الحروب الصليبية .. الأسباب والأهداف


بقلم : عضيد جواد الخميسي

المقدمة
كانت الحروب الصليبية عبارة عن سلسلة من الحملات العسكرية نظمتها جهات وأطراف مسيحية من أجل إستعادة أورشليم والأراضي المقدسة من سيطرة المسلمين .
في الحقيقة كانت هناك ثماني حروب صليبية موثقة ما بين عام 1095 م و 1270 م ، بالإضافة إلى العديد من الحملات غير النظامية الاخرى . وقد أفرزت كل حملة نجاحات وإخفاقات متباينة ، ولكن في النهاية ، كان الفشل مصير جميع الحملات التي سعت في تحقيق الهدف الرئيسي المتمثل في إبقاء أورشليم والأراضي المقدسة في أيدي المسيحيين . ومع ذلك ، استمر هذا الحماس الصليبي حتى القرن السادس عشر الميلادي .
إن الغرض من كتابة هذا البحث ، هو بيان الدوافع الرئيسية التي حفزّت الصليبيين للقيام بتلك الحملات ، ابتداءً من البابا وانتهاءً بالمحارب البسيط ، وخاصة في الحملة الأولى التي أرست نموذجاً لقاعدة توجّب اتبّاعها بعد ذلك .

أسباب الحملات وأهدافها
ما هي الأسباب التي أدّت إلى حصول الحروب الصليبية ؟ أنه سؤال معقد بإجابات متعددة . حول هذا السؤال ، كتب المؤرخ جي . رايلي – سميث ، التعليق التالي :
“لا يمكن الحكم في كثير من الأحيان ، فإن الحملات الصليبية ، كانت شاقة ومضنية و مخيفة و خطيرة ومكلفة بالنسبة للمشاركين فيها ، وأن الحماس المستمّر لها على مرّ القرون ، ليس من السهل تفسيره . ” (ص 10) .
تم تجنيد ما يقرب 90,000 رجل وامرأة وفتى على اختلاف طبقاتهم ، من قبل القيادتين السياسية والدينية للمشاركة في الحملة الصليبية الأولى (1095 – 1202 م) ، وطالما كانت دوافع المتطوعين المختلفة قد لا تتفق تماماً مع دوافع القادة السياسيين ورجال الدين في ذلك الوقت ، فعليه ، يجب التحقق من نوايا الجميع للوصول إلى تفسير مرض . على الرغم من أننا لا نستطيع بالضبط معرفة أفكار أو دوافع الأشخاص الحقيقية ، إلا أن الأسباب العامة ربما كانت وراء الترويج لمثل تلك الحملات والتصرف بناءً عليها ، إذ يمكننا تلخيص هذه الأسباب والأهداف ، وفق دور القيادات العليا وباقي الفئات الاجتماعية الأخرى في قيامها :


أولاً ـ الإمبراطورية البيزنطية : كان الهدف هو لإستعادة الأراضي المحتلّة ، وهزيمة دولة منافسة كانت تهدّدها .
ثانياً ـ البابا : تعزيز البابوية في إيطاليا ، وتحقيق طموحه كزعيم للمسيحيين في جميع أنحاء العالم المسيحي .
ثالثاً ـ التجار : احتكار المراكز التجارية الهامة التي كانت تخضع لسيطرة المسلمين ، وتوغل المال الصليبي في عموم الشرق .
رابعاً ـ الفرسان الأوربيون : الدفاع عن المسيحية ( المسيحيون المؤمنون والأماكن المسيحية المقدسة) ، والحفاظ على مبادئ الفروسية ، وكسب الثروات ، ونيل الآخرة .
خامساً ـ المتطوعون من عامة الشعب : الوازع الديني والحفاظ على التراث الديني المسيحي .

