الحرب الأهلية في لبنان وسوريا عام 1860

عبد القادر الجزائري وهو ينقذ مسيحيين خلال الأحداث 1860

ثورة طانيوس شاهين
بحلول منتصف القرن 19 بدأ غضب الفلاحين في كسروان (موارنة) يتزايد، نتيجة لعدد من العوامل، بما في ذلك أعباء السخرة التي فرضت خلال حكم الأمير بشير الثاني الشهابي، المصاعب الاقتصادية والنقص في توفر الأراضي. وقد كانت عائلة آل الخازن (وهي مارونية) هي الحاكم التقليدي في كسروان وحملت لقب الشيخ، رغم أن قوتها قد تضاءلت بشكل ملحوظ خلال حكم الأمير بشير الثاني. وكان الفلاحون قد حذروا آل الخازن منذ فترة طويلة من عواقب إجراءاتهم المتمثلة بفرض الضرائب الضخمة على الفلاحين، رغم كونها مرفوضة بعد إصدار الدولة العثمانية خط كلخانة عام 1839 والخط الهمايوني عام 1856، إضافة إلى إجبارهم على منح آل الخازن هدايا إضافية فوق الضرائب وذلك في المواسم والأعياد وهو ما اعتبره الفلاحين أمراً مهيناً.
في أوائل عام 1858، قدمت مجموعة من الفلاحين من كسروان شكوى رسمية ضد الخازن إلى خورشيد باشا، الوالي العثماني في بيروت. وفي وقت لاحق، في آذار 1858، عقد آل الخازن قمة للشعب في كسروان من أجل حشد الدعم لترشيحهم لمناصب القائمقامية الجديدة. بدلاً من ذلك، أعرب الفلاحين المشاركين في القمة معارضتهم لمساعي آل الخازن. وفي تشرين أول، دخلت عدة قرى في كسروان في تحالف ضد شيوخ آل الخازن. وفي كانون أول اختار هذا التحالف شاهين كزعيم لهم، وأعلنوه لاحقاً بمنصب الوكيل الأول، وكان هذا الأخير حاقداً على الإقطاعيين بسبب تأثره بموت والده بفنجان القهوة المسموم من قبل حاكم “ذوق مكايل” (قرية في كسروان) “جمال الخازن”، ما دفعه إلى تحريض الفلاحين على التصدي لآل الخازن.
في كانون ثاني 1859، كثف شاهين من تحركاته المسلحة ضد شيوخ آل الخازن مع قوة من 800 من مقاتليه الفلاحين، وكذلك البورجوازية الصغرى التي كانت هي الأخرى ضد الإقطاعيين، فقاموا بضرب الحصار على آل الخازن خلال إحدى قممهم في غوسطا. وقد دفع الحصار المشايخ إلى الفرار من القرية، ليقوم الفلاحين تحت قيادة شاهين بنهب ممتلكات آل الخازن. شرع شاهين ورجاله في مهاجمة بقية ممتلكات ومشايخ آل الخازن في قرى أخرى مع خسائر قليلة في القتلى (ومنهم زوجة وابنة أحد شيوخ الخازن). وقد اعتبر البطريرك الماروني بولس بطرس مسعد، حادثة قتلهم بأنها “جريمة مروعة” وأدانها علناً.
قام الفلاحون بنهب الحرير ومخازن القمح التابعة للشيوخ وتم توزيع السلع بين الفلاحين في كسروان. بحلول تموز، كان حوالي 500 إلى 600 من عائلة الخازن قد فروا إلى بيروت في حالة فقر. وسع شاهين المطالب الرئيسية لتحركاته التي كانت تشمل تخفيف الضرائب واسترداد الفلاحين للمدفوعات غير القانونية التي تم دفعها سابقاً لشيوخ الخازن لتشمل أيضاً الإصلاحات السياسية والقانونية. فاستنجد شاهين بفرمان الكلخانة، الذي كفل المساواة لجميع المواطنين العثمانيين.
