الرافدينيون القدامى في حياتهم اليومية‎

بقلم : عضيد جواد الخميسي

لا يمكن وصف الحياة اليومية في بلاد الرافدين القديمة بنفس الطريقة التي يمكن بها وصف الحياة في روما أو اليونان القديمتين مثلاً . فهي لم تكن ومنذ البداية ؛ أمة مستقلة أو ذات حضارة موحدّة ، وقد استمرت هكذا حتى في ظل حكم الإمبراطورية الأكدية.

على الرغم من تشييد المدن بحدود 4500 سنة قبل الميلاد ، وحتى سقوط سومر عام 1750 قبل الميلاد ؛ فقد عاش سكان مناطق بلاد الرافدين على نفس النهج الحياتي والاجتماعي اليومي . كما أن حضارات بلاد الرافدين ؛ جعلت من الكلمة المكتوبة قيمة كبيرة في مسيرة تقدّمها . وبمجرد ما اختُرعت الكتابة مابين عام 3500، وعام 3000 قبل الميلاد ؛ أخذ الكتّاب والمدونون القدماء بتوثيق كل جانب من جوانب الحياة في مدنهم ؛ لهوسهم الكبير في الكتابة والتدوين . لهذا السبب ؛ فإن علماء الآثار والباحثين في الوقت الحاضر لديهم فهم واضح إلى حد ما ؛ عن كيفية حياة الناس وممارساتهم اليومية .

كتب المؤلف والكاتب المسرحي الأمريكي ” ثورنتون وايلدر” العبارة أدناه في كتابه (مدينتنا ) نشر عام 1938م :

” وصل تعداد سكان مدينة بابل ذات مرّة الى مليوني نسمة ، وعلى الرغم من ذلك ، فنحن بالكاد نعرف أسماء بعض الملوك ، وعن صيغ بعض نسخ عقود البيع وشراء القمح ، وتجارة العبيد ” (ص 96).

من الطبيعي كان وايلدر يكتب من وحي خياله ، وليس من صُلب الحقيقة ؛ فقد كان الكثير عن تاريخ بلاد الرافدين لازال مجهولاً عندما قام بتأليف كتابه ، ومن المؤكد أنه كان مخطئاً لما يعرفه العالم الآن عن تأريخ بلاد الرافدين . إلاّ أن في الحقيقة ؛ هناك الكثير من الأسرار والمعلومات ؛ في متناول أيدي العلماء والمؤرخين والباحثين عن الحضارات المتعاقبة . وان هذا الكمّ الهائل من المعارف والعلوم ، لا يتناسب أبداً وعمق تلك الحضارات في التاريخ .

الفئات السكانية والاجتماعية

” تباين سكان مدن بلاد الرافدين القديمة بشكل كبير خلال الأعوام لما قبل وبعد 2300 ق.م. إذ كان عدد سكان مدينة (أوروك) حوالي 50000 نسمة ، بينما بلغ عند مدينة (ماري) في الشمال 10000 نسمة ، ومدينة (أكد) قارب الـ 36000 نسمة ” (مودلسكي ، ص 6).

تم تقسيم سكان هذه المدن إلى طبقات اجتماعية ، وكان ترتيب تلك الطبقات هرميّاً ، مثل سائر المجتمعات في كل حضارة عبر التاريخ . وهذه الطبقات هي : الملك ورؤساء القبائل ( الحكّام ) ؛ الكهنة والكاهنات ؛ الطبقة العليا ؛ الطبقة الدنيا ؛ والعبيد .

الملوك والحكّام

كان يُعتقد أن كل ملك لإمبراطورية أو مملكة ، وأيّ حاكم في منطقة ما ؛ له علاقة خاصّة تربطه مع الآلهة ؛ وقد جاء ترشيحه من السماء ؛ ليكون وسيطاً بين عالم الآلهة والعالم الأرضي . ان عمق تلك العلاقة بين الحاكم و آلهته ؛ تعتمد على سعادة ورضا الإله عن الحاكم ؛ ومدى نجاحه في إدارة شؤون البلاد . فقد كان الملك يعمل جاهداً لتوسيع مملكته وجعلها مزدهرة ؛ كي يظهر أمام شعبه والعالم ؛ على أنّ الآلهة قد فضّلته على غيره من البشر . وعلى الرغم من أن مناطق مختلفة من بلاد الرافدين قد اندلعت فيها انتفاضات وثورات عارمة ؛ وبالأخّص خلال فترة الملك سرجون الأكدي (2334-2279 قبل الميلاد) ، والسلالة التي أسسّها ؛ إلاّ أنه كان يُعدّ شخصية أسطورية لدى شعبه ؛ بسبب غزواته العسكرية الناجحة وتوسّع إمبراطوريته . تلك الإنجازات العظيمة ، كانت تعني بالنسبة للفرد أو المجتمع السومري حيال حكم سرجون ؛ سبباً في تفضيله من قبل الآلهة ؛ الذي قد تفانى في خدمتهم وارضائهم (قصّته مع إنانا على سبيل المثال ) .

