الديانة اليهوديّة: التلمود!

Nabil Fayad

” التلمود תלמוד ” كلمة تعني أوّلاً ” دراسة ” أو ” تعلّماً “، لكن تطبيقاتها تحتمل معان عديدة. يشير أحد هذه المعاني إلى الآراء والتعاليم التي يأخذها التلاميذ من أساتذتهم لشرحها والتعليق عليها. ثمة معنى آخر يتضمّن كلّ ما يحصل عليه الإنسان من علوم. أما المعنى الذي تتضمّنه العبارة التقنيّة ” تلمود لامار “، فهو التعليم المأخوذ عن شروحات النص التوراتي. أما المعنى الأوسع للمصطلح ” تلمود “، فهو ذلك الذي يشير إلى مجموعة التعاليم التي تضمّها شروحات المعلّمين ونقاشاتهم لمشناه يهودا ها-ناسي.

” المشناه ” هي أوّل نص في اليهوديّة الربّانيّة، والذي حرّره يهودا ها-ناسي وزملاؤه عند نهاية القرن الثاني للميلاد. تقسم المشناه إلى ستة أقسام أو أنظمة:
1- الشرائع الزراعيّة والأدعية؛
2- الأعياد؛
3- الشرائع المتعلّقة بالنساء؛
4- الشرائع المدنيّة؛
5- الأشياء المقدّسة؛
6- شرائع الطهارة الطقسيّة.

التلمود هو مجموعة القواعد الدينيّة، الأخلاقيّة، والتشريعيّة في الدين اليهودي. يقال إن التلمود كتب بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الخامس الميلادي. يحتوي التلمود وصايا في الأخلاق والتشريع، ويناقش مبادئ وأعراف دينيّة وأساطير ذات علاقة بنشوء الكون، بغض النظر عن كم من المعلومات الطبيّة والفلكيّة والجغرافيّة، غير العلميّة، بدائيّة الصياغة.

تفسّر المشناه ( مشناه = تفسير ) الشرائع التي تتضمنها أسفار التوراة الخمسة الأولى، التي وجد أنها لم تعد تتناسب مع تبدّل الظروف الاجتماعيّة، وقت كتابة المشناه. علاوة على ما سبق، تتضمن تفاسير للتوراة أخرى.

” الغمارا ” هي التعليق على المشناه. والغمارا مع المشناه تؤلّفان التلمود.

يدعى الجزء من التلمود الذي يتضمّن الشرائع وينظّم الحياة المدنيّة والعائليّة والدينيّة اليهوديّة، ” هالاخاه “. أما الجزء غير الشرائعي، والذي يحتوي ميثات Myths وأساطير وقصص طويلة أو قصيرة، فيدعى ” هاغاداه ” أو ” أغاداه “.

شكل التلمود:

التلمود، شكلاً، هو مجموعة مجلّدات ضخمة تقوم افتراضاً على تضخيم رسائل مختارة من المشناه؛ لكن الواقع أن التلمود يتجاوز كثيراً أساسه المزعوم. فما من موضوع أثار اهتمام الحاخاميم إلا وشق طريقه إلى التلمود. إنه مجموعة كتب كان هدفها قبل كل شيء شرح نص أقدم منها، لكنها صارت في نهاية الأمر دستوراً يتضمّن كلّ ما يتعلّق بالحياة اليهوديّة في العصور الوسطى.

وكما أشرنا، تعطي المشناه التلمود هيكله العظمي. والتلمود، كالمشناه، مقسّم إلى رسائل، والتي تقسّم بدورها إلى فصول ومقاطع. تُناقش كلّ جملة في المشناه، وتُحلّل، ويستمر العمل فيها ما دام المحررون لديهم ما يقولونه في المسألة؛ أما حين لا يعود هنالك ما يقولونه، ينتقل النقاش بكل بساطة إلى جملة أخرى من المقطع ذي الصلة؛ لكن ذلك قد يستمرّ زمناً طويلاً ويستغرق استطرادات واسعة المدى تماماً.

