#الدولة_العربية وسياسات التدخل في شؤون المواطن والمجتمع

حواس محمود

#الدولة_العربية وسياسات التدخل في شؤون المواطن والمجتمع
حواس محمود

ركزت الدولة في تدخلها إبان سيطرة التجاريين في كل أوربا على” وضع قواعد لتنظيم الإنتاج ، فرض تدابير الحماية الجمركية ، فرض رسوم عالية على الواردات من المواد المصنوعة وإعفاء المواد الأولية منها ، وعلى العكس من ذلك فرضت رسوم عالية على تصدير المواد إذ أعفيت الصادرات الصناعية من أي رسوم بل أحيانا كانت تستفيد من مساعدات الدعم.
وعرفت التدخلية تراجعا ملحوظا في القرن التاسع عشر مع ظهور مدرسة الحرية الاقتصادية بزعامة أدم سميث ودافيد ريكادرو ، فقد سعى مفكرو مدرسة الحرية الاقتصادية إلى بيان أهمية الحرية الاقتصادية وتوقف الدول عن التدخل في الحياة الاقتصادية في توفير أفضل الشروط لتحقيق النمو الاقتصادي ورفع فعالية النشاط ، وفي الوقت الذي كان علماء الاقتصاد الانكليز ( سميث وريكاردو) وغيرهما يدافعون عن مبدأ الحرية الاقتصادية لتمتع الاقتصاد الانكليزي بتفوق كامل ، كان علماء الاقتصاد في الدول الأوروبية الأخرى يؤكدون ضرورة التدخل الحكومي لحماية الاقتصادات الوطنية من المنافسة الخاصة ، وفي القرن العشرين عادت الاتجاهات وبخاصة في فترة ما بين الحربين العالميتين ، ومن ثم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ” (1)
مما تقدم كان مدخلا تاريخيا ضروريا لدراستنا الحالية للدخول إلى معالجة ومناقشة التدخلية في دوال العالم العربي .
إن الربيع العربي الذي حدث لم يكن قد جاء كرد فعل سريع ، أو موجة ثورية خاطفة دون الاستناد إلى معاناة مريرة وقاسية مع أنظمة عربية تدخلية بحيث أنها تتدخل بشؤونها الخاصة والعامة ، مما فاقم من عملية القهر الشامل : سياسي / اقتصادي / اجتماعي عبر مرحلة زمنية تمتد من فترة الاستقلال التقليدي من الاستعمار المباشر فرنسا – بريطانيا – ايطاليا ، ( والتي شهدت انقلابات عسكرية متتالية ، مارست الدولة العربية التدخل الكبير في شؤون المواطن والمجتمع ) إلى الربيع العربي واستغرقت هذه الممارسات أكثر من خمسين عاما .
من سمات الدولة العربية أنها تتدخل في كل شاردة وواردة في حياة الإنسان المعاصر بحيث يجد الإنسان انه مكبل بشبكة من القيود والموانع والعراقيل ذات الطابع الأمني الصرف ولذلك فانه يشعر بالغربة في بلده ويفكر بالهجرة رغم مرارتها ، ذلك أن الدولة تمنع الحريات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بالتدخل في شؤون المجتمع وتمنع تأسيس منظمات المجتمع المدني والمبادرات الفردية والأهلية وبصفة عامة” يمكن القول أنه حيث تو جد الدولة المهيمنة التي تدعي لنفسها القدرة على القيام بوظائف شديدة الإتساع والشمول بدءا من الأمن الداخلي والخارجي حتى إدارة وتوجيه الإقتصاد مرورا بصور الرعاية الإجتماعية والصحية المختلفة، في ظل هذه الدولة تضمحل أو تكاد تتلاشى مبادرات الأفراد في تنظيم أنفسهم في شكل تنظيمات طوعية من أجل الوفاء بمختلف حاجاتهم الإجتماعية بل إن الدولة المهيمنة ذاتها تضيق بهذه المبادرات ولا تشجعها لموقفها المبدئي المعادي لمبادرات الأفراد (2)


