الحياة ليست عادلة!

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

الحياة ليست عادلة!
لا أحد يفهم السياق الكوني، ولا القوانين التي تجري
بموجبها ديناميكية الحياة.
وإذا أخذنا بعين الإعتبار عجزنا عن فهم مايجري،
قد نجد أنفسنا أمام احتمال أن تكون الحياة عادلة
وفقا لاعتبارات كونية نجهلها!
دائما أتساءل:
أين العدل في أن أدوس على نملة دون قصد، فأسحقها؟
من يدري قد تكون في طريقها لحضور عرس ابنها،
أو لتعتني بوالدتها!!!
هل نحن أكبر من تلك النملة بالنسبة للكون؟ لا أعتقد!
إذن، لماذا ليس عدلا عندما يتعلق الأمر بكوارثنا،
في حين لا نقيم وزنا لما يجري من كوارث لمخلوقات أخرى؟
….
تريزا سيدة مكسيكية تشتغل حلاقة في أحد الصالونات.
تعرفت عليها منذ أن انتقلت الى هذه المدينة،
ومازالت حلاقتي الشخصية على مدى أكثر من عشر سنوات.
عندما ضرب وباء الكوفيد العالم، أبرمت معها اتفاقا
أن تأتي إلى بيتي السبت الأول من كل شهر،
بدلا من أن أذهب إلى الصالون.
توطدت علاقتنا خلال هذه الفترة، وصرت أعتمد عليها كلما احتجتها، وتعتمد علي في أن أمنحها كتفا لتبكي عليه😥
اكتشفت منذ عامين أن زوجها يخونها مع امرأة أخرى،
وعندما انفجرت في وجهه ترك البيت
بعد ثلاثين سنة زواج وأربعة أولاد، وهرب مع عشيقته!
القضية اليوم في أروقة المحاكم.
هو ممرض في أحد المستشفيات الكبيرة،
دخله الشهري ١٢ ألف دولار.
أما هي فكانت تشتغل كحلاقة ساعات قليلة في اليوم
تجني خلالها حوالي ألفين دولار، كدخل شهري يسد مصروفها الشخصي، بينما تتكفل بكل أعمال المنزل والعناية بالأولاد، ويتكفل هو بدفع كل الفواتير!
حاول أن يبيع البيت قبل أن يصدر قرار المحكمة بالطلاق،
لكن القاضي منعه، ووضعت المحكمة يدها على البيت.
….


تريزا لاتتقن الانكليزية كعادة أغلب المكسيكان في كاليفورنيا،
فجاليتهم كبيرة، ولا يشعرون بالحاجة لتعلمها.
لكن، وعلى المدى الطويل تعلمت كيف اتواصل مع تريزا
من خلال العشرين كلمة التي تعرفها بالانكليزية 🤣
المشكلة أنه وبناءا على حقيقة أكدتها الدراسات من أن الانسان ومهما أتقن لغته الثانية، عندما ينفعل يستخدم لغته الأم، بات من الصعب علي أن أتفاهم مع تريزا المنفعلة على مدار الساعة، والتي نست – تحت ضغوط انفعالاتها – معظم الكلمات الإنكليزية التي كانت تعرفها، وراحت ترش بين كل كلمتين بالانكليزية عشر كلمات بالسبنيولية🤣
بكت أكثر من مرة وهي تشتغل على شعري هذا الصباح،
وتخبرني بلغة ركيكة جدا الوقائع التي حدثت
في قاعة المحكمة البارحة.
في الجلسة الأولى التي وقعت قبل عام، حكم القاضي على الزوج أن يدفع لها شهريا ألفين دولار، وأن يستمر في دفع أقساط البيت وقسط سيارتها.
في جلسة البارحة احتج الزوج أنها كانت تشتغل،
ومنذ أن تركها توقفت عن العمل كي تستنزفه!
عندما سألها القاضي: لماذا تركت العمل؟
تشهق تريزا ثم تقول لي:
I tell judge my brain sick because he said you ugly🤣😥
فهمت من تريزا أنها قالت للقاضي: لقد سبب لي آلامًا نفسية وضغوطا عقلية، فكلما رآني يقول لي: أنت امرأة قميئة المنظر!
تتابع تريزا:
Judge said; shame after 4 kids you see ugly
وهي تقصد:
قال له القاضي: عيب عليك، بعد أن أنجبت منها أربعة أولاد تراها قبيحة؟!!!
بالمناسبة، عينت المحكمة لتريزا محاميا للدفاع عنها، ومترجما لكي يترجم ماتقوله للقاضي
(تلك هي أمريكا التي أحبها).
ورفعت الجلسة لتاريخ ٩ أيار كي يصدر الحكم النهائي!
فهمت من تريزا أن البيت المسجل باسم الزوج سيباع،
وتقدر قيمته حسب سوق اليوم أكثر من ٨٠٠ ألف دولار.
سيتم دفع قرض البنك الذي يقدر ب ٢٥٠ الف ودفع قروض سيارتها وسيارته، ومن ثم يتقاسمان مناصفة ماتبقى!
ستنفصل تريزا عن زوجها وفي جيبها اكثر من ٢٥٠ ألف دولار،
وفي يدها مهنة تستطيع أن تعيش منها،
وأمامها مليون فرصة لتتعرف على رجل
وتبدأ حياتها من جديد.
الحياة بالنسبة لها لم تكن عادلة، لأنها خسرت
زوجا أحبته على مدى ثلاثين عاما😥
لكن عندما تعيش المرأة في بلد يحترمها ويكرمها،
بلد تحكمه قوانين مدنية أفرزتها عقول مبدعة على مدى قرون، تستطيع تلك المرأة أن تحافظ على حقوقها كإنسانة
مهما كان شعورها بالظلم كبيرا!
غادرت تريزا بيتي وهي تمسح دموعها، وتتمم:
Virgin Mary is good. I pray her every day. My kids good too
(السيدة العذراء هي شفيعتي.
اصلي لها كل يوم. اولادي ايضا سندي وهم طيبون معي)
فبالإضافة إلى ٢٥٠ ألف دولار، تتلقى تريزا دعما نفسيا
من نوع آخر، يأتي من ايمانها ككاثوليكية بالسيدة العذارء،
ومن أربعة شباب ربتهم (كل شبر بندر)،
هم اليوم بالغون، ولكل منهم حياته،
ذلك النوع من الدعم الذي قد يحتاجه
كل من يمر بظروف تريزا…..
……………….
ذرفت دمعة بعد أن غادرت…
للأمانة، لم أذرفها على تريزا، فلها دولة وقوانين تحميها.
بل ذرفتها على كل امرأة في هذا الشرق المعذب، تمر بظروف تريزا، لكنها تخرج من المولد بلا حمص،
وبوصمة عار: أنها مطلقة😥
قد تتنازل عن كل شيء مقابل أن تهرب من (قوام) على حياتها،
لا يجيد من القوامة شيئا إلا أن ينكح ماطاب له،
وأن يستعبد ماملكت يمينه😡
قوام أفرزته تعاليم لا تتسم بالإنسانية،
ولا تعرف إلى الإنصاف سبيلا😥😥

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.