الخوري بولص بيداري

الخوري بولص بيداري

الخوري بولص بيداري
بقلم: آدم دانيال هومه.

أبصر بولص بيداري النور في 11/07/1887 في قرية (بيدار) الآشورية التابعة لقضاء زاخو في شمال العراق. وبيدار اسم آشوري (ܒܝܬ ܕܪܐ) أي (ميدان الحرب)، وتنسب هذه التسمية إلى قصة مار قرداغ الأربيلي الآشوري، أحد القواد الآشوريين في الجيش الفارسي الذي كان برتبة (مرزبان) أي قائد الحدود وحارب أعداءه في هذه المنطقة وانتصر عليهم، ومن هنا جاء اسمها. وفي مسقط رأسه تعلّم مبادئ لغته الأم الآشورية، وكذلك اللغة العربية. وقد أبدى منذ طفولته اهتماما وشغفاً كبيراً بالعلم والمعرفة، وكان متفوّقاً ومتميّزاً بين جميع أقرانه حيث ظهرت عليه إمارات النجابة والنباهة والألمعية في طفولته. فكان معلموه يتعجبون ويندهشون من استيعابه السريع، وفهمه وذاكرته وفطنته. فكان جسمه وعقله ينموان نمواً سريعا. لذلك وقع عليه اختيار خوري قريته، وأرسله الى معهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي في مدينة الموصل، ذلك المعهد الذي أسّسه الآباء الدومنيكان في القرن التاسع عشر. وهناك انكبّ على الدراسة ومطالعة الكتب في شتى المجالات والميادين، وارتشاف الآداب والعلوم من مناهل المعهد المذكور. وبدأت براعم مواهبه تتفتّق عن أزاهير البلاغة والإبداع. وقد أولع ذلك الفتى النابه بالشعر وبالتاريخ يطالعه بشغف ومتعة. يُطالع قصصه ويستجلي منها العِبَر. لقد قرأ الكثير عن أمجاد أجداده الآشوريين ومآثرهم وإنجازاتهم الحضارية، ومدى مساهماتهم برفد الحضارة الإنسانية. وكان يقارنها بتلك الأمة المتخلفة التي تحكم شعبه وهي لم تنتج ثقافة، ولم تبدع فنّاً، ولم تعطِ شيئاً للإنسانية كافة سوى السلب والنهب والقتل والذبح والاغتصاب وكل ما أمر به الشيطان على وجه هذه الأرض. فملأت نفسه هذه الحقيقة المرّة وشغلته عن كل شيء آخر. فغدا همّه الأول والأخير العمل على تحرير شعبه الآشوري من ربقة الوحوش البشرية، وتعزيز نهضته ووحدته، وبعث أمجاده الغابرة. لقد كان كل عرق من عروقه ينبض بحب أمته.
تمّت رسامته كاهناً عام على يد مثلث الرحمة مار طيماثيوس مقدسي الألقوشي مطران زاخو. ليخدم لفترة من الزمن في قريته بيدار حيث خدم رعيتها سبع سنوات بغيرة منقطعة النظير، فتولى إدارة مدرستها مدرسة (الكفاح) التي اشتهرت بمستواها التعليمي المتميز، وخصوصاً فترة إدارته لها. فاهتم، بشكل خاص، بتعليم التلاميذ اللغة الآشورية، والألحان البيعية، والطقوس الكنسية، وكان لاينفك يبث فيهم من روحه وفكره القومي المتّقد. ثم تمّ نقله إلى مدينة القامشلي في سوريا حيث أمضى فيها ردحاً من حياته. تسلّم، خلالها، إدارة مدرسة طائفته، وبشهادة جميع طلابه كان نبيل الخلق، كريم النفس، يحسّ بآلام شعبه، ويشاركه فيها بروحه وكل جوارحه. حيث استمرّ على الدوام يتحدث عن جراح أمته الآشورية واصفاً لها الدواء الكامن في الوحدة القومية بعيداً عن التفرقة المذهبية، وتغليف كل مذهب بصفة قومية، مبتعدين كليّاً عن المنبع الصافي الرقراق الذي منبعه الأصلي من جبال آشور، وما عدا ذلك فكل الينابيع الأخرى ملوّثة بقاذورات الجهل والغباء والأمية والتعصب الطائفي المقيت. حيث تخرّج على يديه عدد من القوميين الآشوريين الأفذاذ، وعلى سبيل المثال لا الحصر المرحوم (سعيد قرياقس) أحد مؤسسي المنظمة الآشورية الديمقراطية، والأستاذ (جورج بيت شليمون) المعروف باسم جورج سلمون أحد الروّاد الأوائل في المنظمة المذكورة… وغيرهم.


