الدور الشيشاني في الحرب السورية

بدأ التدخل الشيشاني في سورية، بعد تحوّل الثورة السورية من سلميّة إلى مسلحّة، حيث بدأت مجموعات شيشانية تأخذ دورًا مهمًا في المواجهات بين قوات النظام السوري والمعارضة السورية، بعدها انضمت أعداد منهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتم استعمالهم كأداة قوية لمواجهة فصائل المعارضة السورية، بسبب وجود جواسيس بين هؤلاء الشيشانيين، كانوا يُرسلون المعلومات إلى مراكز الاستخبارات الروسية في موسكو، وبعد التدخل الروسي في سورية ضد المعارضة السورية؛ دخل الجيش الشيشاني الرسمي التابع لرمضان قاديروف إلى سورية، وكان للشيشانيين دور مهم في القتال.

ذهاب كثير من الشباب الشيشانيين للقتال “الجهاد” في سورية له علاقة مباشرة بالأزمة الاقتصادية المعاشية في منطقة القوقاز، وبانتشار أفكار التطرف الإسلامي بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية التي تدعم مشروع إعادة الإسلام إلى منطقة القوقاز، حيث استفادت من الضياع الفكري، لنشر الفكر “الوهابي” أو “السلفي”.

ومن العوامل التي ساعدت في انتشار الفكر الجهادي في القوقاز، التهميش وعدم اهتمام موسكو بمشاكل القوقاز التي كانت ولا تزال كثيرة، ومن ضمنها البطالة، وعدم وجود دعم حكومي لهذه المناطق، لكن تغيّر الأمر بخصوص الدعم، بعد انتصار روسيا في الحرب ضد جمهورية الشيشان في القوقاز، واستلام الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف السلطة في الشيشان، وعلى الرغم من أن قاديروف كان من أقوى خصوم الروس، وقد قُتل عدد من الجنود الروس في الحرب، فإنه أصبح الشخص الأقوى الذي ينفذ سياسيات بوتين في القوقاز، والبطل القومي الروسي، وقد منحه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كثيرًا من الامتيازات في روسيا، حتى أصبح أحد أثرياء روسيا، وأصبحت الشيشان إحدى المناطق التي يتم تمويلها لإسكاتها، كي لا تقوم بثورة جديدة على روسيا.

كانت الشيشان مركزًا مهمًا للجهاديين الموالين لروسيا، الذين يرون أن الجهاد لمصلحة روسيا “جهاد من أجل الإسلام”، لأنهم يعدّون قاديروف قائدًا لهم، وقد شارك بعضهم في الحرب الأوكرانية ضد الجيش الأوكراني، وبعضهم في سورية، حيث يعتبرون أن حربهم هناك “مقدسة”، لأنهم يحاربون الغرب “الكافر” و”الإمبريالية الأميركية”، والمعارضين الذين “انضمّوا إلى صفوف داعش”، ومع أن رمضان قاديروف يدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن المنطقة التي تحت سيطرته تُحكم بقوانين دينية صارمة، وقد تم اغتيال أغلب الشخصيات التي عارضت قاديروف في الشيشان، أو تم خطفها وقتلها، وعلى الرغم من أن قاديروف يعارض الفكر “السلفي” أو “الوهابي”، ويدعم الفكر الصوفي، فإن الفكر الجهادي السلفي منتشر في المجتمع الشيشاني وبين أنصار قاديروف أيضًا، بسبب ماضيهم الجهادي، فمن المعروف أن والد الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف (أحمد قاديروف، وهو مفتي جمهورية الشيشان السابق) كان أحد الذين دعوا الناس للجهاد ضد روسيا، وفي خطابه سنة 1996، قال إن “الجهاد ضد الروس هو الحل للشيشانيين”، ومع أن رمضان قاديروف يرفض هذه الفكرة، فإنها ما تزال منتشرة بين الشيشانيين، حيث إن روسيا تعتمد كثيرًا على رمضان قاديروف، وإذا حدث أي تغيير سياسي في الشيشان، أو توقف الدعم الروسي لهم، فهذا يعني حدوث تمرّد في الشيشان، وبذلك سوف يعودون إلى التمرّد مجددًا.