أولا ـ الإمبراطورية البيزنطية
كانت الإمبراطورية البيزنطية تسيطر على أورشليم وغيرها من المواقع المقدّسة لدى المسيحيين منذ فترة طويلة ، ولكن في العقود الأخيرة من القرن الحادي عشر الميلادي ، خسرت معظمها في معارك طويلة مع السّلاجقة الأتراك ، حيث سبق وأن شنّ السّلاجقة غزوات عدة على الأراضي البيزنطية ، وفي إحداها ألحقت الهزيمة القاسية في الجيش البيزنطي خلال معركة (مانزيكرت ) في أرمينيا القديمة وذلك في شهر أغسطس/ آب من عام 1071 م . حتى أنهم قد أسروا الإمبراطور البيزنطي (رومانوس الرابع ديوجينس 1068-1071 م ) في تلك المعركة ، وعلى الرغم من إطلاق سراحه مقابل فدية ضخمة ، فقد كان عليه أيضاً ، أن يتنازل عن المدن المهمة في (إديسا ) ، و (هيروبوليس ) ، و (أنطاكية ) . كانت تلك الهزيمة القاسية قد أثارت ردود فعل قوية لدى البيزنطيين ، ونتج عن ذلك ، زيادة حدة التنافس والصراع على العرش الشاغر بين القادة العسكريين في الإمبراطورية ، حتى أن الوضع بات غير مستقرّاً طيلة هذه الفترة لحين عودة الإمبراطور الأسير رومانوس الرابع إلى القسطنطينية من أسره .
في تلك الأثناء ، استفاد السّلاجقة استفادة كاملة من ذلك الإهمال العسكري ، فقاموا بانشاء سلطنة (سّلاجقة الروم) وعاصمتها نيقية ( أزنيق ) في بيثينيا شمال غرب آسيا الصغرى عام 1078 م ، والتي تم الاستيلاء عليها فيما بعد من قبل البيزنطيين في عام 1081 م . على الرغم من سيطرة السّلاجقة على الموقف واحتلالهم مدينة أورشليم المقدّسة بحلول عام 1087 م ، إلا أن طموحهم كان أكبر من ذلك بكثير .
جاء وذهب العديد من الأباطرة البيزنطيين ، ولكن لم يتم تحقيق الاستقرار إلاّ في عهد الإمبراطور (ألكسيوس الأول كومنينوس ـ 1081-1118 م) ، وهو بشخصه قد اشترك في معركة (مانزيكرت ) عندما كان قائداً عسكرياً كبيراً . لم يكن بوسع ألكسيوس أن يوقف زحف السّلاجقة والانتصار عليهم آنذاك ، رغم ذلك ، فإن اللوم يقع عليه ، بسبب خسائره العسكرية الفادحة في الأقاليم وضعف خططه العسكرية في آسيا الصغرى . ولكن الإمبراطور ألكسيوس كان يشكّ في ولاء المرتزقة النورمانديون له ، نظراً لسيطرة النورمان ( سكان مناطق شمال أوروبا ) على صقلّية ، والهجمات المباغتة التي تحصل في اليونان البيزنطية..
تُعدّ سيطرة السّلاجقة على أورشليم ، وسيلة لإغراء القادة الأوروبيين في العمل الجاد لإسترجاعها ، فقد ناشد أليكسيوس الغرب في ربيع عام 1095 م المساعدة في طرد السّلاجقة ليس فقط من الأرض المقدسة ، ولكن أيضا من جميع الأجزاء المحتلة التابعة الى الإمبراطورية البيزنطية ، وتحت شعار: (عسى أن يكون سيف المسيحية سلاحاً مفيداً في الحفاظ على عرش بيزنطة ) .