بعد انتصاره على مشايخ آل الخازن، قام شاهين والفلاحين بتشكيل حكومة في كسروان، ثم أعلن الجمهورية. وحمل في الجمهورية الوليدة لقب الوكيل العام. على الرغم من أن الثورات كانت شائعة نسبياً في جبل لبنان، إلا أن طرد عائلة آل الخازن من قبل حركة فلاحية كانت حركة لم يسبق لها مثيل. تألفت حكومة شاهين من مجلس من 100 عضواً ممثلين لقرى كسروان، وأكثر من نصفهم من ممثلي الفلاحين الذين لا يملكون أراضي، 32 عضواً كانو من المزارعين جيدي الحال، عشرة أعضاء مثلوا رجال الدين والثلاثة الباقين هم من التجار أو المقرضين. وكان شاهين خلال هذه الفترة يشرف على قوة قوامها 1000 رجل، وقد سمحت له هذه القوة بممارسة السلطة عن طريق الاستيلاء على الأسلحة وضمان التمسك بالقانون وإرساء الأمن على الطرقات. كما أصدر عقوبات انضباطية في مراسيم باسم الشعب على الأفراد المنشقين المشتبه بخياننتهم للحكومة. ودخل أيضاً في مفاوضات مع شيوخ آل الخازن، لكنها وصلت لم تفض إلى أي شيء.

اُعتبر طانيوس شاهين على نطاق واسع من قبل الإكليروس المارونيين والقناصل الأوربيين بأنه شخص همجي. كما نظرت له الدولة العثمانية على أنه متمرداً، وأن الأفعال التي يقوم بها غير قانونية، وأن خط كلخانة عام 1839 والخط الهمايوني عام 1856، هما للمساواة بين الطوائف، وليس لإلغاء الإقطاع. بينما نظر له عوام المسيحيين على أنه شخصية شعبية واعتبروه وصياً على مصالحهم. وهي النظرة التي روج لها شاهين نفسه.
الحرب الأهلية في جبل لبنان
أدى الإصرار المتزايد من الفلاحين الموارنة على الاستمرار في الثورة ودعمهم لشاهين وثقتهم في تفوقهم النابع من أغلبيتهم الديموغرافية (على الدروز) في جبل لبنان إلى قلق الدروز الإقطاعيين (خارج كسروان كان أغلب الإقطاعيين دروز والفلاحين موارنة)، الذين بدأوا يسلحون المقاتلين الفلاحين التابعين لهم. وبالمقابل فإن الإكليروس الموارنة بدأوا بتحريض عموم الفلاحين الموارنة ضد المقطعجية الدروز، وقاموا بتسليحهم. وتصاعدت التوترات عندما هدد البطريرك الماروني بولس بطرس مسعد، الأمير الدرزي مصطفى باشا، بطرد الدروز من لبنان بقوة قوامها 300,000 رجل
امتد التوتر وأصبح يقترب إلى العنف شيئاً فشيئاً، وبين آذار وأيار 1860، حصلت عدة عمليات قتل وهجمات طائفية بين الدروز والموارنة وكانت معظم الهجمات انتقامية وقد جرت في جميع أنحاء جبل لبنان ومحيطه المباشر. في أواخر شهر أيار، قام شاهين ونحو 300 من رجاله بدخول قرية “النقاش” المختلطة بين الدروز والموارنة في المتن بغرض الاستيلاء على الحرير المملوك لعائلة من كسروان. وبعد ذلك بدلاً من العودة إلى كسروان، قاد شاهين رجاله لدخول قرية أنطلياس. وقد اعتبر الدروز أن توغل شاهين في أنطلياس يعد استفزازاً للدروز الذين خشوا من أن وجود مقاتلي شاهين في القرية سيهدد السكان الدروز في المتن. اعتبر كثير من الموارنة في المقابل نشر قوات خورشيد باشا (والي بيروت) في حازمية يوم 26 أيار استفزازاً لأنهم اعتقدوا بوجود تحالف بين خورشيد باشا والدروز واعتقدوا أن نشر تلك القوات هو إشارة لبداية الهجوم المضاد الدرزي عليهم. أما شاهين فقد أعلن أن دخوله قرية أنطلياس كان لغرض حماية أمراء آل شهاب المسيحيين الذين كان مقرهم في بعبدا.