كاهنات وكهنة المعابد

يترّأس كل من الكهنة والكاهنات ؛ الأنشطة والفعّاليات الدينية في المدن والضواحي التابعة لمعابدهم ( إذ كانت المعابد تُشيد أولاً ، و ثمّ المدن من بعدها ) . وتؤدّي مجاميع الكهنة بالإضافة إلى واجباتها الدينية بعض الخدمات الاجتماعية الأخرى الى الناس . إذ كان الكهنة يعرفون القراءة والكتابة ، وهم بارعون في تفسير الظواهر والطوالع . ويُعدّون معالجين للأمراض والعاهات .

أولى الطبيبات ، و طبيبات الأسنان في بلاد الرافدين ؛ كنّ من الكاهنات اللائي قدّمن خدماتهنّ العلاجية في الفناء الخارجي للمعبد . ومن بين الكاهنات الأكثر شهرة كانت (إينهدوانا) 2285-2250 قبل الميلاد ، إبنة الملك سرجون الأكدي ، التي كانت رئيسة أو كبيرة الكهنة لمعبد مدينة أور . وهي بمثابة الأديبة الأولى في التأريخ معروفة بالاسم . ولم يكن لإنهدوانا أي نشاط يتعلّق في المجال الطبّي ؛ بل كانت تقضي يومها في إدارة شؤون المعبد والمجمّع المحيط به ؛ بالإضافة إلى توليها بدء الطقوس في الاحتفالات الدينية .

الطبقة العليا

تشمل هذه الطبقة عدد من التجار الذين يزاولون عملهم التجاري الخاص بهم ، أو يعملون ضمن مجموعة التجّار. كان الأطباء بكليهما ( “أسو” وهو ممارس طبي الذي يعتمد التجربة والمعرفة ، و ” أسيبو ” الذي يعتمد السحر كعلاج ) . وكذلك هناك الكتّاب ، والمعلمون الخصوصيون ، وقادة فصائل الجيوش .

المهن الأخرى للطبقة العليا كانت تشمل ؛ المحاسبين ؛ المهندسين المعماريين ؛ صانعو السفن ؛ والمنجّمين (الذين كانوا عادة من الكهنة) . وإذا كان التاجر الذي يمتلك عمله الخاص ، ولم يكن بحاجة إلى التنّقل بين المدن لعقد الصفقات ؛ يصنّف على أنه رجل ثريّ ومرّفه ؛ ويتلذذ باستمتاع ، مع أجود أنواع البيرة المتوفرة في المدينة بصحبة أصدقائه !.

كان الكتّاب يحظون باحترام كبير، و خدماتهم الوظيفية تتوزع مابين المحكمة والمعبد و المدارس . وكل معلّم هو في الحقيقة كاتب ، وكان أحد أهم التخصصات التي يتم تدريسها في كل مدرسة من بلاد الرافدين ؛ هو التدوين والأرشفة . كان الأولاد هم فقط من يلتحقون في المدارس . أما الفتيات ، فلم يكن يتمتعن بحقوق متساوية مع الفتيان ، ولا يُعتبرن ذكيّات بما يكفي ليتمكنَّ من إتقان الكتابة !! .

كان المعّلمون الخصوصيون يحظون بتقدير عال الدرجة من قبل العائلات الثرّية القاطنة في المدن ؛ بسبب مساعدتهم أبنائها في النجاح والتفوق المدرسي ؛ ويُدفع لهم على خدماتهم تلك ؛ أجور عالية جداً . ولأنّهم لا يعملون في مدارس الدولة (والتي كانت تديرها المعابد في كثير من الأحيان) ، فقد كان يُنظر إليهم ؛ على أنهم رجال يتمتعون بشخصيات مرموقة ، وذكاء استثنائي مع مهارات عالية ، كونهم يكرّسون أنفسهم تماماً للتلاميذ حالما يوضعون تحت وصايتهم واهتمامهم . فإذا كان لدى المعلّم تلميذ من عائلة ثرّية جداً ، وجب عليه التمتع بحياة مُترفة مثل عائلة تلميذه .

