبار أغلبهم متعاونين مع القوات العراقيه ما أجبر الكثيرين على المغادره حيث لم يبقَ في الكويت أكثر من 80 ألف فلسطيني , عام 2004 توفي ياسر عرفات , حالما ترأس أبو مازن السلطة الفلسطينيه من بعده علَّق قضية الخلاف الكويتي الفلسطيني برأس ياسر عرفات وموقفه المزعوم المماليء لموقف صدام حسين ضد الكويت .. والحقيقه بعيدة عن كل هذا بعداً كبيراً

السيده سهى الطويل ذكرت في تصريحها بأن الكثير من الردود عليها هي مقالات مزايده , وحتى لا أُتهَمَ بأن ردي هذا للمزايده على أقوالها أو على مواقف المرحوم أبو عمار أضع هنا رابطاً لمقال لي منشور في العام 2008 تحدثت به عن علاقة أبو عمار بالعراق منذ تلك الزياره الصباحيه بداية الحرب العراقيه الإيرانيه
https://al-nnas.com/ARTICLE/MBayati/10ysr.htm

د. ميسون البياتي

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.