ثانياً ـ البابا
تلقّى البابا (أوربان الثاني ـ 1088-1099 م) نداءً من الإمبراطور أليكسيوس في عام 1095 م ، ولكنها لم تكن المرة الأولى التي يطلب فيها الإمبراطور البيزنطي المساعدة البابوية ، ففي عام 1091 م أرسل البابا قوات عسكرية لمساعدة البيزنطيين ضد البجناق ( قبائل بدوية تركية تعيش في مناطق السهوب ) ، الذين كانوا قد غزوا منطقة الدانوب الشمالية للإمبراطورية .
تُعدّ هذه الحملة في تقدير البابا والتي من شأنها ، رفع مقدار وهيبة البابوية بدرجة كبيرة في أوروبا والعالم ، وبإسم الكنيسة التي تزعمت جيشاً غربيّاً خليطاً قوامه من جميع انحاء اوروبا للقيام بتلك الحملات ، كما عززت مكانتها في إيطاليا نفسها ، بعد أن واجهت تهديدات خطيرة من الأباطرة الرومان في القرن الذي سبق الحملة ، ممّا أجبرت البابا في الانتقال بعيداً عن روما .
كان البابا أوربان الثاني يهدف الى إعادة توحيد الكنائس الغربيّة (الكاثوليكية) والشرقية (الأرثوذكسية) ، مع تنصيب نفسه على رأس هرم الكنيسة الموحدة ، ليتجاوز بذلك بطريرك القسطنطينية . علما بأن الكنيستين قد انقسمتا منذ عام 1054 م بسبب الخلافات حول العقيدة والممارسات الليتورجية ، ولا سيما في رفع منزلة يسوع المسيح من درجة البابوية إلى الدرجة الربوية في فكرة الثالوث الأقدس .
تمتلك الحروب الصليبية صدىً دينياً واسعاً لدى المسيحيين ، بسبب فكرة تهديد المسلمين للأراضي المسيحية والمسيحيين الذين يعيشون في أورشليم والأراضي المقدسة ، والأهم من هذا كله ، هو فقدان السيطرة المسيحية على الأراضي المقدسة ، وعدم تمكنها من الاحتفاظ لمواقع كانت لها قدسيّة متميزة وذات أهمية تاريخية بالنسبة للمسيحيين ، وخاصة قبر يسوع المسيح ، والقبر المقدس في أورشليم . علاوة على ذلك ، فعندما كانت إسبانيا محتلّة من قبل المسلمين ، اعتبر هذا الاحتلال بمثابة إنذار لمدى الأخطار التي تواجه العالم المسيحي والسعي الحثيث في التصدي للمد الإسلامي ومنع تغلغله في أوروبا . في حلول عام 1085 م ، عادت نصف أسبانيا إلى أيدي المسيحيين ، وتمكن النورمانديون من إعادة صقلّية إلى الحظيرة المسيحية ، ورغم ذلك ، ظل التهديد الإسلامي الموجه الى أوروبا قوياً ومستمراً .
في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 1095م ، دعا البابا أوربان الثاني إلى حملة صليبية في خطاب ألقاه أمام مجلس كليرمون في فرنسا. كانت الرسالة المعروفة باسم (التساهل) ، حماسية و إغرائية وموجهّة خصيصا الى الفرسان :
“أولئك الذين دافعوا عن المسيحية والمسيحيين ، عندما قاموا برحلة الحج ، فإن جميع آثامهم قد غُسلت ، ونالت أرواحهم المكرمات والهبات التي ليس لها حدود في الحياة الآخرة ” .
تغلغلت المسيحية في كل جانب من جوانب الحياة اليومية في أوروبا خلال القرون الوسطى ، إذ كانت فكرة الحج فيها شائعة ، وأديرتها بالمؤمنين مكتظّة ، وكاتدرائياتها المُنشأة حديثاً مزدهرة . وطالما كانت فكرة الخطيئة سائدة عند الناس ، لذا فإن وعد البابا أوربان الثاني الى المؤمنين في المغفرة من عواقب آثامهم ، كان ذلك مطلباً وامنية لدى الكثيرين منهم . بكل تأكيد ، فقد كانت الكنيسة تتغاضى عن بعض المظاهر في الخروج عن قواعد الحروب أو السلوكيات الخاطئة الأخرى التي تحصل ، وتعدّها واحدة من أساليب التحرر، و تبررها كأهداف عادلة ومشروعة .
قام البابا أوربان الثاني في جولة من المواعظ في فرنسا خلال يونيو/ حزيران 1095 م لتجنيد الصليبيين ، حيث كانت رسالته مفعمة بالحكايات والأحداث المبالغ بها ، وهذا مقطع منها :
” في تلك اللحظة بالذات ، فإن المقدّسات المسيحية تُدنّس! ، ويتعّرض المؤمنون المسيحيون للاضطهاد والتعذيب مع إفلات الجناة من العقاب ! “.
عَمِد البابا على إرسال المندوبين والرسائل إلى جميع أنحاء العالم المسيحي . كانت الكنائس الرئيسية مثل تلك الموجودة في ليموج ، و أنجيه ، و تورز، بمثابة مراكز للتطوع ، واتبع هذا النهج العديد من الكنائس الريفية وخاصة الأديرة والأماكن البعيدة ، ومن خلاله تجمّع المحاربون من جميع أنحاء أوروبا عام 1096م ، استعداداً لتحرير أورشليم والأراضي المقدّسة .