الطبقة الدنيا

كانت الطبقة الدنيا مكونّة من تلك المِهن التي تسيّر شؤون الحياة العملية اليومية في المدن وضواحيها ، مثل ؛ المزارعين ، الفنانين ، الموسيقيين ، وكذلك عمّال البناء ، حفّارو القنوات والسواقي ، الخبازين ، صانعو السلال ، الجزّارين ، سقاة الجعّة ، صنّاع الطوب ، صنّاع الجعّة ، أصحاب الحانات ، البغايا ، عمّال المعادن ، النجارين ، صانعو العطور ، الخزّافين ، صانعو المجوهرات ، الصاغة ، وصانعو العربات ، بالاضافة الى الصيادين . ثمّ في وقت لاحق صُنّف الى تلك الطبقة ؛ سائقو العربات ، والجنود ، والبحّارة ، والتجّار الصغار الذين يعملون لصالح تاجر كبير. ومن بين المهن المذكورة أعلاه ؛ يمكن اعتبار البغايا ، وصنّاع العطور ، والجوهرجية ، وصاغة الذهب والفضة ؛ من الطبقة العليا ؛ وحسب المتغيرات المحدودة . بمعنى أوضح ؛ عند امتلاك مهارة أو صفة استثنائية لدى أصحاب تلك المهن ؛ ويمارسونها بظل رعاية عائلة ثرية ، أو رعاية ملك ، أو حاكم وأفراد حاشيته ؛ يُحتمل أن يرتقوا إلى الطبقة العليا . وبصورة عامة ؛ يمكن لأي شخص في الطبقة الدنيا أن يتسلق السلم الاجتماعي حسب تغيّر الظروف .

يشير عالِم الآشوريات “جان بوتيرو” في تعليقه على هذا التصنيف إلى ؛ ” أن مدينة كيش لم يكن يحكمها ملك بل خادم لملكة نشيط ، يدعى (كو بابا ) ، وهو حارس حانة سابق ، ولا نعرف عنه شيئاً آخر” (ص125).

كما أن معظم النساء ؛ كنّ يشغلن وظائف الطبقة الدنيا ، ولكن من الواضح ، يمكن ان يحصلن على مناصب ووظائف راقية مثل الرجال .

العبيد

كانت أدنى درجة في النظام الإجتماعي لبلاد الرافدين هي ؛ طبقة العبيد . إذ يصبح الفرد عبداّ ؛ لجملة من الأسباب :

1. أن يقع أسيراً في الحرب .

2. يبيع نفسه في سوق العبيد لسداد الدين .

3. بِيعَ كعقوبة لجريمة قد ارتكبها .

4. خُطف وبِيعَ كعبد في منطقة أخرى .

5. بِيعَ من قبل عائلته لتخفيف الديون المترتبة بذمتها إلى المشتري .

لم يكن للعبيد أي إثنية محددة ، كما أنهم لا يزاولون الأعمال اليدوية ، أو تنحصر خدماتهم في المنازل فحسب ؛ بل يتعدى الأمر ذلك بكثير؛ إذ كانت خدماتهم تشمل إدارة العقارات الكبيرة ، وتعليم الأطفال الصغار ، ورعاية الخيول ، والعمل كمحاسبين ، والعديد منهم كانوا صنّاع مهرة للمجوهرات والمصوغات الذهبية والفضية والنحاسية . وقد أُستغلت قدراتهم ومواهبهم في شتّى المجالات المختلفة . كما ان العبد الذي يعمل بجد لصالح سيده أو سيدته ؛ يمكن في النهاية شراء حرّيته جراء مثابرته وإخلاصه .

بناء المنازل

من المعروف في بلاد الرافدين ؛ بأن الملك يقيم في قصره ، وحكومته في المجمّع التابع للقصر. أمّا منازل العوام ؛ فيتمّ بناؤها بعيدة نسبياً عن مراكز المدن ، حيث المعبد وزقّورته يحتلاّن وسط المدينة . عائلات الطبقة العليا في السلّم الاجتماعي ؛ عادة ما تكون أماكن إقامتها هي الأقرب إلى مركز المدينة . إذ يتمّ بناء منازل الأثرياء من الطوب المجفّف بالشمس ؛ بينما كانت منازل عوائل الطبقة الدنيا ؛ تُشيّد من جذوع النخيل والقصب . ولابدّ من الإشارة إلى ؛ أن تلك المباني البسيطة كانت تعتبر منازل حقيقية وليست (أكواخ ) كما نتخيّل . وصف البروفيسور “بيرتمان ” بناء هذه المنازل في تعليقه التالي :

