الراقصة واليخت


سناء العاجي

تقول التقاليد في المغرب، إن الأرملة التي يتوفى زوجها، ترتدي اللباس الأبيض خلال كل فترة العدة. هذا التميز في الملبس يجعل الجميع يعرف بأنها، في تلك الفترة، امرأة ترتدي “حق الله”.

كما تقول التقاليد إن المرأة لا تشتري ذلك اللباس الأبيض إلا مباشرة بعد وفاة الزوج؛ لأن شراءه قبل ذلك، حتى لو كان مرض الزوج شديدا وسنه متقدما، يحمل فألا سيئا أو يعني أنها تنتظر موته.

لكن تلك السيدة (وهي امرأة حقيقية وليست شخصية متخيلة) خالفت التقاليد وقررت شراء الملابس البيضاء قبل وفاة زوجها. هي لا تعلم إن كان سيموت قبلها أو بعدها (باعتبار سنها المتقدم أيضا)؛ ومع ذلك، فقد اشترت “حق الله” مسبقا.

لكنها فقيرة.. لذلك، لن يعيب عليها أحد. قد يعتبون عليها باعتبارها تحمل لزوجها فألَ الموت، لا أقل ولا أكثر.

لكن تلك السيدة الأخرى، الغنية هذه المرة (وهي بدورها امرأة حقيقية وليست شخصية متخلية) ستتعرض لوابل من الانتقادات لأنها ذهبت عند الخياط خلال فترة مرض زوجها، لِتُعِدّ ملابس بيضاء أنيقة استعدادا لاحتمال موت زوجها المريض.

الحادثة هي نفسها.. الفرق ربما في القيمة المادية للملابس التي تستعملها كلا الأرملتين في فترة “حق الله”! والفرق بالتالي في تعاملنا مع الواقعتين.. حسب الانتماء الاجتماعي للسيدتين!

أذكر هاتين الواقعتين وأنا أتابع تعليقات البعض على حفلة رقص على يخت بأحد شواطئ المغرب. انتشر الفيديو المسرب وانتشرت التعليقات على مواقع التواصل، بين مندد بـ”استغلال أموال الفقراء للزهو والفرح، بينما الشعب يموت فقرا”، ومندد بعدم احترام التباعد الاجتماعي وعدم استعمال الكمامات الواقية، ومندد بـ… اليخت!

ولأني أعيش في المغرب، فأنا أرى كيف لا يحترم الناس مسافات التباعد الاجتماعي في الأسواق والمقاهي الشعبية، وكيف يزورون بعضهم للاحتفال بمناسبات صغيرة (بما أن الاحتفالات الكبرى ممنوعة) وبالأعياد. لكن الفرق أنهم لا يفعلون ذلك على… يخت.

هذا لا يعني تبرير عدم احترام إجراءات الوقاية خلال تفشي “كوفيد 19”. خطر العدوى مازال موجودا ومن واجبنا جميعا أن نتخذ جميع الاحتياطات لحماية أنفسنا وحماية الغير.

لكن، بالمقابل، من الظلم أن نندد بتقصير نقوم به نحن أنفسنا، فقط لأن الآخر غني ولأنه كان على يخت!

في نفس الوقت، هناك شبه تماهٍ وتطبيع مع البؤس يجعلنا نحاول تفهم كل الموبقات التي يأتيها الفقير والبئيس: العنف، التحرش، السرقة (كم سمعنا حولنا: “الله يحسن العْوان (كان الله في عونه)، إنه يسرق لأنه فقير بينما يرى أمامه امرأة تضع عقدا من الذهب”)؛ حتى صرنا نكاد نقول شعرا في الفقر والفقراء، ليس لخصل معينة فيهم كأفراد، بل لمجرد كونهم فقراء!

لن نختلف حول إلزامية المحاسبة، حين يثبت الخلل. بمعنى أنه، إذا ثبت أن مسؤولا أو مدير مؤسسة عمومية اختلس أموالا عمومية أو موَّل حياته الخاصة من أموال الدولة؛ وإذا تبث أن نساءً ورجالا في القطاع الخاص اغتنوا بسبب التهرب من الضرائب، هنا، من حقنا أن نندد ونطالب بالمحاسبة. لكن، ما عدا ذلك، فإن التشهير بالآخرين لمجرد أنهم أغنياء، هو أمر يجب أن نرفضه إن كنا ندافع فعليا عن القيم وعن احترام الحياة الشخصية للأفراد. وإلا، فهل تكون حقوق الإنسان للفقراء فقط؟

بل أن البعض لا ينزعج من الترويج لأخبار كاذبة في إطار التشهير؛ كما حدث في واقعة اليخت التي نسب الحضور فيها لشخصية معروفة لم تكن موجودة أساسا في اليخت! لا يهم أن نكون ظالمين اتجاه شخص معين، مادمنا نتصور أنه غني ويملك يختا! بل “لابد أنه اشتراه من أموال الشعب” (حتى حين يتهرب كاتب هذا الكلام نفسُه من أبسط واجبات المواطنة).

لنكن واقعيين ومنطقيين: للأغنياء إمكانيات لا تتوفر لمتوسطي الدخل، ولهؤلاء إمكانيات لا تتوفر للفقراء. ما لم يثبت أن الرحلة مدفوعة من اختلاس ونهب العام، فليس لك حق التنديد، لأنك ربما وأنت تندد، تفعل من هاتف لو ملكه نادل المقهى الذي تكتب منه تغريدتك أو عاملة النظافة في بيتك، لاستطاعا حل جزء كبير من إشكالياتهم الاجتماعية!

لندع عنا بعض الشعبوية المريضة.. ثم، وهذا أمر خطير آخر، لننتبه لهذا الفيروس الجديد الذي أصبحنا نتعايش معه بلامبالاة: تسريب الحياة الخاصة، من طرف أشخاص يفترض أنهم مقربون. ذلك الصديق أو تلك الصديقة، الذين يسجلون على هاتفهم لحظات خاصة لفضحها على العلن، يفترض أن يخجلوا من أنفسهم.
البارحة تعلق الأمر بحفلات خاصة؛ واليوم برحلة على اليخت؛ وغدا، قد يسجل صديق لحظة خاصة لك اقتسمتها في إطار حميمي ولا ترغب بالضرورة أن تصبح موضوع تعليقات عامة على مواقع التواصل. وأتمنى ساعتها أن لا تجد من يرمي عليك الحجارة بتلذذ حاقد، كما تفعل اليوم وأنت تندد بالراقصة وباليخت!

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.