الأصل والتطوّر:

بعد تداول مشناه يهودا ها-ناسي بفترة قصيرة، بدأت تأخذ مكانها الأساسي في الدراسات الحاخاميّة. ومع مرور الزمن، حدّد محتوى المشناه وبناؤها الطريقة المنظّمة للتراكمات المتنامية للمعارف الحاخاميّة. لقد دُرست المواد التشريعيّة غير المشنائيّة وفق علاقتها مع نظيراتها المشنائيّة، ثم جمعت المواد الإضافيّة التي أعقبت المنظومات والرسائل والفصول المشنائيّة، ودعيت توسفتا. وبالطريقة ذاتها، فإن تعاليماً حاخاميّة ما بعد-مشنائيّة – في الشرع، الأخلاق، اللاهوت، وما إلى ذلك – كانت تناقش كلّما استدعتها الدراسة المتعاقبة لرسائل المشناه إلى الذاكرة، بحيث ربطت معظم هذه الأقوال مع مقطع أو آخر من المشناه ( أو مع مقاطع عديدة أحياناً ).

وهكذا، ظهر إلى الوجود جمع من مؤلفات ضخمة من التعاليم الحاخاميّة، التي أخذ كلّ منها شكل شرح مفكك للمشناه. وتوحي الأدلّة أن كلّ مركز دراسة حاخامي كانت له مجموعته الخاصّة، رغم أنه، في نهاية الأمر، حرّرت المراكز الفلسطينيّة مجموعة متكاملة، وأخرى حررتها المراكز البابليّة. ولأجيال عديدة، كانت المجموعتان مرنتين. فقد تعرضّت موادهما للإضافة أو التغيير أو التنقيح. كما قادت التداعيات الحرّة إلى إنتاج أحاديث طويلة أو مجموعة أقاويل.

مالت المواد الأولى لأن تكون شروحات مختصرة للمشناه أو شواهد من نصوص موازية؛ لكن الحاخاميم المتأخرين فسّروا تعليقات أسلافهم التي لم تحتويها المشناه، أو التي كانت ملحقة بها. يرى كثير من العلماء الحاليين في ما تم تطويره من تقاليد نوعين من المواد: عبارات التشريع القصيرة الدامغة، وشروحات جدليّة لتشريعات أكثر طولاً ومبادئها التحتيّة. أدى هذا الدياليكتيك الحاخامي إلى ظهور جيل جديد من الأقوال التشريعيّة، التي حثّت بدورها على القيام بمزيد من المحاولات في عالم التعقيد الدياليكتيكي. وهكذا، نما التقليد التلمودي.

بين العبريّة والآراميّة:

لكلمة ” غمارا ” الآراميّة، المعنى ذاته الذي تحمله تلمود العبريّة: أي، دراسة. كان لكلّ مصطلح من السابقين معانيه الأخرى بحسب الزمن وتبدّل المعاني بتبدّل الأزمان؛ مع ذلك، ففي نهاية المطاف، صارت ” غمارا ” التسمية التي تم التعارف على إطلاقها على الشرح المشنائي الضخم، الذي أخذ أخيراً شكله المحدّد؛ في حين صارت “التلمود ” التسمية التي حملها النص الذي وحد الغمارا بالمشناه، والذي لاح في الوجود أخيراً.

يدعى حاخاميم الحقبة ما بعد التلموديّة ( من القرن الثالث إلى الخامس ) بالأمورائيم [ من ” مر ” الآراميّة، التي تعني يناقش أو يقول ]؛ وذلك لأن إسهامهم المتميّز في تطوير التقليد كان مناقشة المشناه بشكل مطوّل.

وعبر عمليّة لا نستطيع اقتفاء آثارها بدقة وحتميّة، اجتاز نص ” الغمارا ” إعادات تشكيل دوريّة حتى ظهر إلى الوجود أخيراً التلمودان اللذان نعرفهما اليوم. وهنا لا بدّ أن نؤكّد أن دراسة التوراة من قبل الحاخاميم في المرحلة الأولى كانت شفويّة، أي لم يكن هنالك نص محدّد للغمارا. ولا يوجد ما يدعونا بالتالي لأن نؤكّد أنه كان ثمة نص أصلي معتمد للتلمود يوماً، رغم وجود مقتطفات موازية لهاتين المجموعتين منذ أقدم المراحل، تطالعنا محفوظة في مواقع متباينة.