” لبناء منزل بسيط ، يتم اقتلاع القصب الطويل من المستنقعات المحيطة ، ثمّ يُجمع على شكل حُزم رفيعة مربوطة بإحكام . يتم بعدها إقامة حفور ذات عمق مناسب في الأرض المُراد بناء المنزل عليها ، ثم توضع في كل حفرة حزمة واحدة من القصب . وبعد إتمام ملؤها وتثبيتها بحُزم القصب المرصوصة ، يتم ثني أزواج الحُزم التي تقابل بعضها البعض وتُربط معاً من الأعلى ، عند ذاك تشكل قوساً . وبنفس الطريقة يتم ربط الحُزم المتبقية .. ثم بعد ذلك يُغطى السقف بحصران من سعف النخيل وجريدها ، مع الأخذ في الاعتبار فتحة باب المنزل ، والتي عادة ما تكون ضّيقة . والمنزل خالياً من النوافذ ” (ص 285).

ثمّ يواصل بيرتمان في تعليقه :

” أمّا لبناء منزل من الطوب ، إذ يُخلط الطين المتوفر على ضفاف الأنهار بالقش لتقويته ، ومن ثمّ تعبئته في قوالب خشبية صغيرة مستطيلة أو مربعة ، والتي يتم عزلها بعد جفاف الطوب الطيني على الأرض بتأثير أشعة الشمس الحارقة .. كان الطوب المجفف بالشمس غير مرغوب من قبل مجتمع الطبقة العليا ، بسبب هطول الأمطار السنوية ، التي تؤدي الى تلف وانهيار أجزاء كبيرة من جدران المنازل . لكن البديل ، هو فخر الطوب الطيني في أفران خُصصت لهذا الغرض . وقد كان الطوب المفخور باهظ الثمن ، بسبب الوقود واليد العاملة الماهرة اللازمة في تصنيعه. نتيجة لذلك ، فان منازل الملوك والكهنة الذين يميلون الى هذا الخيار ، قد جعلوه بديلاً عن منازل الطوب الشمسي الذي يستخدمه عامة الناس .” (ص285-286).

الإنارة والتدفئة والصرف الصحّي

تمّ توفير الإضاءة في المنازل بواسطة مشاعل صغيرة ، يُستخدم فيها زيت بذور السمسم ، وأحياناً عن طريق النوافذ (في المنازل الأكثر تكلفة) . شُيدّت النوافذ من الخشب المخصص كوقود للأفران ، وبما أن الخشب كان سلعة نادرة وباهظة الثمن ؛ فإن المنازل في الغالب كانت تفتقر إلى النوافذ .

في العادة ؛ يتم إكساء الوجه الخارجي للمنازل المبنية من الآجر بطبقة طينية كحماية إضافية من حرارة الشمس ، كما أشار بيرتمان إلى شيء آخر في التعليق التالي :

” لم يكن هناك سوى باب خارجي واحد ، إطاره مطلي باللون الأحمر الساطع ؛ لمنع ولوج الأرواح الشريرة إلى المنزل ” (ص286).

تشير الدكتورة “كارين ريا نيميت – نجاة ” إلى :” إن الغرض من تشييد المنازل في جنوب العراق ؛ هو توفير المأوى وتحاشي الساعات الطويلة من الحرارة المتواصلة – المناخ الحار من مايو/ أيار إلى سبتمبر/ أيلول . بعد شهر سبتمبر يأتي موسم الأمطار والطقس البارد ، ثم ينعم الناس بالدفء في منازلهم بإشعال سعف النخيل أو جذوعه ” (ص121 ) .

كان للقصور والمعابد ، ومنازل أفراد الطبقة العليا ؛ مواقد مزخرفة لتدفئة الغرف ؛ في حين تستغل الطبقات الدنيا ؛ حفرة بسيطة في أرض المنزل ، مبطنة بالطين الجاف ، يوضع فيها سعف النخيل وحرقه كي يعم الدفء في أنحاءه .

تم ابتكار نظام للصرف الصحيّ في بلاد الرافدين ؛ وقد بات معروفاً خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد بأقل تقدير ، مع مرافق صحيّة بغرف منفصلة عن المنازل لفئة الطبقة العليا (بالطبع القصور والمعابد في المقدمة ) . أما بالنسبة للطبقات الدنيا ، فكانت محصورة داخل المنازل ، وذلك اقتصاداً بالتكلفة .

كان تصريف مخلّفات المنازل ؛ يتم بطريقة جعل أرضيّة المراحيض مائلة بزاوية ؛ تسهل انزلاقها الى بالوعات معدّة لهذا الغرض ؛ والتي قد تبعد قليلا عن المنازل . وكان نظام الصرف الصحي ؛ عبارة عن أنابيب من الطين تمتد من بالوعات المنازل إلى مجرى النهر مباشرة .

