#الحماية_أولا الحماية اولا

دارين حليمة Dareen Halimah

#الحماية_أولا
أجلس على شرفة منزلي في لبنان الأشرفية. أتامل المارة. وأفكر بزوجي الذي بدأ يتغير علي في هولندا، فقد تناقصت اتصالاته ومحادثاته على السكايب. لم يعد يكلمني كما في السابق. الحجج التي قدمها كثيرة لكنها لم تقنع قلب امرأة عاشقة وتعرف جيدا في قلبها متى يكذب من تحب.
فجأة أسمع صوت صاحب الدكانة أسفل بيتي، يصرخ على شاب. ويهينه. نظرت للشاب عرفت على الفور أنه سوري. فذلك الوجه المرهق المتعب. واليدين الملوثتان بالأصبغة. والثياب المتسخة بعمل البناء هي لعامل سوري بالتأكيد. هرعت لغرفتي تناولت كاميرتي. لكن قبل ذلك قلت لنفسي الحماية أولَأَ فعلي المحافظة على جسدي من نظرات الرجال كعهد امرأة شرقية لقنت درس السترة والرجل الواحد منذ الصغر ثم غلف هذا التلقين برومنتيكية الحب وحصريته نعم أنا لرجل واحد.
ارتديت بنطال طويل فضفاض، سترة مغلقة فضفاضة، فوقها معطف طويل فضفاض، و شال يغطي الصدر تماما. وسحبت شعري للخلف مغطية أي علامات لأي أنوثة قد يلحظها أحد غير حبيبي فالحماية أولا.
نزلت للشارع ما أن ألقيت التحية عليه بكل أدب وعيناه تتعلق في الأرض. رد التحية. أخبرته أني مخرجة وأني أريد عمل فيلم وثائق عن العمال.تردد في البداية لكن باصراري وافق. ومشيت معه لفرفة العمال التي هي حجر باطون مركب فوق بعضه بعشوائية حزينة وكئيبة، وضع فيه بعض الأثاث القديم الغير متناسق ولمبة مسحوبة من مولد العمارة.
دخلت وكاميرتي تسبقني وجلست أحدثهم بصوت خالي من الأنوثة وعيناي تتفتل بينهم حذرا. قدموا لي الشاي انتظرت حتى شربوا فقد خفت أن يضع أحد لي شيئاً ما في الشاي كالقصص التي كانت تخيفني بها أمي في مراهقتي. عن فتيات تم اغتصابهن بعد أن شربن فنجان قهوة مخدر، ولم أكن أدري أن التخدير الحقيقي كان ذلك الترهيب الجنسي المتواصل من الرجال الوحوش. شربوا فشربت فالحماية أولا. سجلت لهم الفيدوهات وشربت الأركيلة. وتمزق قلبي لقصصهم.
رجعت للبيت أنتظر زوجي ليخرج على السكايب بحسب موعدنا لكنه لم يأتي.. اتصلت عليه لم يجب. بدأت معدتي تتقلص مسببة ألم كبير. تلوعت في فراشي يمينا ويسارا وترادوت في ذهني كل قصص الفجور والجنس الذي يقيمه مع احداهن ياترى كيف شكلها؟ لما اختارها؟ هل هي أجمل مني، هل يقول لها كم أحب خصرك كما يقول لي؟وبعد تلوع وحرقة أرهق جسدي تماما واستسلم لتخدير سابق أيضا لقنه اياي المجتمع، ” اختارك انت” وفي الصباح نسيت كيف غفوت.
كررت العملية لبست نفس الثياب الفضفاضة الطويلة المغطاة تماما، حملت الكاميرا ونزلت. ما ان وصلت لغرفة العمال، حتى رأيت فطور سوري بامتياز صنعوه خصيصا لي. يا الهي انا لم أتناول ذلك منذ سنة تقريبا. الابتسامات الممزوجة بالتعب والحزن توزعت على وجوههم والقوها في وجهي سببت لي حزن فوق حزني لكن وبشكل سحري خففته أيضا وانسته في قلبي
. سألني أحدهم أين تسكنين. تذكرت على الفور الحماية أولا.
صمت ولم أجب فلم يسأل مرة أخرى. تقاسمت معهم خبز وشاي وزيتون وفول وقصص الحرب والقتل والدمار وقصص استغلالهم من قبل أصحاب العمل اللبنانيين. حل المساء كانت كاميرتي قد امتلأت ولم يعد هناك مكان لمزيد من التسجيل. انسحبت بهدوء عسى أن أكلم زوجي اليوم مساء على السكايب. عاد العامل وقال سأوصلك لباب البيت المساء ظالم مخيف، قفزت فكرة تلقينية أخرى عن قصص سمعتها من جارتنا عن امرأة اغتصبت لأنها سمحت لأحد أن يوصلها المنزل مدعيا حمايتها، . قلت لا داعي أنا بالف رجل. نظر الي وقال كما تريدين. وهمهمت في نفسي أحسنت فالحماية أولا.

