الحركة النسوية السورية: خارطة طريق نسوية مطلبية لضمان عودة آمنة وطوعية ومحايدة ومستدامة للاجئات واللاجئين والنازحات والنازحين

مع طرح ملف عودة اللاجئات/ين إلى سوريا على المستويات الدولية وعزل بعده الإنساني من قبل النظام السوري وبعض الدول، وكون ملف النزوح لم يحظَ بنفس التغطية الإعلامية أو الاهتمام الدولي الذي حظي به ملف اللجوء، حرصت الحركة السياسية النسوية السورية، بالشراكة مع رابطة النساء الدولية للسلام والحرية، إلى استشراف آراء ومواقف وهواجس وشروط النساء النازحات بالدرجة الأولى بالإضافة إلى النساء اللاجئات فيما خص العودة وما هي آراؤهن بمقومات العودة الآمنة والطوعية والمستدامة. وعليه، تم عقد ثمان جلسات استشارية ميدانية شاركت بها ١٢٢ امرأة سورية، جلستين منها في مناطق خاضعة لسيطرة النظام وخمس في مناطق خارجة عن سيطرته، وجلسة في إحدى دول الجوار وذلك خلال شهر شباط ٢٠١٩.

تتطرق هذه الورقة السياسية إلى إشكالية العودة كما يطرحها النظام وحلفائه من حيث استخدامها كورقة مساومة سياسية تخدم مصالح سياسية واقتصادية وجيواستراتيجية ضيقة، ويغيب عنها أي بعد إنساني أو حقوقي أو جندري، ضاربةً بعرض الحائط حقوق اللاجئات/ين والنازحات/ين وأولوياتهن/هم الجندرية، لضمان كرامتهن/هم الإنسانية.

من خلال الاطلاع على إجابات النساء وتحليلهن للسياق العام وتداخل العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية وتبعاتها الجندرية، يمكن الوقوف على أمور عدة أبرزها:
– الوعي النسوي الفطري لكافة الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والاجتماعية والجندرية لملفات النزوح واللجوء والعودة؛
– شمولية الطرح النسوي، وذلك من خلال الإحاطة العامة بآثار العودة على كافة مرافق المجتمع وعلى مختلف الصعد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والمجتمعية وآثارها على العديد من الفئات، وعدم حصر آثارها على المستوى الشخصي و/أو الفردي وحسب؛
– شمولية المطالب النسوية في ملف العودة وما بعد العودة، والتي تضمن، في حال تطبيقها، السلام المستدام والنسوي؛
– الوعي السياسي النسوي والفطري فيما يخص العدالة الانتقالية وآلياتها ومقومات الحل والانتقال السياسي.
الملخص التنفيذي
استحالة عودة اللاجئات/ين والنازحات/ين دون تفعيل للحل السياسي
عبّرت النساء عن آرائهن بشكل عام حول ملف العودة وتوقيت طرحه، وكيف يتصورن تفعيله في ظل ظروف مثالية، وقد تقاطعت إجابات ومواقف العديد من النساء من مختلف المناطق حول رأي أساسي هو أن العودة حق للجميع. وأشارت النساء اللواتي شاركن في سلسلة اللقاءات الاستشارية، إلى أن المباحثات والنقاشات الدولية لملف عودة اللاجئات/ين والنازحات/ين هي نقاشات غير منطقية وغير مقبولة كونها تتم بمعزل عن الوصول إلى حل أو اتفاق سياسي شامل ومن دون وجود أي طرف حيادي ضامن لتأمين عودة آمنة ومستدامة للاجئات/ين والنازحات/ين. وتالياً، أكدّت النساء على أن حصول العودة في الوقت الحالي هو أمر مستحيل لاسيما في ظل الظروف والمناخ السياسي والأمني الحالي، وإذا لم يتم تفعيل حل سياسي يضمن الانتقال السياسي السلمي.

أشارت النساء إلى العديد من العوامل والأدوات، التي يمعن النظام في توظيفها، والتي تأخذ أبعاداً أمنية وسياسية وديموغرافية والتي تتضافر بدورها مع عوامل العسكرة والبيئة الذكورية-الأبوية لتشكل مجتمعة، بيئة أبعد ما تكون عن كونها آمنة أو حاضنة لعودة النساء والأسر المهجّرة قسراً إلى بلداتهن/هم ومنازلهن/هم.