كان يحتاج سكان بلاد سومر من أصحاب الدور والمنازل ، سواء كانوا أغنياء أم فقراء ؛ إلى مباركة الأخوين (كابتا ) و (مشمادا ) (الإلهان المسؤولان عن مراحل التشييد والإعمار والأبنية والطوب) ، وذلك قبل المباشرة في أي مشروع بناء . وعند الانتهاء منه ؛ تُقدم القرابين مع الامتنان إلى إله البناء المكتمل (أرازو ). وكان لكل منطقة في بلاد الرافدين آلهة من نفس النمط . ومع ذلك ، فإن بركاتهم كانت ضمانة أكيدة في الحصول على منزل آمن . كتبت نيميت التعليق التالي عن ضوابط بناء المنازل :

” كانت البيوت القديمة وخاصة تلك المصنوعة من الطوب المجفف بالشمس ؛ غالباً ما تنهار ويصيبها الضرر . قوانين حمورابي حددت خمس مواد عند هذه المشكلة ؛ فالقانون يشير على وجه الخصوص عن مسؤولية البنّاء ( إذا كان البنّاء قد بنى بيتاً لرجل ، ولم يكن عمله مُتقناً ، والبيت الذي بناه قد انهار وتسبب في وفاة ربّ المنزل ، فإن البنّاء سيواجه عقوبة الموت. وإذا كان قد تسبب في وفاة ابن صاحب المنزل ، فتكون عقوبة الموت لابن ذلك البنّاء) !! ” .(ص 121)

الأثاث والمفروشات

كان تأثيث المنازل في بلاد الرافدين القديمة ؛ مثلما هو معروف في الوقت الحاضر . إذ تجد الكراسي (التي كانت تحتوي على أرجل وظهور، وفي منازل الأثرياء مزودة بالأذرع) ، طاولات ، أسرّة ، وأدوات مطبخ متنوعة . في منازل الأثرياء ، كان السرير عبارة عن إطار خشبي مثبتّة عليه شبكة من الحبال أو القصب ، ومرفوع بأربعة قوائم خشبية . يُغطّى السرير بفراش محشو من الصوف أو شعر الماعز مع ملاءات من الصوف . غالباً ما كانت تلك الأسرّة منقوشة بشكل معقّد ، وبحلول الألفية الثالثة قبل الميلاد ؛ كانت أحياناً ” مطلية بالذهب أو الفضة أو النحاس ، وفي كثير من الأحيان نجد أن زوجاً من أرجل السرير ، قد ينتهي بقدم ثور أو مخلب “(نيميت ـ نجاة ص125).

في طبيعة الحال ؛ لم تستطع الطبقات الدنيا تحمّل نفقات تلك الأسرّة الفخمة ، و استعاضت عنها بحصير يُمدّ على الأرض والمنسوج من القش أو القصب ، ويطلق عليه ” باري ” ؛ وهو حصير يستخدم في وسط وجنوب العراق إلى الآن ، وتسميته الشائعة في اللهجة العراقية العامّة “باريه ” . تم تصميم الطاولات بنفس الطريقة المعمول بها اليوم ، وكانت المنازل الأكثر فخامة مجهزة بمفارش المائدة ، والمناديل المصنوعة من الكتان . وتجتمع العائلات على الطاولة لتناول وجبة المساء بالطريقة نفسها التي لا يزال كثيرون من الناس يقومون بها في الوقت الحاضر .

الأسرة والترفيه

تكونت الأسرة في بلاد الرافدين قديماّ ؛ من أم وأب وأطفال ؛ وعائلة متشعبة بسبب صلات القرابة ، كما هو الحال في عصرنا الحديث . وكان كل من الرجال والنساء لديهم من الأعمال المطلوب إنجازها ، بينما كانت حياة الأطفال موجهّة حسب جنسهم وحالتهم الاجتماعية. إذ يتم إرسال الأطفال الذكور من الطبقات العليا إلى المدرسة ؛ بينما تبقى أخواتهم الإناث في المنزل يتعلمنّ الفنون المنزلية . أمّا أبناء الطبقات الدنيا ؛ يلحقون آباءهم في الحقول أو أيّة مهنة أخرى ، في حين أن البنات ، كما هو الحال في الطبقات العليا ؛ يأخذن دور أمهاتهنّ في إنجاز بعض الأعمال المطلوبة وتحت إشرافهنّ .