التلمود الأورشليمي أو الفلسطيني:

إن ما يعرف بالتلمود الأورشليمي ( بالعبريّة: تلمود يروشالمي ) هو في واقع الأمر نتاج الأكاديميّات الحاخاميّة في الجليل؛ ولم يكتمل أساساً حتى منتصف القرن الخامس. يغطّي التلمود الأورشليمي الأنظمة الأربعة الأولى من المشناه باستثناء رسالتين؛ أما النظامان الأخيران، فليس غير نصف رسالة له غمارا فلسطينيّة. يتميّز التلمود الأورشليمي بالإيجاز وغياب التنقيحات التحريريّة عموماً. وكثيراً ما تبدو نقاشاته مقتضبة تأخذ شكل ملاحظات موجزة تعزا إلى هذا الأمورا أو ذاك دون أدنى عبارة للربط بين الإثنين. مع ذلك، تأخذ هذه التعليقات أحياناً شكل معالجة أكثر دياليكتيكيّة، تتضمن اعتراضات تتم الإجابة عليها، وتناقضات يجري حلّها، ونصوصاً توراتيّة يتم إدخالها كشكل برهاني كلما رأى المحرّرون أن ذلك مناسباً.

التلمود البابلي:

يقول التقليد، إن تنقيح التلمود البابلي ( بالعبرية: تلمود بافلي ) أكمله الأموران آشي ورابينا عام 500 م تقريباً. لكن من الواضح أنه من السمات المميزة لهذا التلمود، مقارنة بالفلسطيني، أنّ الأول نتاج عمل أجيال متعاقبة من الحاخاميم، الذين يعرفون باسم سابورائيم ( سافورائيم ) [ من الجذر الآرامي، ” سبر “، أي أدلى برأيه في مسألة ]، أي أولئك الذين أعادوا النظر في النص التلمودي، وقدّموا نسخته النهائيّة. وبفضل جهود هؤلاء المنقحين، صار التلمود البابلي أكثر نجاحاً من مثيله الفلسطيني. إن حججه مفعمة بعلم مصطلحات تقني، يهدف إلى تقديم أفضل للمواد، ويأخذ بعين الاعتبار ما ينشأ من اعتراضات والرد عليها. من هنا، علاوة على مساهماتهم التفصيليّة، ألّف السافورائيم مقاطع كاملة من التلمود؛ وإلى هؤلاء يعزا خصوصاً، المناقشة المطوّلة الأولى، التي تبدأ بها كلّ رسالة. وإلى سافورائيم القرنين السادس والسابع عموماً، يمكن لنا أن نعزو التفّوق الأدبي الكبير للتلمود البابلي وتقنيته المنطقية البارزة وحجمه الضخم. والتلمود البابلي، كما نعرفه اليوم، لم يكن ليوجد قبل أن ينجزوا هذا العمل.

وفي حين يتناول التلمود الأورشليمي النظام الأول من المشناه بأكمله، فإن التلمود البابلي لا يمتلك ” غمارا ” إلا للرسالة الأولى فقط ( بيراخوت )، التي تتناول مسائل ليتورجيّة عموماً؛ أما بقيّة النظام فلم يُعالج خارج فلسطين، وهو يتناول قواعد الزرع. بالمقابل، لا يمكن أن نجد النظام الخامس، الذي ينظّم العبادة في الهيكل، في التلمود الأورشليمي، والسبب خارج نطاق بحثنا؛ مع ذلك فهو يمتلك ” غمارا ” بابليّة هامّة جدّاً. وإذا ما استثنينا السابق، يغطّي التلمودان الأجزاء ذاتها من المشناه، باستثناءات نادرة.