ثالثاً ـ التجّار
على الرغم من أن التجّار لم يشاركوا بكثافة عالية في الحملة الصليبية الأولى ، لكنّ حضورهم أصبح كبيراً منذ عام 1200 م ، حين كانت نواياهم متجهة في فتح طرق التجارة الواسعة على مصراعيها مع الشرق ، وكذلك السيطرة على مراكز التجارة المزدهرة في أنطاكية وأورشليم ، وتمكنهم من جني أرباح وفيرة جداً من جرّاء نقل المتطوعين الصليبيين الجدد عبر البحر الأبيض المتوسط .
خلال الحملة الصليبية الثانية (1147-1149 م) ، تم عقد اتفاقيات وعقود ، كسب منها التجار أرباح خيالية ، لنقل جيوش المتطوعين الى الشرق . كانت المنافسة المشتعلة بين التجار قد بلغت أوجّها عند البلدات التجارية الإيطالية في فينيسيا ، بيزا ، وجنوا ، وكذلك مرسيليا في فرنسا ، وأن كل مجموعة من التجار في تلك المناطق حرصت على احتكار النقل والتجارة بين الشرق والغرب. ومع ذلك ، يجب أن نضع في الحسبان ايضاً ، في أن تلك المدن برز منها الكثير من التجار المتعصبين دينياً ، و المتحمسين للقتال من أجل القضية المسيحية ، وليس فقط من أجل المال .

رابعاً ـ الفرسان الأوروبيون
في حلول القرن الحادي عشر ، أصبحت ظاهرة عسكرة المجتمع الأوروبي في القرون الوسطى متزايدة . إذ لم يكن لدى الحكومات المركزية الوسائل المتاحة للسيطرة على كل جزء من أراضيها . أما حكّام الأقاليم ، فقد كانوا من كبار ملاّكي الأراضي الإقطاعيين ، وكذلك من البارونات الذين لديهم القلاع المحصّنة وقوات كبيرة من الفرسان للدفاع عنهم .
لقد انضّم الفرسان ، شأنهم في ذلك شأن الملوك والأمراء إلى الحملات الصليبية تلبية لنداء الدين ، أو طمعاً في نيل الحياة الثانية عند الآخرة ، أو لربما الإمتثال للأوامر الدينية العليا في حماية المسيحيين والمواقع المسيحية من الكفّار .
لابد من الإشارة إلى أنه لم تكن هناك كراهية دينية أو عنصرية كبيرة متوقعة ضد المسلمين الذين احتلّوا الأراضي المقدسة ، بل كانت تلك الكراهية محدودة جداً ، على الرغم من أن رجال الدين المسيحيين استخدموا مختلف وسائل الدعاية المتوفرة والمتاحة لهم ، وذلك عندما قاموا بنشر خطابات التحريض ضد المسلمين في جميع أنحاء أوروبا ، ولكن في حقيقة الأمر، كان الإسلام عقيدة غير معروفة تماماً بين مواطني أوروبا ، و مما يعني أنّ أيّ وصف يُطلق على المسلمين لا قيمة له عند مواطنيها . يعدّ المسلمون العدو الأكبر بالنسبة لرجال الكنيسة ، لأنهم اغتصبوا مواقع مسيحية مقدّسة يجنون منها فوائد مادية كبيرة ، وليس لأنهم مسلمين ، حسبما كتب المؤرخ م . بول في المقطع التالي والذي ذكره الباحث رايلي سميث في كتابه (تاريخ الحملات الصليبية ):
” يقود الفهم العام عن الحملات الصليبية في الوقت الحاضر ، الى التفكير حول الصراع الكبير بين الديانات التي يغذيها التعصب الديني . ويرتبط هذا التصور بالحساسيات الحاصلة الآن حول التمايز الديني ، وبنفس الوقت كان للحملات صدى وردود أفعال بعيدة المدى والتي من سببها الصراعات السياسية الحالية في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى من العالم . لكن هذه النظرة نحتاج بأن نرفضها على الأقل فيما يتعلق بالحملات الصليبية المبكرة .” (رايلي سميث ، ص18)
كان طموح الفرسان والقادة العسكريين ، هو الحصول على الغنائم من الثروات والأراضي وربما حتى على الألقاب والرتب العالية بعد نهاية الحرب . لذا كان من الضروري بيع الأراضي والممتلكات الثمينة التي في حوزتهم لتغطية نفقاتهم في الحملة على الشرق ، على اعتبار ، لابد من أنّ هناك تضحية مالية كبيرة يجب أن تتم في البداية . من جانب آخر كانت الأديرة والكنائس تقوم بمهام منح الأموال مقابل رهن الممتلكات والأشياء الثمينة الخاصة الى الفرسان الراغبين والذين ليس لديهم ما يكفي لرحلتهم . كانت هناك أيضا فكرة الفروسية – أي أن على الفارس أن يفعل الشيء الصحيح ، والمطلوب منه أن يحمي ليس فقط كنيسته وعقيدته ، بل الناس الضعفاء والمضطهدين أيضاً .
في القرن الحادي عشر الميلادي ، كان قانون الفروسية لا يزال في بدايته ، وتركيزه في الدرجة الأولى على موضوع الدعم بالأسلحة المتنوعة وقيادة الفصائل . وبالتالي فإن دور الفرسان في حسم المعارك ، يعدّ حافزاً كبيراً لهم في الإنضمام إلى الحملة الصليبية الأولى .
ان الكثير من الفرسان كانوا مُرغمين على المشاركة في المعارك والحملات العسكرية ، بسبب تبعيتهم لأسيادهم سواء كانوا بارونات أم لوردات ، وان مشاركتهم ، هي جزء من الخدمة التي يؤدونها لكسب قوتهم . من الناحية الفنية ، كان الصليبيون متطوعين ، ولكن كيف يمكن لفارس أن يتخيل نفسه مرابطاً في المنزل ، أو الجلوس قرب موقد تدفئة هذا القصر او تلك القلعة ، بينما الآخرون يواصلون رحلتهم العسيرة إلى الشرق ؟ . لم يكن هذا خياراً عملياً ابداً لفرسان مطلوبون الى الخدمة. علاوة على ذلك ، فإن العديد منهم قد لحقوا آباءهم و إخوانهم أو اقاربهم ، وانضمّوا الى الحملة مجبرين ، بسبب قوة روابط القرابة والحماية المتبادلة بين العائلات الأوروبية آنذاك . مع استمرار الحروب الصليبية ، وعلى ضوء عادات و تقاليد العائلات ، فمن المتوقع بأن تكون هناك مشاركة لشخص واحد من كل عائلة على الأقل ومن جميع الأجيال طيلة فترة الحروب الصليبية .