كانت الألعاب التي يلعبها الأطفال ؛ فهي تقريباً متشابهة ، على غرار الألعاب في الوقت الحاضر ( قبل دخول التكنولوجيا الحديثة ) ، مثل بعض اللعب كمجسمّات صغيرة من العدد والأدوات ، وأنواع مختلفة من الدمى . كتب بيرتمان التعليق التالي عن لعب الأطفال :

” للرضع والأطفال الصغار كانت هناك خشخيشات طينية ، مليئة بالكرات الطينية الصغيرة ، و مقرنصة عند الأطراف مثل حافة الفطيرة ، مع وجود خيط لتعليقها في رقبة الطفل . بالنسبة للفتيان ، الذين كانوا يحلمون بالصيد أو مقاتلين عندما يكبرون ، كانت هناك مقاليع وأقواس وسهام وعربات قتالية مصغرة يلهون بها . أمّا بالنسبة للفتيات ، كنّ يأملنّ بتربية أطفالهن في يوم من الأيام ، إذ كانت هناك دمى وقطع أثاث صغيرة (طاولات ومقاعد وأسرّة) للعب في المنزل . بيد ان هناك السفن والمراكب المحمولة باليد ، وحيوانات الجر الصغيرة والعربات التي تسمح للفتيان بالسفر عبر العالم عندما يطلقون العنان لخيالهم . ولمزيد من التسلية كانت هناك أيضًا كرات وأطواق ، ولعبة القفز بالحبل التي كانت تفضلها إلهة الحب (عشتار ) ” . (ص 298-299)

استمتعت العائلات أيضاً بألعاب الطاولة ، وكانت الأكثر شهرة ، لعبة ” الليدو”
( Parcheesi)
وألعاب النرد. كانت العائلات تمضي أوقات فراغها بنفس الطريقة التي تمارسها عائلات اليوم . كما يبدو أن الرياضة كانت تضمّ الذكور في المقام الأول . ممارسة المصارعة والملاكمة ، كانتا الأكثر شعبية بين الطبقات الدنيا ، والصيد بين أفراد الطبقة العليا .

الموسيقا

سرد القصص يُعدّ فاصلاً مهماً بعد الانتهاء من وجبة الغداء لدى مجتمعات بلاد الرافدين . كانت الموسيقا حاضرة دائماً عند المنازل الأكثر فقراً ، إذ يعزف أحد أفراد الأسرة على آلة موسيقية أو يقوم بالغناء والعزف في بعض الأحيان ، ومن ثمّ يروي قصة طريفة ما بعد العشاء . أمّا الأثرياء ؛ فإن العبيد يؤدون تلك العروض ، أو عدد من الفنانين المحترفين .

كان لدى بلاد الرافدين من الفنانين المطربين والموسيقيين ، وأدوات وآلات موسيقية متنوعة . فالإيقاعية منها : الطبول ، الأجراس ، الصنجات ، سيستروم ( آلة إيقاعية مصرية قديمة ) ، والخشخيشات . الآلات الموسيقية الهوائية ( النفخية ) : الفلوت أو الناي ، المزامير ، القرون ، والبنبايبس
panpipes
( آلة تتكون من مجموعة قصب تشبه الهارمونيكا) . ومن ثمّ الآلات الوترية : القيثارة ، والربابة .

تدل الرسومات والنقوش الأثرية ؛ على حب الناس الكبير للموسيقا في جميع أنحاء بلاد الرافدين . كتب (بيرتمان) التعليق التالي :

” انها رائعة جداً ، وفي الحقيقة ، كان عشق ملكة أور للموسيقا لايوصف ، بحيث لم تستطع تحمّل فكرة وجودها في العالم الآخر دون موسيقا ، فهي جرعة النوم في القبر. لذلك ؛ فقد رافق جنازتها جميع الموسيقيين من أنحاء أور، وبموكب ملكي فخم “(ص295).

تُصوّر النقوش والرسومات أيضاً بأن الناس في بلاد الرافدين ، يستمعون إلى الموسيقا أثناء تناول البيرة ، أو القراءة ، وكذلك عند الاسترخاء في المنزل أو الحديقة. يشير بيرتمان إلى أن :

” الموسيقا كانت جزءاً لا يتجزأ من حياة بلاد الرافدين القديمة . الرسومات على اللوحات المزخرفة ، والأحجار المنحوتة ، والنقوش المتنوعة ، جميعها تنقلنا إلى عالم الموسيقا والصوت . وخصوصاً عند ذلك المشهد الذي نشاهد فيه راعياً يعزف على مزماره وكلبه جالساً بقربه يستمع إليه باهتمام بالغ “(ص294).

كانت الموسيقا أيضاً ، بالنسبة للأشخاص الأثرياء ؛ جزءاً لا يتجزأ من نظام الحفلات والولائم ، وحتى الدعوات الخاصة .

