الخصيان في الخلافة الإسلامية .

صورة ارشيفية لعبيد مخصيين

ظهر استخدام الخصيان بشكل واضح في التاريخ الإسلامي أيام الخلافة الأموية (661-749 ميلادية) ، كان معاوية بن أبي سفيان (661-680 ميلادية) أوّل مَن استخدمهم لحراسة النساء داخل القصر. و من بعده ابنه يزيد وكان خصي العبيد يجري لعدة أسباب، منها توكيلهم بحراسة النساء أثناء خروج الجيوش للحرب، وخدمتهن مع ما يتطلبه ذلك من اختلاط بهنّ، ، كما كان الخصي أحياناً يُفرض كعقوبة على الزُناة وبعض المجرمين.

ويروي جلال الدين السيوطي في كتابه “تاريخ الخلفاء” أن مسامرة يزيد للخصيان كانت واحدة من أسباب خلع أهل المدينة المنورة له، بجانب كثرة ما ارتكبه من أعمال استنكروها عليه.

وبعد يزيد، تزايد الخصيان في قصور الخلفاء الأمويين، فكان للخليفة عمر بن عبد العزيز (717-719) خصيان عدة منهم أبو أمية الخصي، ومنصور الخصي، ومرثد الخصي، وكان لمروان بن محمد (738-749) آخر خلفاء بني أمية مولى اسمه سعد الخصي.

في العصر العباسي، أنفق خلفاء بني العباس أموالاً طائلة على الخصيان، وألبسوهم أجمل الثياب وأفخرها، وزيّنوهم بأجمل الحلي والجواهر، بل وسمحوا لهم بمشاركة الخلفاء في مجالسهم والسير برفقة مواكبهم، حسبما روي ابن الأثير، في كتابه “الكامل في التاريخ”، أن الخليفة هارون الرشيد (786- 808) كان إذا سار موكبه خرج معه 400 خصي يحملون القسي المملوءة بالبندق ويرمونه على مَن يعترض طريق الخليفة.

أعلى منصب وصل إليه خصي كان في عصر الدولة الإخشيدية، عندما انفرد كافور الإخشيدي بحكم مصر بين عامي 966 و968. يذكر ناجي أن كافور كان خصياً حبشياً، اشتراه محمد طغج الإخشيد مؤسس الدولة الإخشيدية في مصر وجعله معلماً لأولاده، وترقى حتى صار من كبار القادة في الجيش، وأتابكاً (أي وصياً على الأمير أو السلطان القاصر) لولديه أنوجور وعلي، ولما مات ابن طغج 946 سيطر كافور على مفاصل الدولة، وبعدها تقلد رسمياً الحكم.

في الدولة الفاطمية، واصل الخصيان تمتعهم بنفوذ داخل قصور الخلفاء وفي دوائر صنع القرار. وبحسب المعموري والشمري، كان الخليفة العزيز بالله الفاطمي (975-996) يملك غلاماً أبيض خصياً اسمه أبو الفتوح برجوان، وولاه أمر قصوره، وكان يثق به ثقة كبيرة إلى درجة أنه، حين اقترب أجله، أوصاه برعاية ابنه الحاكم بأمر الله وكان صغير السن وتولى الخلافة وعمره 11 سنة، فدبّر برجوان الأمور، وأصبح الواسطة بين عامة الشعب والحاكم الجديد.

لكن برجوان تمرّد على الحاكم بأمر الله، وسيطر على مقاليد الأمور، وتعامل مع الخليفة بسخرية وعدم احترام، ويبدو أنه كان يعامل الجميع بهذه الطريقة، ما أدى إلى قتله بسكين من قبل عدد من الخدم الذين تعاونوا عليه وأردوه قتيلاً في بستانه، حسبما روى تقي الدين المقريزي في “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار”.

في الدولة الأيوبية، برز اسم الخصي بهاء الدين قراقوش بن عبد الله الأسدي، والذي اعتمد عليه صلاح الدين الأيوبي عندما استقل بمصر سنة 1174، وأوكله بالإشراف على أمور القصر ونسائه، ثم ناب عنه لمدة فوض إليه خلالها أمور الدولة وتدبير أحوالها، وهو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة وبنى قلعة الجبل، بحسب النقلي.

لم يختلف الوضع في العصر المملوكي، إذ تمتع الخصيان بكلمة نافذة في دوائر صنع القرار. روت النقلي أن الخصيان في أيام الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون (1342 – 1345) استولوا على أحوال الدولة وعظم قدرهم بتحكم كبيرهم “عنبر السحرتي اللالا” في السلطان، فحازوا كثيراً من الأراضي وصاروا يركبون الخيول الجميلة ويلبسون الثياب الفاخرة، وكوّنوا حاشيات تشبهاً بالسلاطين.

في العهد العثماني، تزايد نفوذ الخصيان بشكل لم يسبق له مثيل في العصور الإسلامية السابقة، وشهدت الدولة تنافساً شديداً على النفوذ بين الخصيان البيض ونظرائهم السود.

يذكر الدكتور عماد الجواهري، في دراسته “الحريم السلطاني ودوره في الحياة العامة من تاريخ الدولة العثمانية”، أن السلاطين تحوّلوا عن استخدام الخصيان البيض الذين تتحدّر غالبيتهم العظمى من بلاد القوقاز، منذ عهد السلطان مراد الثالث (1574 – 1595) الذي استعاض عنهم بالخصيان السود.و هذا التحوّل ناجماً عن شعور السلاطين بوجود تعاطف بين خصيانه البيض وسرايا حريمه اللواتي كانت غالبيتهن من بلاد القوقاز.

وهكذا، صار للخصيان السود بمرور الزمن الكلمة العليا، ونال رئيسهم منصب “آغا باب السعادة”، ومُنحت له اختصاصات منها الإشراف على أوقاف الأراضي المقدسة في الحجاز.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.