ماذا يفعل الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف في سورية؟

الوساطة لعودة الروس الذين انضموا إلى الجماعات الجهادية في سورية، والرغبة في المساهمة في إعادة الإعمار، إضافة إلى تقديم مساعدات إنسانية في سورية، هذه هي أهم الأنشطة التي يقوم بها رمضان قاديروف في سورية، وبها يخدم الرئيس الشيشاني الكرملين وسياساته في سورية، إضافة إلى أداء لعبة خاصة به، وإظهار نفسه كمدافع عن الإسلام في جمهوريات الشمال القوقازي، وفي الدول التي يرسل إليها جنوده.

أرسل قاديروف مجموعات شيشانية، منذ بداية الحملة العسكرية لروسيا في سورية، وكانت تحت إمرة الكرملين بشكل مباشر، حيث أرسل الرئيس الشيشاني بضعة آلاف من المقاتلين الشيشانيين إلى سورية، لكي يقاتلوا (داعش) ويساعدوا الجنود الروس في عملياتهم العسكرية في سورية، وكان الدور الأهم لهم هو أن يكون هناك تقارب بين الجنود الشيشانيين والسوريين، لأن الجنود الشيشانيين مسلمين، ولكن هذا الهدف لم ينجح كثيرًا، ومع ذلك تحاول جمعية قاديروف الإغاثية إرسال مساعدات إلى المناطق التي تحت سيطرة قوات النظام السوري، بهدف تعزيز التقارب، وتغيير وجهات النظر عن الدور الروسي والشيشاني في سورية.

تمكّن قاديروف من إقناع موسكو بإنشاء مركز تدريب للقوات الخاصة ضمن إطار الحملة العسكرية الروسية، حسب وسائل إعلام روسية، وقد أقيم هذا المركز “بغوديرميس” بالقرب من مقر إقامة رئيس الشيشان قاديروف، على مساحة 500 هكتار، وفّرها مركز التدريب الرياضي المتعدد الوظائف، وكان لـ “ماستر” أحد مساعدي رمضان قاديروف، والمرتبط بمؤسسة أحمد قاديروف دورٌ فيها. وحسب دانيل مارتينوف فإن كل المدربين هم من قدماء وحدات النخبة الروسية (آلفا، فيمبل)، ومن المديرية العامة للاستعلامات. وقد تم إرسال الكتيبة الأولى التي دُرّبت في هذا المركز إلى سورية، في كانون الأول/ ديسمبر 2016، للحصول على التدريب وتجهيزهم للقتال، ومن ثمّ ليتمّ إرسالهم إلى ليبيا.

اتسع التدخل الشيشاني بعد ذلك، وهناك حديث عن المساهمة في إعادة الإعمار بعد الحرب، ضمن إطار المشروع الروسي الذي يقوده يفغيني بريغوجين، رجل الأعمال المقرب من بوتين وهو الذي يسمّى في الاعلام (طباخ بوتين) والداعم الأقوى للحروب في سورية وليبيا، وفي الواقع، تم الإعلان في هذا الخصوص أن الشيشان -بالتعاون مع بريغوجين- سيقومون بإعادة بناء مساجد حلب وحمص ومدن سورية أخرى..
ويلاحظ أحمد يارليكابوف أن “إعادة بناء المساجد أمرٌ مهم جدًا لبناء العلاقات الشيشانية السورية، حيث يقوم الكرملين بإبرازه ضمن سياسة إغراءات تجاه المسلمين في روسيا، ويشكل ذلك في الواقع استمرارًا للسياسة التي تتبعها روسيا نفسها، حيث يقوم الشيشان ببناء المساجد في مناطق المسلمين في المدن المختلفة الروسية، وقد أبرزت دراسات كيف تحسنت صورة رمضان قاديروف وجمهوريته، لدى مسلمي روسيا.