خامساً ـ المتطوعون من عامة الشعب
الى جانب الفرسان ، كانت فكرة الحرب الصليبية تستهوي الكثير من جنود المشاة والرماة وحاملو الدروع ، وجميع المقاتلين الذين لا يحتاجون دعما ميدانياً من وحدات سلاح الفرسان أثناء الحملة .
كانت المطالب التعبوية التي نادى بها الزعماء المسيحيون أثناء التحشيد للحملة الصليبية والتي نالت إعجاب وحماس المواطنين من الرجال والنساء على حدّ سواء ، تتضح من خلال أحداث مهمة قد حصلت ، مثل إنشاء ما يسمى (جيش الشعب ) وفي الكثير من الأحيان ما يشار إليه بـ (الحشود الشعبية ) بقيادة الداعية (بيتر هرميت ) الذي جمع أعداد كبيرة من المتطوعين والمتطوعات ، ثم وصل بهم إلى القسطنطينية عام 1096 م . بعد ذلك انتقلوا على الفور إلى مناطق آسيا الصغرى بأوامر صادرة من الملك أليكسيوس الأول ، متجاهلاً النصيحة البيزنطية بعدم المجازفة بجيش لا يملك خبرة قتالية كافية لخوض غمار الحروب ، وقد حدث ما كان متوقعاً ، فقد نُصبت كمائن مميتة للجيش الضعيف والمهلهل ، وسحقه عن بكرة أبيه بالقرب من نيقية على يد الجيش السلجوقي في 21 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1096 م .
عادة ما كان الصليبيون يحملون شارة الصليب على أرديتهم في جانب الكتف ، وهي تعني بالنسبة لحاملها الهيبة والشرف في (حمل الصليب) ، بيد ان هناك الكثير من الفوائد والمزايا التي حصل عليها القلة من المواطنين البسطاء المتطوعين من جرّاء قيام تلك الحملات ، ومن المحتمل قد حدث هذا في القرن الثالث عشر الميلادي . وشملت تلك المنافع ، تأجيل التوقيت في الخدمة الإقطاعية ( العمل المجاني لدى الملاكين نظير ديون وفوائد في ذمة الشخص لا يقدر على سدادها ) ، وكذلك ، التسريع في انجاز الدعاوى القضائية المتعلقة قبيل المغادرة ، وايضا الإعفاء من بعض الضرائب والرسوم المترتبة ، وتأجيل سداد الديون ، وحتى التأجيل أو الترّيث في حالات النفي و الطرد ، وغيرها من المزايا الممكن الحصول عليها .