بعد )مذبحة سيميل) التي اقترفها الجيش العراقي بقيادة المجرم الكردي المقيت (بكر صدقي) بحق الآشوريين المسالمين، بلغت المأساة مداها في نفس الأب بولص بيداري، فهاج لديه الشعور القومي المتأجّج فانبثقت قصيدة فاجعة سيميل (ܓܘܢܚܐ ܕܣܝܡܝܠܐ) كبزوغ الشمس من وراء الغمام. لقد كانت قصيدة رائعة بكل المقاييس. فليس هناك مرثية أوقع ولا أوجع ولا أنبل إحساساً من هذه المرثية، فإنها نابعة من صميم الإحساس المرهف، وخيال عبقري، وفكر ساطع وهّاج. ولاتعتبر هذه المرثية قصيدة شعرية فحسب، وإنما هي مجموعة من زفرات الألم القومي. فكان، بهذ المرثاة، يؤدّي واجبه القومي عن طريق موهبته الشعرية، حيث قدّم لأمته فاجعة سيميل لتبقى كأثر فني خالد على امتداد العصور والأجيال حيث يعتبر ذلك أسمى من كل ما عداها حيث صاغها بلغة السهل الممتنع حيث تدخل كلماتها إلى القلب بلا استئذان. أما أخيلته وأفكاره كلها من النوع الموسيقي الرنّان الذي ينسلّ إلى الذاكرة كما يتسلسل الماء الرقراق في الجداول والأنهار.
لقد كانت روح الأب بيداري الكبيرة والشامخة مصدراً للعذاب المضني، والنضال العنيد. لأن الإنسان الكبير الروح والقلب يتعبه قلبه وروحه لأنهما يحملان هموم وشقاء الآخرين وآلامهم، وفواجعهم ومآسيهم. ونتيجة للمضايقات الأمنية المستمرّة بسبب آرائه ومواقفه الجريئة سبّبت له إشكاليات في سلوكياته بحيث أصبح عصبي المزاج، سريع الغضب، سريع الرضا. أتذكّر جيداً بأنني كنت أراه، في أغلب الأحيان، في الحديقة العامة في مدينة القامشلي جالساً على مقعد لساعات وحيداً شارد الذهن، غارقاً في أفكاره وتأملاته وتصوّراته. ولكن على الرغم من كل ذلك فلم يفارقه شيئان في حياته كما يذكر الاستاذ المرحوم آشور بيت شليمون، ألا وهما: مسبحة الصلاة، والمسدس الذي لازال لازال محفوظاً، إلى يومنا، هذا في خزانة رعية يسوع الملك الكلدانية في الحسكة.
يعتبر الأب بولص بيداري واحد من الأدباء الآشوريين الفطاحل في القرن العشرين حيث كان شاعراً مفلقاً ومبدعاً، وكاتباً وأديبا جهبذاً، ومناضلا قومياً من الدرجة الأولى الذي يستحق أرفع وسام بكل جدارة واستحقاق. كان ، بالحق، مناضلا آشوريا ذا إحساس ملتهب، وعاطفة متفجّرة، وخيال جامح. فالإحساس والعاطفة والخيال ثلاثة إشعاعات مشرقة منيرة، يرسلها القلب الطافح برحيق الآلهة، فتغلّف كل ما تصادفه ىبنور جذاب. وهذه الإشعاعات الباهرة كانت تفيض بسخاء من روح الأب بيداري الكاهن والشاعر والأديب والمحاضر البارع كما تفيض وتتدفق مياه الينابيع من أعالي الجبال.
فبالإضافة إلى لغته الأم الآشورية كان يتقن اللغات العربية والفرنسية والانكليزية واللاتينية والكردية. وترك لنا مكتبة زاخرة بمؤلفاته. ولكن، مع شديد الأسف، لقد ظلت معظمها مخطوطات لم تجد طريقها إلى النشر، ناهيك عن فقدان العديد منها خلال تنقلاته الكثيرة ما بين القامشلي والحسكة والخابور وبيروت، ومن ثم العودة إلى العراق. أما الكتب الذي نشرها المؤلف وهو على قيد الحياة هي :
دليل الطلاب، أو الموجز في نحو اللغة السريانية. ونشره في الموصل سنة 1923 – مطبعة الآثوريين للكنيسة الشرقية المقدسة .
