الحنين إلى الأشياء .

منذ طفولتي وعاطفة الحنين الى الأشياء تتلبسني كلما فقدتُ التواصل مع أي واحدة من الأمور الحياتية التي عشتُ معها ردحاً من الزمن .
اولى بدايات ذلك الحنين ظهرت حين كنتُ صبياً يوم إنتقلنا من منزلنا القديم في منطقة (سبع قصور) \ كرادة داخل إلى مدينة المأمون حيث كان بيتنا الجديد، وكُنا قد عشنا في ذلك البيت القديم لمدة 4 سنوات.
أتذكر أنني بقيتُ أبكي لإكثر من ساعة حين خرجتُ مع أهلي للمرة الأخيرة من باب تلك الدار وكأنني كنتُ أودع أمي !. بينما كان كل افراد عائلتي متعجبين ومندهشين من بكائي ولوعتي وحنيني !.
كذلك أذكرُ أني وقبل آخر يومٍ لهجرتي من العراق وقفتُ طويلاً في منتصف جسر التحرير مودعاً صديقي الكبير نهر دجلة الخالد والذي كان صديق طفولتي وصبايَ وشبابي. يومها بكيتُ كما لم أبكِ من قبل، ثم إنحدرتُ ألى جرفه الهاديء ورحتُ اعبُ صدري من رائحته المميزة، وغسلتُ وجهي ودموعي بمياهه الطيبة … ربما للمرة الأخيرة .
وهنا في امريكا \ ولاية مشيكان كان لي ولزوجتي في بداية حياتنا هنا بيت جميل هاديء ورائع في منطقة ساوثفيلد، وكان أول بيتٍ إمتلكته في حياتي، وكل بناتي الأربعة كُنَ قد ولدن في ذلك البيت الطيب الأركان، لكننا إشترينا بيت غيره أحدث منه وأكبر حجماً ليسعنا جميعاً وبكل راحة، وأتذكر أنني وفي أخر ليلة لنا في ذلك البيت رحتُ وبدون علم أحد أقبل جدرانه وأبوابه وحتى أشجار حديقتهِ وأبكي حنيناً ووفاءً وشكراً لما منحنا إياه ذلك البيت الجميل لمدة 10 سنوات من المحبة والسلام والأمان.
ولحد اليوم ورغم مرور أكثر من ثلاثين سنة وأنا أسوق سيارتي أحياناً وأمر عبر تلك المحلة حيث داري القديمة وأقف قدام ذلك البيت وأبكي حنيناً له وعرفاناً بفضله علي وعلى عائلتي .
وأحياناً أصطحب بعض بناتي معي لإنهم تعلموا وورثوا مني عادة الحنين والوفاء لبعض الأمور الحياتية حولهم وحتى الجماد منها. وحتماً ذلك البيت القديم المُبارك يُثيرعواطفهم وشجونهم وحنينهم وذكرياتهم لطفولتهم الغضة الجميلة في أركانه .
كذلك الأمر مع كل السيارات التي إقتنيتها في حياتي هنا، فأنا عادةً اقوم بتبديل سيارتي كل 3 سنوات لإقتني سيارة جديدة، وكلما حان موعد تبديل السيارة القديمة اقوم بالجلوس في داخلها في آخر ليلة في كراج البيت، وأشكرها .. وأمسك بالمقود وأقبله وكأنه كائن حي وأهمس له ولها من اعماق قلبي: شكراً لكل الخدمات التي قدمتيها لي سيارتي العزيزة .


كذلك فعلتُ مع مخزني التجاري لبيع انواع الخمورالذي ملكته لمدة 32 سنة حيثُ كان المصدر الرئيسي والأول في بناء عمودي الفقري مادياً في اميركا، وحين بعته مع عمارته سنة 2000 بكيتُ آخر ليلة وأنا أسلم مفاتيحه للمالك الجديد، بكيتُ طويلاً جداً وبحرقة .. إمتناناً مني لذلك المحل الذي وهبني كل ما كنتُ احلم به من عز ورفاهية وإكتفاء مادي ذاتي لن انساه ما حييتُ .
ربما يسخر البعض منكم من عواطفي وحنيني ووفائي حتى للجماد من الأمور التي حولي !، ولكن ليتكم تعلمون ماذا كانت عواطفي ومشاعري وحرقتي ولوعتي حين فارقتُ كلبينا الصغيرين ( پڤن وجنجر ) بعد أن رحلوا عنا في السنتين الماضيتين .
أما أحزاني لفقد أخوتي نبيل وفيصل في حروب البعث والعبث بين صدام والخميني فقد كتبتُ عنها الكثير ولا زالت جراحي ساخنة ودموعي حارة وتتجدد كل بضعة أسابيع حين تهاجمني جحافل الشوق والحنين والوفاء لذكراهم وذكرى أمي وأبي وبعض من فقدتُ في حياتي من أصدقاء وأقارب طيبين يأسف حتى الموت لفقدهم .
برأيي وحسب فلسفتي الخاصة أن من لا يفتقد الجماد والحيوان في حياته فهو أو هي حتماً لن يفتقدوا الإنسان أيضاً حين يفقدوه، وتبقى القضية قضية مشاعر وأحاسيس تولد معنا وتكون بين ضلوعنا أو لا تكون .
المجد للوفاء … فهو شكلٌ من أشكال الإنتماء لإمنا الأرض .
طلعت ميشو … Jun – 6 – 2021

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.