فالعمل الاقتصادي الحر ممنوع في الدولة العربية الراهنة ، وبخاصة في الدول التي كانت محسوبة على النظام الاشتراكي الذي سقطت قلاعه الواحدة تلو الأخرى في العقد الأخير من القرن المنصرم اذ يمنع القطاع الخاص من العمل وان سمح له فإن الشروط عليه كثيرة تكون مصحوبة برسوم وضرائب ورشاوي ونوع من الشراكة مع هذه الجهة الأمنية أوتلك أو مع هذه الشخصية السلطوية المتنفذة أو تلك وفي معظم الأحيان يضطر المستثمر إلى الغاء فكرة الاستثمار في الدولة المعنية من أساسها بسبب البيرواقراطية المكتبية والشروط والقيود المعرقلة للمشروع الاقتصادي الذي سيساهم في تخفيف البطالة في تلك الدولة وفي تطوير اقتصاد الدولة وتنمية مواردها وتطوير خبراتها المحلية ، هذا ناهيك عن ربط أي عمل اقتصادي بالموافقة الأمنية كالمطاعم والمقاهي وصالات الأفراح والمسارح والمعارض والمدارس الخاصة ومدارس السواقة والمعاهد والجامعات الخاصة والمهن الخاصة كالحدادة والحلاقة والنجارة والخياطة والمقاولة والتجارة الخاصة والعامة ومحلات قطع تبديل السيارات ، وغيرها من المهن ومجالات العمل التي تتعرض للعرقلة والتوقيف بدون موافقات أمنية ، والعمل السياسي أيضا ممنوع بقوانين الطوارئ والأحكام العرفية التي كبلت النشاط السياسي بهذه القوانين الجائرة من أكثر من نصف قرن إذ لا قانون للأحزاب ينظم عمل الأحزاب السياسية ويتيح مناخ الحرية السياسية وإفساح المجال أمام التنافس السياسي الديمقراطي ، وفي المجال الصحافي يمنع منح امتيازات تأسيس صحافة وطنية ذات طابع رقابي وإبداعي باعتبارها سلطة رابعة وإنما يحتكر العمل الصحفي للدولة التي يتزعمها في الأغلب الأعم حزب سياسي احتكر السلطة على اثر انقلاب عسكري وبقيت الأمور جامدة وراكدة مع بقائها – السلطة- متحكمة في مقاليد البلد، إذ تصدر صحفا خاصة بها وحدها ، وأما الثقافة فهي مملوكة للدولة فلا يسمح بإنشاء مؤسسات ثقافية مستقلة باعتبار إنها تشعر أن هذه المؤسسات ستكون خارج سيطرتها إذ سيلجأ الناس إلى المؤسسات الثقافية المستقلة ذات وجهة النظر المختلفة عن وجهة النظر المطروحة في نتاجاتها الثقافية الصادرة من مؤسساتها الثقافية ذات الرؤية السلطوية المحددة والمقيدة والضيقة ، وأما النشاط الاجتماعي فهو أيضا محارب بالتدخل كالجمعيات الخيرية والاتحادات والنقابات وفرق اللعب الرياضية وبالتالي مؤسسات المجتمع المدني

منظمات المجتمع المدني تحارب بشدة عبر التقييد عليها ومنع منح التراخيص لعملها واتهامها بتلقي أموال من الخارج وذلك لخشيتها من استقطاب الشعب إلى العمل معها والانخراط فيها الأمر الذي يجعل من الدولة تنظر إليها منافسة لها سياسيا وبالتالي هي لا تسمح لها بالعمل وان كانت هناك منظمات مستقلة فهي خاضعة للتدخل سواء بدس شخصيات من قبلها لمعرفة أهداف وممارسات وأجندات هذه المنظمات أو بالمنع الأمني المباشر