وتتمثل أبرز هذه العوامل باستمرار القصف العشوائي والحصار العسكري للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتشديد القبضة الأمنية على الأسر والأفراد الذين يفكرون/ن بالعودة، إن من حيث الاعتقالات التعسفية أو فرض التجنيد الإجباري وغيرها. هذا بالإضافة إلى الممارسات الإدارية الممنهجة والإقصائية بحق اللاجئات/ين والنازحات/ين وأسرهن/هم والتي تتم بغطاء قانوني (قانون رقم ١٠)، للسيطرة على ممتلكات المواطنات/ين بوضع اليد والإمعان في إقصائهن/هم وترهيبهن/هم. ويبقى التضييق والعزل الإداري للمناطق وعدم الاعتراف بالمؤسسات الرسمية أو بالمعاملات الصادرة عنها في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، من أبرز العوامل التي تساهم في إسقاط أي أمل بوجود حالة من الاستقرار أو الأمان لدى النازحات/ين أو حتى التفكير بإمكانية العودة الآمنة في المستقبل القريب نتيجة حالة الهشاشة القانونية والإدارية، والتي تعاني منها النساء بشكل مضاعف.

وإلى جانب هذه العوامل، تباحثت النساء بجملة هواجس نسوية حول المنظومة الأبوية والذكورية التي لا تزال سائدة في سوريا والتي قد تشكل بالنسبة لهن تحدياً أساسياً في حال العودة. وتمثلت أبرز هذه الهواجس بالمساومة على استقلاليتهن الاقتصادية، أو العودة إلى مجتمع تحكمه العادات والتقاليد المحافظة، وغياب القوانين والإجراءات والأطر التي تحكم وتنظم العلاقات بين المواطنات/ين وتضمن تسوية الأوضاع القانونية للنساء فيما خص الأحوال الشخصية والأوراق الثبوتية واثبات الملكية.

مقومات وشروط وضمانات العودة الآمنة والطوعية والمحايدة… من منظور نسوي
بحسب منظمة الهجرة العالمية، وفي إحصاء (غير حساس جندرياً) أجرته في العام ٢٠١٧[1] شكّل عاملي الاقتصاد والأمن سبباً أساسياً لعودة اللاجئين/ين إلى سوريا، حيث أشارت نتائج الدراسة إلى أن ٢٥٪ من العائدين/ات أشاروا إلى رغبتهم بالعودة لحماية ممتلكاتهم/هن، و٢٠٪ ذكروا أن العودة كانت بسبب تحسن الوضع الأمني، و١٨٪ بسبب تحسن الوضع الاقتصادي، و١٧٪ بسبب عدم القدرة على الاندماج الثقافي والاجتماعي في المناطق التي لجأوا/نزحوا إليها و١٥٪ لأن الوضع الاقتصادي قد تراجع في المناطق التي لجأوا إليها.

يغيب عن هذا الطرح، حول مقومات العودة، البعد النسوي، وهو الأمر الذي عبّرت عنه النساء المشاركات في سياق اللقاءات الاستشارية واللواتي عكسن شمولية في طرح المقومات والضمانات والشروط الأساسية التي يجب توفرها لضمان عودة آمنة. وتشكل هذه المقومات والشروط جملة المطالب النسوية حول ملف العودة وما بعد العودة، والتي تضمن، في حال تطبيقها، السلام المستدام والنسوي. وأكدت النساء إلى أنه ثمة شرطين أساسيين يجب توفّرهما قبل تفعيل ملف العودة، ويتمثل هذان الشرطان بالتوصل لحل سياسي يضمن الانتقال السياسي السلمي والنسوي والمستدام، والحرص على تطبيق آليات العدالة الانتقالية في سوريا.

وحول المقومات والضمانات التي يجب أن تتوافراً، قبل أن يتم طرح أو تشجيع اللاجئات/ين والنازحات/ين على العودة، أشارت النساء إلى ما يلي:
– ضمان أن يكون قرار العودة قراراً مستنيراً، مبنياً على بينّة وبعيداً عن الإكراه؛
– ضمان توفر الخدمات (التعليم والصحة والمياه والأمن الغذائي) والبنى التحتية (شبكات الكهرباء والمياه والتدفئة) بشكل نوعي، وتوفّر المنازل الآمنة؛
– ضمان وجود جهات دولية وأممية ضامنة لحماية اللاجئات/ين والنازحات/ين وأسرهن/هم أثناء العودة؛
– ضمان تسوية كامل الأوضاع القانونية والإدارية للنازحات/ين واللاجئات/ين؛
– ضمان إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية أو أن تبقى إلزامية في ظل سيادة الأمن وبشرط تغيير النظام؛
– ضمان فك العزل الجغرافي والمناطقي للمواطنات/ين كما هو مفروض حالياً، وعدم التضييق على اللاجئات/ين والنازحات/ين في أماكن اللجوء/النزوح؛
– ضمان تكريس واحترام الحقوق السياسية والمدنية ومن ضمنها حرية الرأي والتعبير؛
– ضمان توفير المناخ الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الآمن للأسر والأطفال؛
– إلغاء القانون رقم ١٠ وإعادة العقارات لأصحابها.