وتتكفل مؤسسة أحمد قاديروف التي تحظى بدعم حكومي روسي، حيث يتم تمويلها عبر ضريبة غير رسمية تُجمع من خلالها بين 10% و30% من مرتبات الشيشانيين و50% من أرباح الشركات التي تنشط في الشيشان، بتوزيع المساعدة الإنسانية في سورية، منذ شهر كانون الثاني/ يناير 2017، ويكرر رمضان قاديروف الحديث بهذا الشأن في الشبكات الاجتماعية، وكذلك ويعيد التلفزيون الشيشاني بث ذلك، ويقول إن المساعدة التي تقدّمها غروزني للإخوة السوريين أكبر بكثير من تلك التي تقدّمها المنظمات الدولية.

كيف ستوثر العقوبات الأميركية في سياسة الرئيس الشيشاني ودور الشيشان في المنطقة؟

فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على قاديروف رئيس الشيشان، ومنعته من دخول الولايات المتحدة، بسبب اتهامه بالقيام بانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، من بينها أعمال تعذيب.
وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إنه يخشى أن يستغلّ الزعيم الشيشاني رمضان قاديروف (الحليف المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين) تفشي وباء كورونا المستجد، ويتخذه ذريعة لارتكاب مزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان بحق سكان المنطقة. وقال بومبيو: ” لدى الوزارة معلومات موسعة وموثقة، تفيد بأن قاديروف مسؤول عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تعود لأكثر من عشر سنوات، وتشمل التعذيب والقتل خارج إطار القضاء”. وتؤكد التقارير أن الرئيس الشيشاني يستعمل طرقًا بشعة مع كل من يعارضه ويعارض سياسية الكرملين، وأنّه “دمّر بيوت عائلات كانت تعارض سياساته”. وردّ قاديروف على قناته بتطبيق (تلغرام) بصورة له بدا أنه يقف داخل مخزن ممتلئ بأسلحة مبتسمًا، وهو يحمل رشاشات خفيفة. وعلّق: “يا بومبيو، نحن نقبل القتال.. سيكون الأمر ممتعًا”.

ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية قالت، في منشور على (فيسبوك)، ردًا على العقوبات: “سيكون من الصعب الرد بالمثل، لكننا سنفكّر في أمر ما”. وكانت واشنطن قد وضعت قاديروف على القائمة السوداء في السابق، بموجب قانون (ماغنتسكي) الذي فرض عقوبات شملت منع إصدار تأشيرات وتجميد أصول مسؤولين مرتبطين بوفاة سيرجي ماغنتسكي (37 عامًا) في السجن، وهو مدقق حسابات روسي ومبلّغ عن مخالفات. وسوف تمنع العقوبات الرئيس الشيشاني من التحرك بحرية، ومن استعمال البنوك الأجنبية لدعم مشاريعه، وهذا سيُضعف نوعًا ما من إمكاناته في سورية، ولكنّ أغلب المحللين السياسيين عدّوا هذه العقوبات رمزية، وليس لها قيمة حقيقة، وأنها لنّ تغير من تحركات الرئيس الشيشاني، ويمكن اعتبارها ردًا أميركيًا على تهديد قاديروف للرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي.

ما الحلّ الذي يراه الرئيس الشيشاني قاديروف للوضع في سورية؟

قال قاديروف، في مؤتمر صحفي في غروزني سنة 2018: “بغض النظر عن مدى رغبة القيادة السورية، والشعب السوري، فإن الحرب لن تنتهي بتواجد أميركا وإسرائيل وأوروبا ودول التحالف الأخرى، حيث إن هناك مصالح لدول مختلفة، وستستمر إراقة الدماء هناك إلى أن تتفق هذه الدول على ضرورة إنهاء الحرب”، وهو يعتقد بأن السبب الأساسي للحرب في سورية هو التدخل الغربي والأميركي، ولا يرى في التدخل الروسي أي مشكلة، لأنه يعدّه دعمًا للسوريين، ويعُدّ بشار الأسد الحاكمَ الشرعي لسورية.