انتظرت على السكايب اتصلت لا شي ولا خبر.. سمعت أصوات في الخارج هرعت للشرفة . رجل لبناني يصرخ بوجه سوري لأنه لم يفسح له الطريق. رن هاتفي. انه حبيبي ألو. ألو حبيبتي أنا حبيت سلم عليكي لانو لازم روح عندي شغل ولازم أحضر لمؤتمر مهم.منشان ما تقلقي ادرسي جيدا لامتحان اللغة بالسفارة بعد غد. .. سمعت وسمعت لم أقتنع لكني لست من النوع الذي يصر كثيرا. أغلقت السماعة وصارعت أرق الشك والتخوين والغدر وسمحتها بفكرة تلقينية ” لا تبالغي فالنساء تبالغ باحساسها وغيرتها”
استيقظت في الظهر.يا الهي لقد وعدت العمال أن أطبخ لهم اليوم. كالعادة ارتديت معطف وشال وتذكرت الحماية أولا.
جلست معهم وأحسست بكم يحتاجون للأنثى فوجودها فقط في غرفتهم هو مكان خاص ودافيء وسماع صوتها وأن تهز برأسها أو تبتسم كاف ليمتليء المكان برائحة البلد. شعرت بذلك وبنفس الوقت كان عزاءا لي في وحدتي وألمي.
طبخنا وتكلمنا وبكينا. وفي كل مرة تكون الأركيلة والشاي جاهزة.
مر يوم كامل ولم أتذكر الزوج فقد أحسست أني بين عائلتي بالرغم من ذلك كانت تصرفات الحماية تقفز كل يوم في رأسي قبل أن أستودعهم مساءا.
خرجت من السفارة أقفز فرحا فلقد نجحت في الامتحان الصعب الذي حضرت له قبل شهر . يداي ترتجفان أتصل به.. يرن وقلبي يرتجف..يجيب بصوت بارد ألو.. أقول ألو حبيببي نجحت نجحت .. صمت وسكوت.. أنظر للهاتف لأتأكد هل أنا أتصلت بالرقم الخطأ؟ أعود وأضعه على أذني ألو.. يجيب اي معك.. أقول أنا نجحت ماعم صدق ايمتا آخد الفيزا لبلش حياتي معك من أول وجديد يا روحي.. صمت آخر وسكوت..أحس فجأة أن دمي خرج من جسدي دفعة واحدة. ..يجيب بكل هدوء ممتاز. أغلق السماعة اهرع للتاكسي أحبس دموعي بالغصب فلا يجوز أن أبكي انا سورية وفتاة وحدها وسوف يحاول ربما سائق التاكسي استغلال الموقف فالحماية أولا. ما أن أصل بيتي حتى أنهار باكية..أبكي لساعات ثم أغط في نوم عميق.غبت عن العمال يومين
أصحى في المساء على رسائل على هاتفي النقال أتفقدها..
مرحبا أختي كيفيك نحنا تخانقنا مع صاحب العمارة وطردنا بدنا اياكي تجي تصورينا قبل ما نروح لانو بدو ايانا نطلع هلق. الحرامي رفض يدفعلنا أجرة نص اليوم يلي اشتغلناه..” رسالة أخرى.” ألو اختي دارين وينك نحنا لازم نروح ما عاد فينا نستنى انشا الله تكوني بخير” رسالة أخرى” اختي بدنا انقلك انو انت اختنا باذن الله وشو مابدك نحنا جاهزين نشوف وجهك بخير.. وعافكرة كل محاولاتك لتبشعي حالك مو ظابطة معك لانو مبينة حلوة.. الله يحميكي ورجاءا انقلي قصتنا للعالم خلي الناس تعرف شو عم يعملوا فينا.. مع ألف سلامة وانشا الله منلتقي ببلدنا”
اتصلت بالرقم مقفل .. هرعت أسفل العمارة الغرفة فارغة تماما حتى من الأثاث .. شعرت ببرودة ووحدة كبيرة.. مرت الايام جاءت الفيزا.. ذهبت لهولندا وتفاجأت بقصص وخيانات ثم انفصال ثم ارتبط بصديقتي فقط بعد 27 يوم… ثم بلغ عني وسحبت الحكومة اقامتي.طبعا خلال سنتين ونصف من هذا الزواج الفاشل نفذت كل وصايا المجتمع الذكوري عن الزواج. من ” بلف بلف وبدور وبيرجعلك ” الى معلش طيش شباب تحمليه. الى البسيله اغريه. الى اتركيه يعيش حريته ربما مراهقة لا أكثر. الى اهتمي به. الى دعيه يسافر وحده. الى اسكني لوحدك ليشعر باشتياقه لك ويعيدك. تركت بيته 5 مرات ورجعت 5 مرات. وكل مرة كل وسيلة كانت ترجعه وتبقيه لشهر ثم يعود ويبدأ بالخيانات. حتى جاء اليوم الموعود وانتهينا. وبين بكوة وبكوة ونكسة وحسرة وانهيار تمكنت من اخراج فيلمي ومنتجته.وربحت جائزتين. وتواصلت مع بعض العمال. ومنذ ذلك الوقت لم أعد أقول الحماية أولا. فهذه التجربة جعلتني أعيد حساباتي في الحماية.. فأحيانا الحماية يجب أن تكون من أقرب الناس اليك.

مذكرات 2012
#دارين_حسن_حليمة

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.