الغذاء والملابس

كان محصول الحبوب الرئيسي في بلاد الرافدين هو ؛ الشعير. لذلك ؛ فلا عجب عندما كانوا أول من ابتكر الجعّة . وإلهة البيرة (نينكاسي) صاحبة أقدم وصفة للبيرة في العالم ( 1800 قبل الميلاد) . إذ يُعتقد أن البيرة قد صُنعت من خبز الشعير المخمّر.

اتبع سكان بلاد الرافدين نظاماً غذائياً من الفواكه والخضروات مثل ؛ التمر، التفاح ، التوت ، التين ، البطيخ ، المشمش ، الكمثرى ، والخوخ . بالإضافة إلى الخس ، الخيار ، الجزر ، الفاصوليا ، البازلاء ، الشمندر( الشوندر) ، الملفوف ( اللهانة) ، و اللفت ( الشلغم) .

وشمل النظام الغذائي أيضاً ؛ الأسماك ، ولحوم الماعز والخنازير والأغنام ، أمّاالأبقار فقد كانت باهظة الثمن ولا يمكن ذبحها من أجل لحومها ، لأنهم كانوا بحاجة أكثر إلى أحلابها . لقد أدخلوا عناصر أخرى الى نظامهم الغذائي من خلال ممارسة الصيد للغزلان والطيور. أمّا الإوز والبط وبعض الطيور المائية ؛ فقد احتفظ بها الناس من أجل بيوضها والمتاجرة بها جنباً إلى جنب مع البيرة (التي كانت لها قيمة كبيرة عندما أستخدمت في دفع أجور العمال) .

” شرب الرافدينيون القدامى النبيذ أو الماء القوي ( العَرقْ ) ، وعلى الرغم من ذلك ، فقد كانت البيرة أكثر المشروبات شعبيّة في بلاد الرافدين القديمة ، بسبب مكوناتها وسماكتها ، وتُعدّ غالباً الجزء الأكبر من وجبة منتصف اليوم” (جان بوتيرو ص 41 ـ 43 ) .

يشير عالم الآشوريات جان بوتيرو إلى أن ؛ سكان بلاد الرافدين كانت لديهم طريقة مدهشة في تحضير وجبات الطعام اليومية ؛ إذ يعدّون طعامهم باستخدام الزيوت ومواد أخرى (زيت السمسم مع الملح ، على سبيل المثال) . وقد كتب التعليق التالي :

” أن جميع هذه المكونات الأصلية كانت متنوعة بدرجة كبيرة ، الاّ أنه وحسب علمنا ؛ لم يستورد سكان بلاد الرافدين أية مادة غذائية من الخارج أبداً ؛ إذا جاز التعبير؛ على الرغم من كثافة تجارتهم وتوسعها الجغرافي “(ص45-46).

الأزياء والتجميل

كان الناس في بلاد الرافدين يغتسلون ويرتدون الملابس النظيفة أولاً ، وقبل تناول أي شيء ؛ وذلك عند وجبة المساء اليومية ؛ ثم يتم تلاوة صلوات الإمتنان للآلهة الذين قدّموا الطعام . فالدين كان جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس في أنحاء بلاد الرافدين ؛ منذ تعهّد الإنسان في أن يكون شريكاً للآلهة . والمعروف ان الآلهة في بلاد الرافدين كانت جزءاً من وجود الفرد اليومي . إذ قدمت الآلهة للبشرية كل ما يحتاجونه ، والمقصود هنا “الموارد الطبيعية “، وفي المقابل ؛ عمل الناس على خدمة الآلهة. كتب بوتيرو عن علاقة الناس مع الآلهة في التعليق التالي :

” لم يكن هؤلاء الآلهة ممن خلقوا الكون والبشرية فقط ، بل ظلوا أسياد البشر الساميين ، عندما خططوا لوجودهم ، ومن ثمّ عملوا على تطويرهم يوماً بعد يوم . ولهذا السبب ، تم اعتبارهم المؤسسين الضامنين لجميع الالتزامات غير المحددة ؛ سواء الإيجابية منها أو السلبية ؛ التي تحكم حياة الإنسان “(ص248). وعلى ضوء ذلك ، فإن جميع جوانب الحياة في بلاد الرافدين كانت مشبعة بالشعور الديني ، حتى في الملابس التي كانوا يرتدونها .