” وإذا كان ظهور مؤسسات المجتمع المدني تاريخيا رهن بالحاجة الإجتماعية إليها، ورهن أيضا بعجز الدولة عن الوفاء بمتطلبات الرعاية الإجتماعية للمواطنين، فقد أكتسب هذا الظهور طابعا دينيا خيريا منذ بداياته الأولى. والمجتمع المدني العربي وإن كانت نشأته مرتبطة بالدولة العاجزة، فإن تطوره وازدهاره رهن بتوافر مناخ من التسامح الليبرالي. هذا التسامح الذي افتقدته الدول العربية كافة” (3)
والدولة العاجزة أو الفاشلة- التدخلية- تمنع الحريات الأكاديمية والبحث العلمي وتضع السياسة والانتساب السياسي كمحدد أساسي للتعيينات الأكاديمية وبذلك يتراجع البحث العلمي ومستوى الخبرة والتأهيل العلمي ، و تحارب الاستخدام الخاص للتكنولوجيا المتطورة وبخاصة الانترنت سواء بحجب المواقع الثقافية والسياسية العديدة أو بالمراقبة المستمرة لأصحاب المواقع الانترنيتية والمدونين وتلجا وقد لجأت إلى اعتقال العديد من المدونين وبخاصة في المنطقة العربية بسبب آرائهم ومواقفهم عبر إبدائهم لهذه الآراء والمواقف كممارسة لحرية التعبير التي يمنحهم إياها الدساتير والقوانين المحلية والدولية .
إن الدولة التدخلية ترى أنها تربح من خلال جملة العمليات المنعية والرقابية لمجمل النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وهي ترى الربح لطغمتها الحاكمة ومجموعة الفاسدين حولها ، ولكنها تكبد المجتمع خسارة كبرى قد لا تراها بعينها الضيقة وهي خسارة كبرى فعلى سبيل المثال لا الحصر الإنفاق من ميزانية الدولة الذي تم على الكودار والخبرات المهاجرة يذهب هدرا والطاقة الانتاجية لهذه الكوادر لا تستخدم في تنمية مجتمعاتها ، وكذلك الأمر بالنسبة للتقييد والمنع لجميع ما تم ذكره ضمن المقال في كافة المجالات له ربحه الظاهري لمنتفعي الدولة لكن له خسائره الكبرى على المجتمع ومستقبله ، ولعل ابلغ تعبير عن مفارقة الربح الظاهري والخسارة الضمنية – المخفية- ما قاله الاقتصادي والسياسي الفرنسي فريرديك باستيا
” الدمار ليس ربحا”
الهوامش
(1) : مطانيوس حبيب

arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=8070&vid=

2 ، 3 : الدولة والمجتمع المدني والقانون، ملاحظات على بعض جوانب التمييز التشريعي ضد النساء في الوطن العربي ورقة عمل مقدمة من الدكتور محمد نور فرحات في مؤتمر المجتمع المدني وتمكين المرأة العربية /البحرين فبراير 2006

About حواس محمود

حواس محمود سيرة ذاتية كاتب وباحث سوري من سوريا ، مقيم بالنرويج حصل على بكالوريوس هندسة مدنية جامعة حلب 1986 له ستة كتب مطبوعة . موضوعات سجالية .. أفكار حول المشهد الثقافي الراهن دار الينابيع دمشق 2002 التكنولوجيا والعولمة الثقافية دار الحكمة دمشق 2003 المائدة الأدبية مطبعة اليازجي دمشق 2005 المشهد الثقافي الكردي والسبيل لبناء فكر قومي كردي معاصر دهوك – جامعة دهوك - مركزالدراسات الكردية وحفظ الوثائق 2010 العالم العربي .. قضايا معاصرة - صدر حديثا دار الزمان 2020 مائة كتاب في كتاب دار اوراق للنشر والتوزيع القاهرة 2021 نشر في العديد من الصحف والمجلات العربية والمحلية ( أكثر من سبعين ) منها مجلات محكمة ، والعديد من المواقع والمنتديات الالكترونية ، نال جائزة افضل مقالة في اكثر من موقع . يحمل درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية جامعة حلب 1986
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.