التطوّرات اللاحقة:

في القرون التي أعقبت ظهور التلمودين، راح التلمود البابلي يتفوّق تدريجيّاً على مثيله البابلي. وتمّت عقلنة هذا التفوّق عن طريق الزعم بأن التلمود البابلي أكثر حداثة من الآخر، لذلك فإن محرّريه كانوا يعرفون التلمود الأورشليمي وأدخلوا بالتالي ما قبلوه من تعاليم فيه في تلمودهم، وطمسوا ما اعتبروه تافهاً من أقسام. لكن الواضح أن هذا الادعاء كان ضرباً من دعاية قام بها الحاخاميم البابليّون في القرون الأخيرة من الألف الميلاديّة الأولى لصالح سلطتهم وضد السلطة المنافسة لحاخاميم فلسطين. ويمكن تفسير السيطرة النهائيّة للتلمود البابلي في كافة أرجاء الشتات بل حتى في فلسطين ذاتها عبر الاشارة إلى عناصر مثل الروابط القويّة بين الجماعات اليهوديّة الناشئة في شمال إفريقيا وإسبانيا من جهة، ويهود بابل من جهة أخرى؛ مقابل الانهيار القوي نسبيّاً ليهود فلسطين، خاصّة بعد الغزو الصليبي. لكن بعض الأقطار الأوروبيّة، خاصة إيطاليا، التي حافظت على روابط قويّة مع الجالية اليهوديّة في فلسطين، دافعت عن تقليد دراسة التلمود الأورشليمي. مع ذلك، فقد تغيّر هذا المسار مع بداية الألف الميلاديّة الثانية. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت كلمة ” التلمود ” تعني دائماً ” التلمود البابلي “. وأصبح من المسلّم به أن مسائل الشرع اليهودي يجب أن تُحلّ بالإشارة إلى
التلمود البابلي، وليس الأورشليمي؛ وأن الأخير لا يمكن الاستناد إليه في القواعد والأحكام إلا في إذا صمت البابلي أو بدا غامضاً.

منذ أن تمّ إرساء دعائم التلمود، راح يعرف دعماً متزايداً. بغض النظر عن الاهتمام المضطرد. وهكذا، درسه مثقفون كثيرون، فكان محط تفسيرات جديدة ومتضخمة؛ كما بدأ بنسخه بحرص أعداد متزايدة من الكتّاب. وكانت النتيجة أن المثقفين الحاليين يمتلكون نسخاً من التلمود البابلي أكثر تماسكاً، وتقليد شرح أكثر تطوّراً.

لا بدّ أيضاً أن نلاحظ أن سلطة الكنيسة المسيحيّة في العصور الوسطى أثّرت في تطوّر التلمود بطريقتين هامتين: فمن ناحية، أدّت الموجات المتتابعة لإحراق التلمود إلى عدم توفر نسخه غير في مناطق محدّدة من أوروبا؛ وتركزّت أهم تلك الموجات في فرنسا في القرن الثالث عشر وفي إيطاليا، زمن الإصلاح المضاد ( الإصلاح الكاثوليكي المواجه للإصلاح البروتستانتي )؛ وكانت آخر تلك الموجات في بولونيا عام 1757؛ بغض النظر عن الحرق اليومي لآلاف النسخ من الشروحات التلموديّة؛ ومن ناحية أخرى، قادت المحاولات اليهوديّة إلى تجنّب الحرق إلى خضوع التلمود، طوعاً أو قسراً، لتدخّل السلطات الكنسيّة؛ ونتيجة لذلك، علينا اليوم استرداد كثير من النقاشات الحاخاميّة المتعلّقة بيسوع أو الديانة المسيحيّة من النسخ المبعثرة هنا وهناك، بسبب رقابة الكنيسة، التي كانت تقص تلك النصوص.

ديانة التلمود:

التلمود، رغم حجمه ومداه الواسع الطيف، ليس دون بؤرة مركزيّة. فمقولات محدّدة، وأنماط براهين وأحاديث بعينها، تسيطر بقوّة على صفحاته؛ نتيجة لذلك، فإن ديانة الحكماء التلموديين أنفسهم وأشكال اليهوديّة القائمة على التلمود، التي ازدهرت خلال العصور الوسطى، تبدو أكثر توافقاً مع أشكال روحانيّة معيّنة منها مع أشكال روحانيّة أخرى.