الخاتمة
يشير المؤرّخ (كريستوفر . تيرمان ) في كتابه (حرب الإله ) :
” منذ عام 1095 م وحتى نهاية القرون الوسطى – كانت هناك عاصفة شديدة من الغضب الأخلاقي ، والمكاسب الشخصية ، والدعاية السياسية الدينية المؤسساتية ، وضغوط الفرقاء ، والفروقات المجتمعية ، والعطش الى المغامرة ، التي ألهمت جميعها عقول الناس وأدّت بهم إلى مغادرة منازلهم والشروع في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى وجهة لا يعرفون عنها شيئاً ، وحتى أنهم يجهلون ، أين سيجتمعون في ساحات الوغى أم يقعون في براثن الموت ؟. كانت الحماسة لا يبددها شيء بغضّ النظر عن النتائج سواء كانت الحملة ستحقق أهدافها ، أم لم تحققها ” .
لكن نجاح الحملة الصليبية الأولى واستعادة أورشليم في 15 يوليو 1099 م ، قد ألهم المزيد من الناس في التفكير بـ (حمل الصليب) والتمسك في العقيدة المسيحية ورموزها .
انتشرت فكرة الصليبية وتوسعت ، ولكنها كانت دافعاً قوياً في فرض الإرادات ، متمثلة في تحرير إسبانيا ، ومهاجمة أهداف معينة ، كالأقليّات والمكوّنات الصغيرة في أوروبا ، مثل اليهود و الوثنيين والملحدين والعلمانيين والهراطقة . في تلك الفترة كان الفساد قد بدأ ينتشر شيئاً فشيئاً ، وبرزت ظاهرة التصفيات الجسدية للشخصيات السياسية الوطنية والعلمية والثقافية ، وكَثر الجواسيس والخونة ، و شاع تدبير المؤامرات ، وبعد صدور أوامر الى الفرسان للدفاع عن المناطق المحررة في الشرق ، اخذ التنافس والإقتتال على أشدّه بين الفرسان الموالين لأسيادهم الملاّكين والبارونات من جهة ، ورجال الدين من جهة أخرى بدافع نيل المكاسب ، وفُرضت زيادات كبيرة على الضرائب المتنوعة بشكل مستمر لتمويل الحروب الصليبية المتعاقبة . هذه الأسباب وغيرها التي جعلت رسّامو الخرائط ينشغلون في تعديل وتصحيح خرائطهم باستمرار خلال القرون الأربعة التي تلت الحملة الصليبية الاولى ، وعلى الرغم من جميع التضحيات البشرية والمادية الكبيرة التي بُذلت ، فإن الحروب الصليبية لم تحقق أهدافها على المدى البعيد …

ــــــــــــــــــــــــــــ
توماس اسبريدج ـ الحملات الصليبية ـ ايسكو للنشر ـ 2011 .
تيموثي اي . غريغوري ـ تاريخ بيزنطة ـ إيلي ـ بلاكويل للنشر ـ 2010 .
جوناثان فيليبس ـ الحروب الصليبية ( 1095-1204م ) ـ روتليدج للنشر ـ 2014 .
رايلي سميث ـ تاريخ الحملات الصليبية ـ جامعة اكسفورد للطباعة والنشر ـ 1995 .
جون روسر ـ القاموس التاريخي للبيزنطية ـ سكيركرو للنشر ـ 2001 .
ستيفن رانسيمان ـ تاريخ الحملة الصليبية الأولى ـ بنجن للنشر ـ 2016 .
جوناثان شيبرد ـ الإمبراطورية البيزنطية ـ جامعة كامبريدج للنشر ـ 2009 .
كريستوفر تيرمان ـ حرب الإله ـ بلكناب للنشر ـ 2009 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.