الملابس في بلاد الرافدين ؛ مثلها مثل أي شيء آخر ، كان ارتداؤها يشير الى المكانة الاجتماعية للفرد . البروفيسور بيرتمان ؛أكدّ على ان المنسوجات كانت من أوائل الاختراعات البشرية . وفي تعليقه ؛ يذكر لنا بيرتمان عن هذا الموضوع :

” ربما كانت الألياف النباتية تًبرم أو تُحاك وتُضفر لصنع الملابس ، والتي يعود تاريخها إلى العصر الحجري القديم ، منذ حوالي 25000 سنة . [ولكن] يبدو أن الصوف كان أكثر أنواع الأنسجة شيوعاً في بلاد الرافدين ، إلى جانب الكتان الذي كان مخصصاً للملابس الأكثر تكلفة . لم يتم إدخال القطن حتى أيام الآشوريين ، الذين استوردوا آلات غزله ونسجه من مصر والسودان ، وذلك حوالي عام 700 قبل الميلاد . أمّا الحرير ، فقد تمّ استيراده من الصين ، ربما كان في زمن الرومان “. ( ص289)

وأضاف بيرتمان في وصفه للشخصية الرافدينية :

” كان الرافدينيون ساميين في مظهرهم ، سود الشعر ، سُمر البشرة ، رجالهم ملتحون . الرجال والنساء على السواء ، يطيلون شعور رؤوسهم ، وحتى الرجال في كثير من الأحيان ؛ يرسلون شعورهم في ضفائر تتدلّى على أكتافهم ، وغالباً ما كان رجالهم ونساؤهم يتعطرون . فقد كانت الرغبة في تعزيز جمال الانسان الطبيعي ورونقه ، وذلك من خلال استخدام مستحضرات التجميل والعطور الذي شهد عليها العصر السومري”( ص291 ).

ويواصل بيرتمان في وصفه لطرق التجميل :

” كان الرجال والنساء يكّحلون عيونهم بنموذج قديم من (الماسكارا )، كما شهرة المصريين ، واستُخدمت العطور من كلا الجنسين بعد الاستحمام . ويتم صناعة العطور ؛ من خلال نقع النباتات العطرية في الماء ، ومزج خلاصتها مع الزيت ” (ص 291) .

أصبحت تركيبة بعض تلك الوصفات شائعة للغاية ؛ لدرجة أنها وضعت تحت حراسة مشددة ؛ لربما يمكنها أن تنهض بصانع العطور من عامل بسيط في الطبقة الدنيا إلى ثرّي مشهور في الطبقة العليا .

تلك هي الملامح الرئيسية العامة لصور الحياة في بلاد الرافدين ، دون الخوض في التفاصيل كثيراً .

إذ لم تكن الحياة اليومية لسكان بلاد الرافدين مختلفة عن حياة الناس الذين يعيشون اليوم في تلك المنطقة . شأنهم بذلك شأن مجتمعات العالم الحديث .

لقد أحبّ الناس في بلاد الرافدين القديمة ؛ وطنهم ، و أُسرهم ، ومحيطهم الديني والاجتماعي ، وبذلوا جهوداً كبيرة وجادّة في إنجاز أعمالهم بأمانة وإخلاص ؛ واستمتعوا بأوقات فراغهم مع عوائلهم وأصدقائهم ومعارفهم .

يعطي التقدم التكنولوجي اليوم ؛ للمرء انطباعاً ؛ على أننا أكثر حكمةً وذكاءً من أولئك الذين عاشوا قبل آلاف السنين ؛ لكن الدلائل الأثرية تحكي لنا قصص أخرى . إذ لم يكن سلوك وتصرّف الإنسان في ذلك الزمان ؛ يختلف تماماً عمّا نحن عليه اليوم ؛ سواء كان من ناحية الحاجات ؛ أو الرغبات الأساسية في ممارسة الحياة اليومية . ولكن بكل التأكيد كان لدى الرافينيون القدامى نمط آخر من الحياة ؛ يمكننا التعرف عليه بسهولة ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ستيفن بيرتمان ـ الحياة في بلاد مابين النهرين القديمة ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2005 .

جان بوتيرو ـ الحياة اليومية في بلاد النهرين ـ مطبعة جامعة جون هوبكنز ـ 2001 .

صموئيل نوح كريمر ـ التأريخ يبدأ في سومر ـ مطبعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988.

بول كريفاشيك ـ بلاد الرافدين وميلاد الحضارة ـ ثوماس دوني للنشر ـ 2010 .

غويندولين ليك ـ اختراع المدينة ـ بنجوين للنشر ـ 2003 .

كارين نيميت ـ نجاة ـ الحياة اليومية في بلاد الرافدين ـ غرينوود للنشر ـ 1998.

ثورنتون وايلدر ـ مدينتنا ـ هاربر بيرينيال الحديث للنشر ـ 2003 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.