دور التشريع:

يكرّس التلمود البابلي أكثر من نصفه لمسائل التشريع؛ في حين أن القضيّة ذاتها تحتل نحو ثلاثة أرباع مثيله الأورشليمي. بل إن المشناه بالذات تأخذ شكل مجموعات تشريعيّة؛ بغض النظر عن أن النقاشات التلموديّة ركّزت أساساً على توضيح أقسام التشريع المشنائي، والبحث عن تطبيقات جديدة له. يرتبط التركيز على التشريع مع دور الحاخاميم القدامى في جالياتهم حيث كانوا يعملون قضاة أو معلّمين أو موجهين للعامّة. كان التشريع يعتبر منحة من الله، وكان التقيّد بقواعده يعتبر الردّ المناسب على هذا الكرم الإلهي. الالتزام بالتشريع كان يعني تقوية الرباط مع معطيه، الله؛ والحاخاميم، في تضخيمهم التشريع إلى قواعد تفصيليّة كبيرة الحجم، تغطّي كافة أوجه الحياة اليوميّة، كانوا يلتمسون مضاعفة مناسبات تقوية هذا الرباط. كانت دراسة التشريع تمثّل أعلى درجات النشاط الفكري التي يمكن لأي يهودي الالتزام بها، كذلك كان ثمة فعاليّة خاصّة مصممة لتوسيع هذا النوع من الأنشطة. لم يكن اليهود يشعرون أن توسيع مدى التشريع يضيف عليهم أعباء جديدة؛ بالعكس، فقد وسّع ذلك العمل، برأيهم، تلك المساحة من حياة الإنسان التي تتيح له العمل وفق صوت الإله.

دور الدراسة والعقل:

في حين تبدو المشناه للوهلة الأولى وكأنها مجموعة شرائع، لكنها في الواقع تمثّل شيئاً آخر؛ ففي مسائلها العديدة التي تنتظر الحل، واستخدامها العشوائي للنصوص التوراتيّة، وأحاديثها التي تحمل السمة التصادفيّة، انعكاس لقيمة الدراسة كطقس ديني. أخيراً فإن حقل دراسة التشريع الإلهي كان مهماً في الديانة التلمودية كما هو محتوى في تلك الدراسة بالذات. فيما يخصّ التشريع التلمودي، قاد هذا التعزيز للدراسة بوصفها طقساً دينيّاً إلى نشوء مجموعات من المعارف التشريعيّة، تحمل كلّ منها اسم المعلّم الذي تعزا إليه الآراء في كلّ مجموعة. ويعكس الولع التلمودي الشهير بالجدل والمماحكة اهتمام الحاخاميم بأن تكون كل هذه المجموعات متماسكة داخليّاً من ناحية، وأن تكون متمايزة في اختلافها، الواحدة عن الأخرى، من ناحية أخرى.

كان للاتجاه العقلاني آثاره الهامّة الكثيرة على الديانة التلموديّة. فقد أسبغ على المنظومة التعليميّة الحاخاميّة مسحة سكولاستيّة ازدادت وضوحاً بمرور الزمن. وكان تفسير النصوص مادّة هامّة في الأدب الديني. فالنسخة المعياريّة من التلمود ما تزال تتضمن إلى اليوم كثيراً من التفاسير الكلاسيكيّة الموضوعة إلى جانب النص. لقد أولت العقلانيّة جلّ اهتمامها للصياغة الصحيحة لكلمات النصوص المقدّسة وتلاوتها بما يناسب من طريقة أو ظرف؛ وكان لهذا بدوره آثاره الهامة على مفاهيم الصلاة والتأمل والروحانيّة التلموديّة وما بعد التلمودية.