المقال الجامع: ومطلعه (أيتها الأمة الحبيبة). ومقال ملحق به يصف فيه الملفان السرياني مار أفرام الكبير. وطبع الكتابان في الهند سنة 1957
قنبلة الأب بيداري. ونشره في بيروت سنة 1936، وهو مؤلف باللغة العربية يحوي مقارنة بين اللغة السريانية والعربية. وتعتبر من أهم أعماله وأكثرها جرأةً وجسارة على الإطلاق بحيث كانت فقلا بمثابة قنبلة في زمانها.
فضيلة فتاة، باللغة العربية. نشره في القامشلي بسوريا سنة 1956. وهي عبارة محاضرة قيمة عن المرأة وكيفية تحليها بالحشمة والفضيلة.
بين البتولية والزواج. نشره في القامشلي سنة 1966 باللغة العربية.
الكتاب الوحيد الذي نُشر بعد وفاته فهو (مقالات وقصائد مختارة). نشره الأب ألبير أبونا عن طريق مجمع اللغة السريانية في العراق سنة 1977.
مؤلفاته المخطوطة باللغة الآشورية هي :
1. درب الصليب (اولآرحِأ دٍؤلتثِأ), ويصف زيارة الأراضي المقدسة. وهي قصيدة على البحر الأفرامي.
2. كتاب الرئاسة الكلدانية (رًشِنولآةلآِأ دكٍلدِيُأ). ولكن هذا الكتاب فُقد ولم يعثر عليه بين مقتنياته وفيه إنتقادات لاذعة لحال الكلدان نتيجة تقاعس رؤسائهم.
3. مقال في المجازر التي حصلت لأبناء أمته الآشورية في جزيرة (بازبدي) سنة 1915. والجزء الأول هو على الوزن الأفرامي (السباعي)، أما الباقي فهو على الوزن النرساوي (الأثني عشري) .
4. كتاب في جغرافية الأرض (مٍخةلآثِنولآةلآ اِرعِأ). وهذا، أيضا، فُقد من بين موجوداته.
أما مؤلفاته العربية التي لم تنشر فهي:
5. مأساة الملوك. وهي مأساة تاريخية آشورية ذات ثلاثة فصول من القطع الكبير تقع في 56 صفحة.
6. قصة الربان هرمز .
7. قصة مار أفرام الكبير .
8. قصة مار بهنام الشهيد .
9. بحث عن مار افرام .
10. بحث في اللغة الآشورية. القلم الشرقي والقلم الغربي .
11. كتاب تفسير التسابيح الآشورية باللغة العربية .
كانت شخصية الأب بيداري متشعبة الأطراف، متعدّدة المسالك، متنوعة الرؤى، تجمع بين رجل الدين، والشاعر والأديب، واللغوي والخطيب. غير أنها تلتقي كلها في نقطة واحدة وهي ذلك المزاج الرقيق، والحس المرهف، والشعور القومي الدفّاق. وقد صقلته تجارب الأيام وعلمته صروف الزمان فتوشّح بالحكمة والرزانة والوقار.
كان مشاكساً عنيداً ومتمردا. أتذكر وأنا طالب في الصف الثامن حين زار جمال عبد الناصر مدينة القامشلي في 14 شباط 1960، وألقى خطابه الشهير من شرفة قصر الشيخ (ميزر الملول). وبعد أن أنهى خطابه صعد الأب بيداري، مباشرة وبدون أخذ موافقة أحد، ليفاجئ الجماهير الغفيرة بكلماته الصاعقة التي لم تزل منقوشة في الذاكرة وهي: (أيها العربان الحفاة العراة! لقد جئتم إلى بلادنا غزاة مغتصبين، فعودوا أدراجكم من حيث أتيتم إلى صحرائكم العربية). ولم يكمل خطابه حتى ألقت عليه الأجهزة الأمنية القبض وساقته إلى مركز المخابرات، وما أدراك ما مخابرات عبد الناصر، يومذاك، وعلى رأسها المجرم (حكمت ميني) في القامشلي، والطاغية عبد الحميد السراج في سوريا. ولم يمر طويل وقت بعد تلك الزيارة المشؤومة إلا أن عمدت المخابرات إلى إغلاق نادي الرافدين الرياضي الذي كان من أهم النوادي الرياضية في سوريا، وكان يرفد فريق الجيش السوري بأغلب لاعبيه.