وقال قاديروف إن هناك قادةً لما يسميهم “الإرهابيين” في سورية، يقومون بتزويدهم بكل ما يحتاجون إليه، ولولا ذلك “ما تمكّنوا الصمود يومًا واحدًا”. وأضاف قاديروف: “كلّ القوات التي تقاتل ضد قوات الحكومة السورية يتم التحكم فيها وتزويدها بالأسلحة والملابس والغذاء، وكل هذا يحتاج إلى كثيرٍ من النفقات، وسيعود السلام إلى سورية، إذا أعادت الدول شياطينها إليها”، وأكد أن سورية صامدة بفضل جهود روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين. وقال: “كما نعرف، فلاديمير بوتين، صانع السلام، يعمل وفقًا لمعايير المجتمع الدولي، ويحمي الجمهورية العربية السورية، ولأوروبا والغرب مصالح أخرى هناك”. وأشار إلى أن الجنود الشيشان الذين يخدمون في سورية، كجزء من الشرطة العسكرية، اكتسبوا ثقة السكان المحليين وأنهم يقومون بالمهام بنجاح. وهذا الشي يقوله ليس للمرة الأولى حيث تزداد العلاقات السورية الشيشانية أكثر عمقًا، وخصوصًا بعد فتح مركز تابع لجامعة دمشق في العاصمة الشيشانية غروزني، وفتح مراكز لجمعية قاديروف في مدن مختلفة في سورية. ويرى قاديروف أن “بقاء الأسد أمرٌ ملحٌّ لسورية، لأنه يحافظ على العلاقات الروسية السورية، ويحارب الإمبريالية الأميركية والغرب، ولذلك هو الحليف القوي لجمهورية الشيشان، وهناك سبب آخر هو محاربته للشيشانيين الانفصاليين، ومساعدته لقوات قاديروف في تقديم معلومات استخبارية لمواجهة الانفصاليين”.

ما موقف الشعب الشيشاني من التدخل في الحرب السورية؟

أغلب الشيشانيين الذين ذهب أقرباؤهم إلى الحرب في سورية، من الطرفيين الجهادي والموالي لروسيا، يقولون إن هذه الحرب هي ليست حربهم، ولا مصلحة لهم فيها، لكونها لن تحلّ المشكلات في الجمهورية أو في روسيا، والسبب الأول الذي لا يسمح للشيشانيين بالتحدث عن الحرب هو الخوف من الاعتقال والتعذيب.

دعم الإمارات العربية المتحدة الشيشانيين الموالين لقاديروف في سورية

إن دعم الشيخ محمد بن زايد للأكراد سيكون عن طريق الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، للقتال ضد تركيا، ولمواجهتها ولمواجهة الإسلاميين في سورية، حيث ترى الإمارات العربية المتحدة في الرئيس الشيشاني حليفًا قويًا قد تستفيد من جيشه في وقت الحروب الصعبة، ومن المعروف أن الشيشانيين يعدّون من أقوى المقاتلين في ساحات المعارك. فقد فتحت الشيشان واحدة من أكبر مدارس تدريب القوات الخاصة في العالم، وسيكون كل المدرّبين في المدرسة، إلى جانب دانييل مارتينوف (مدرّب القوات الخاصة المخضرم الذي كان يخدم مع الجيش الروسي) من القوات الشيشانية، بدلًا من القوات المسلحة الروسية. وتنوي كل من البحرين والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إرسال أفراد من “قوات النخبة” للتدرّب على “مكافحة الإرهاب”، في هذه المنشأة في الشيشان. وعلى الرغم من تسمية المدرسة رسميًا بجامعة سبيتسناز الروسية (القوات الخاصة)، فإنه لا علاقة لها بروسيا على الإطلاق، وهذا الأمر يعمّق العلاقات الشيشانية الإماراتية، ويساعد الشيشان في تخطي المشكلات المالية والعقوبات الأميركية، ويجعلها مركزًا مهمًا لتدريب المرتزقة.

وسوف تستفيد كثيرٌ من الدول في المستقبل القريب، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية ودول عربية أخرى، من القوات الشيشانية، وستزداد العلاقات الشيشانية العربية، مع بداية رسم خريطة شرق أوسط جديد في المنطقة، ومع التقارب الروسي، الإسرائيلي، العربي، وصناعة تحالفات جديدة، حيث ترى بعض الدول في قوات قاديروف جنودًا مؤهلين تستطيع أن تستخدمهم في الشرق الأوسط لحماية مصالحها.

About ديميتري بريجع

ديميتري بريجع باحث ومحلل سياسي روسي
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.