التعليم التلمودي والسلطة الدينيّة:

ثمة علاقة قويّة، برأي الحاخاميم القدامى، بين تأكيدهم على دور التعليم والدور القيادي الذي طالما طمحوا له. وكانوا يسلّمون بأنه يكفي أن تُدرس التوراة وتُفهم كما ينبغي حتى يمكن لشعب إسرائيل أن يصبح ” مملكة أحبار وشعباً مقدّساً ” ( خر 6:19 )، الذي كانت نية الإله أن يكونوه. وكان هذا بدوره يعني أنه فقط أولئك الذين نالوا قسطهم الكافي من التعليم التوراتي يمكن أن يسمح لهم بقيادة الجماعة، لأن هؤلاء القادة هم وحدهم الذين يمكن الوثوق بهم من أجل قيادة الشعب في الصراط المكرّس إلهيّاً.

من هنا، نجد متأصّلاً في اليهوديّة التلموديّة وما بعد التلموديّة الافتراض القائل إن التعليم التوراتي هو المعيار المناسب الوحيد لاختيار القادة. وكانت كلما دنت الفرصة، حاول الحاخاميم تحويل سلطتهم على الجماعة إلى عرف. وهذا بدوره كان يعني، خاصة في الحقبة الأولى، الوصول إلى تكيّف مع حكام الجالية الحقيقيين. لكنه صار يعني بعد ذلك، التأكد من أن المحاكم اليهوديّة لابدّ أن تكون تحت سلطة الحاخاميم وأن التشريع التلمودي يجب أن يتحكّم بتفاصيل الحياة حيثما استطاع اليهود الوصول إلى نوع من الاستقلاليّة الداخليّة. ورغم أن مسيرة السلطة الحاخاميّة لم تمض دون تحدّيات، فهي لم تسقط إلا مع انهيار الحكم الذاتي اليهودي، الذي بدأ في نهاية القرن التاسع عشر، وتواصل في القرن العشرين.

دراسة التلمود كتجربة دينيّة:

رأى الحاخاميم أن تعاليمهم الخاصّة تشكّل ما يسمّى ” بالتوراة الشفويّة “. بل كانوا يعتقدون أن محتويات التلمود هي جزء من وحي إلهي إلى موسى حافظ طويلاً على طابعه الشفوي. أثناء المرحلة الشفويّة، جرى تناقله لقرون عديدة، بأمانة مطلقة، قبل أن يأخذ صيغة كتابيّة حين جرى تدوينه في التلمود. وهكذا يمكن فهم التسمية ” تلمود ” كشكل مختصر لعبارة ” تلمود توراة ” أو ” دراسة التوراة “.من هنا فإن دراسة الإنسان للتلمود كانت في الواقع تعني أن يترك ذاته تسمع كلمة الله؛ أما ما يضيفه إلى مجموعات الشروحات والأحكام وما إلى ذلك، فلم يكن يعني غير مشاركته في نشر الوحي الإلهي في العالم. من هنا، فإن تعليم التوراة كان بالتالي نوعاً من التصوّف، يعيش فيه الإنسان من جديد مجريات الأحداث في سيناء؛ أما الإضافة إلى التوراة أو الشرع الشفوي فهي المشاركة في الفعل الإلهي. ومع أن التلمود يصف الله بأنه يدرس التوراة عدة ساعات في اليوم (B.T, A.Z.3b)، فنحن نشعر أن العلاقة بين الحاخام والله أكثر قوة. فعن طريق توسيع الحاخام لكم التوراة في العالم، كان بإمكانه أن يفعل ما اعتُقد سابقاً أن الله وحده قادر على القيام به.

كان باستطاعة الجميع دراسة التوراة، ولم يكن يوجد من ليس باستطاعته إضافة بضع أفكار أصيلة إلى القسم المدروس. بهذه الطريقة، صارت دراسة التلمود حقلاً واسعاً للعمل بين الجماعات اليهوديّة المتأخرة. لكن درجة الالتزام بهذا الحقل تختلف، من تكريس الزاهد لعشرين ساعة من يومه إلى ساعة كل أسبوع، هي تلك التي يتلقاها الدارسون بعد ظهر أيام السبت.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.