حادثة أخرى يرويها الكاتب الآشوري المرحوم (آشور بيت شليمون) حيث يقول: (وهنا سأروي لكم قصة طريفة رواها لي الأخ (كليانا شموئيل يونان) من قرية تل الرمان التحتاني (مٍزرٍعةِأ) التابعة لعشيرة تخوما. حيث كان شعبنا الآشوري على ضفاف نهر الخابور قد ألف فريق كرة قدم من جميع القرى بانتقائه أفضل اللاعبين، ونزل إلى الحسكة ليلتقي إحدى فرقها الكروية. وكان الأب بيداري حاضراً المباراة. وما أن انتهت المباراة لصالح فريق الخابور الآشوري حتى قفز المرحوم بولص البيداري على الطاولة التي أمامه، وأخذ يخاطب الجماهير حيث صار يردّد مناقب ومآثر شعبه الآشوري. واستطرد في الكلام بحماس شديد بين تصفيق الجماهير المحتشدة. فما كان من الشرطة أن تدخّلت لإيقافة، ولكنه ظل مستمراً في الكلام غير آبه لهم. فما كان منهم إلا أن لجأوا إلى إلقاء القبض عليه وزجّه في سيارة حكومية وسوقه الى مركز الشرطة. وبينما كان أبناء شعبنا في حيرة من أمرهم عمّا عساهم يفعلون لإنقاذه حتى رأوه قادماً إليهم بمرافقة الشرطة التي ألقت القبض عليه).
عام 1960 استدعاه مثلث الرحمة البطريرك (بولس شيخو) إلى العراق، حيث بدأ الأب بيداري هنالك مساراً نضاليا وسياسياً جديداً في حياته عندما التحق بالثورة الكردية بزعامة الملا مصطفى البرزاني حيث أتيحت له الفرصة السانحة ليحقق مبتغاه القومي الذي ناضل من أجله طيلة حياته، وخاصة آمال أمته في الحياة بحرية وعزّة وكرامة طالما افتقدتها لعصور خلت. وذلك حين أصبح عضواً في المكتب التنفيذي لمجلس قيادة الثورة الكردية وممثل المسيحيين بقيادة المّلا مصطفى البرزاني الذي قال: (المسيحيون والمسلمون تعاهدوا على بذل دمائهم بمحض اختيارهم تأدية لواجبهم الواحد ولأجل إنتزاع حقوقهم السليبة). وبما أنه كان له دور بارز في الحركة التحررية الكُردستانية، وبناءً على مقولة البرزاني هذه أو بالأحرى وعده الذي قطعه على نفسه بأن يكون المسيحيون والمسلمون سواسية في الحقوق والواجبات شمّر الأب بيداري عن ساعد الجد وبدأ يعمل كل ما في وسعه، من مركزه في قيادة الثورة، حينما وجد الفرصة سانحة لتحقيق طموحات شعبه في إقامة وطن قومي في المثلث الذي كان، ولم يزل، قلب الوطن الآشوري. ولكن الرياح تجري بما لاتشتهي السفن كما قال الشاعر المتنبي. فعندما وجد الأب بيداري تماطلاً وتقاعساً وتهاونا من قبل مصطفى البرزاني عندما اشتد ساعده، ثم مالبث أن ضرب بكل وعوده عرض الحائط. آنذاك، لم يكن أمام الأب بيداري سوى لملمة جراحه والرحيل وهو يجرجر أذيال الخيبة واليأس، واعتزل كليّاً، وانزوى في دير مار كوركيس القريب من مدينة الموصل حيث وافته المنيّة عام 1974 بعد 87 سنة من مقارعة المصاعب والعوائق والعراقيل. فوري الثرى في كاتدرائية القديسة مسكنتا بالموصل. فمات بجسده المادي حيث تحوّل إلى عناصر الأرض. أما روحه فستظل حيّة إلى الأبد تطلّ على (نينوى) قُدس أقداس آماله وأمانيه. مات بجسده المادي ليحرّر روحه العظيمة من سجنها الترابي فتجتمع بأرواح من سبقوه من مناضلي وعظماء وشهداء شعبه الآشوري. وينطبق عليه قول المناضل والأديب الخالد بنيامين أرسانيس: ( من عمل لأجل أمته وإن نزل إلى القبر، ولكن اسمه خالداً إلى أبد الدهر).
جاء في كتاب (سياسة وأقليات في الشرق الأدنى) للمؤلفين آني و لورانت شابري: (أظهر الآشوريون الكاثوليك [الكلدان] على وجه العموم، أنهم أبعد عن الخيار الإنفصالي أو الاستقلال الذاتي من الآشوريين النساطرة. ليس فقط في العراق وإنما في ايران أيضا باستثناء المونسنيور (بول بيداري) نائب أسقف كلداني كاثوليكي الذي كان عضواً في مجلس قيادة الثورة الكردية. والذي حاول، عبثاً، الحصول على موافقة الملا مصطفى برزاني لإنشاء وطن قومي آشوري يجمع آشوريي العراق في منطقة في شمال العراق).

About آدم دانيال هومه

آدم دانيال هومه
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.