وخلصت النساء إلى تقديم جملة من التوصيات، لجهات عدة، لضمان تفعيل عملية الانتقال السياسية وتالياً تأمين عودة آمنة، وطوعية ومستدامة تضمن سلامة وأمن وأمان اللاجئات/ين والنازحات/ين وتفعّل وصولهن/هم للخدمات الأساسية.

مطالب النساء من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي
– الطلب من الحكومات والدول بعدم الاعتراف بشرعية النظام وعدم التباحث معه بملف العودة قبل أن تتم عملية الانتقال السياسي؛
– تشكيل لجنة دولية تتألف من عدة جهات أممية لضمان تأمين ضمانات لعودة آمنة للاجئات واللاجئين والنازحات والنازحين، ولمراقبة آلية العودة وضمان سلامة العائدات/ين وعدم تعرضهن/هم للاضطهاد، والإشراف على تأمين الاحتياجات والخدمات الأساسية لهن/هم خلال وبعد مرحلة العودة وتفعيل لجان تقصي للحقائق والمساءلة في حال غيابهن/هم او اختفائهن/هم؛
– الاعتراف الدولي بالمؤسسات الرسمية الموجودة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وضمان التنسيق والتعامل معها، وليس اقتصار الشرعية على مؤسسات النظام وحسب؛
– الضغط باتجاه إيجاد حل ومعرفة مصير المعتقلات والمعتقلين.

مطالب النساء من المجتمع المدني
– أن تلعب المنظمات المدنية الدولية دوراً في المناصرة على المستويات الإقليمية والدولية كونها الوسيط بين أفراد المجتمعات المحلية في سوريا وبين المجتمع الدولي لإيصال أصوات النساء ومطالبهن؛
– تأمين الخدمات لأفراد المجتمعات المحلية وللنساء تحديداً، وتقديم برامج التوعية والتمكين وبرامج الإدماج المجتمعي والدعم النفسي والنفس-اجتماعي؛
– إجراء المراقبة على الانتخابات لضمان أن تكون حرة ونزيهة وشفافة وضمان مشاركة كافة فئات المجتمع بها؛
– تقديم التسهيلات الإدارية والإجرائية بخصوص معاملات إثبات النسب والزواج وحل القضايا العالقة من مثل الإرث وإثبات الملكية.

مطالب النساء من السلطات المحلية ومجالس الحكم المحلي
بالرغم من عدم الثقة الكاملة من قبل النساء بدور وفعالية السلطات المحلية، إلا أن النساء كن قد توجّهن بعدد من المطالب والتوصيات، أبرزها:
– تعزيز جهود الحفاظ على الأمن والأمان في البلدات والقرى، وذلك عبر تكثيف دور الشرطة والأمن في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام؛
– تأكيد حيادية هذه السلطات، وضمان ألا تكون تابعة لأي جهة سياسية أو دينية.

مطالب النساء من المؤسسات القضائية
– المطالبة بالإصلاح القضائي وبنزاهة واستقلالية القضاء وحياديته وخضوعه للرقابة؛
– تعزيز دور النساء في الجسم القضائي، وتخصيص لجنة نسائية في القضاء لحل المشاكل القانونية الخاصة بالنساء فيما خص الملكية والإرث؛
– التأكيد على ضرورة تفعيل القضاء المدني.

مطالب النساء من المؤسسات التشريعية
– الإصلاح القانوني، عبر إقرار أو تعديل قانون الملكية بحيث تتمكن النساء من الحصول على الممتلكات في حال وفاة الزوج، بالإضافة إلى إقرار قوانين حمائية للنساء المطلقات أو الأرامل فيما خص الحقوق الاقتصادية والأمان الاجتماعي.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.