ورغم أن شاهين أعلن أنه جاء لحمايتهم. إلا أن أمراء شهاب طلبوا من شاهين ورجاله الانسحاب من محيط بعبدا لتجنب الصراع. ومع ذلك، في 29 أيار وقعت اشتباكات في قرية بيت مري في المتن بين الدروز والموارنة المقيمين، الأمر الذي أدى إلى مشاركة الموارنة في القرى المجاورة. وبحلول 30 أيار، نجح الدروز في هزم مقاتلي كسروان في بيت مري. لينتشر القتال بعد ذلك في جميع أنحاء المتن. انتشر القتال بعدها بسرعة في جميع أنحاء جبل لبنان والمنطقة المحيطة به، فأصبح القتال حرباً أهلية بين الدروز والموارنة. ناشد الموارنة من مناطق خارج كسروان شاهين ليتدخل. ولكن ما أن نجحت القوات العثمانية في إيقاف شاهين وقواته في المتن، حتى تراجع هو وغيره من قادة الميليشيات المارونية وأصبحت عملياتهم تقتصر بشكل كبير على حماية مناطقهم الأصلية. بحلول حزيران امتدت الاضطرابات إلى الأحياء المختلطة (إسلام بمختلف طوائفهم، ومسيحيين بمختلف طوائفهم) من جنوب لبنان، وجبال لبنان الشرقية، وحتى صيدا وحاصبيا وراشيا و دير القمر. أقام خلالها الفلاحين الدروز حصارا حول الأديرة الكاثوليكية والبعثات وحرقوها وقتلوا رهبانها. في منتصف شهر حزيران، تعرضت زحلة آخر معاقل الموارنة إلى الحصار قبل الدروز، ولم يتمكن الموارنة من إرسال أي تعزيزات ما أدى إلى سقوط المدينة. بعد زحلة، امتدت المجازر إلى اللاذقية في 8 تموز و 9 تموز.
كان سقوط زحلة قد عنى انتهاء الحرب بين الموارنة والدروز لصالح الدروز، ولكن امتداد الحرب خارج جبل لبنان (صيدا وحاصبيا وراشيا) عنى تحول الحرب إلى صراع بين المسلمين بمختلف طوائفهم والمسيحيين بمختلف طوائفهم. كما أن سقوط زحلة (عاصمة البقاع) عنى امتداد الحرب من ولاية بيروت إلى ولاية دمشق حيث كان البقاع يتبع لولاية دمشق.
امتداد الحرب الأهلية إلى دمشق وضواحيها
بينما كان جبل لبنان يعيش الحرب الأهلية بين الموارنة والدروز، كانت ولاية دمشق تعيش أزمة أخرى. كانت حرب القرم قد انتهت لتوها لصالح الروس (1856)، ونص الاتفاق الروسي العثماني على منح المسيحيين الخيار بين دفع الجزية (البدل) أو الخدمة في الجيش، حيث كان المسيحيون قبل ذلك ممنوعون من الخدمة العسكرية مقابل دفع البدل (الجزية).
كانت الدولة العثمانية بعد حرب القرم تعاني من عجز كبير في الميزانية، ولم تكن تستعد لأي حروب جديدة، لهذا كانت تفضل أن يدفع المسيحيون البدل. كان المسيحيون يفضلون الذهاب إلى الجندية فالجزية مرهقة لهم مادياً، كما أن لها ما لها من مدلولات نفسية واجتماعية لديهم.
أصر والي دمشق أحمد باشا أن على المسيحيين دفع البدل (الجزية)، ولكن المسيحيون أصروا على الذهاب إلى الجندية، وهنا ابتدأ توتر بين المسيحيين والوالي. وصل التوتر إلى حد التشنج والتحدي، فطلب الوالي من المفتي وشيخ الجامع الأموي أن يقولا في العظات أن المسيحيين مازالوا يعتبرون من أهل الذمة وأن الجزية مفروضة عليهم شرعاً، وذلك ليجبر المسيحيين على دفع البدل. ولكن المسيحيين تمردوا، يحسون بالقوة لأن لديهم المال ودعم الدول الأجنبية، وهنا ابتدأ التوتر يعم دمشق بين المسيحيين والمسلمين.
أحس الشيخ عبدالقادر الجزائري أن هذا التوتر ينذر بالسوء، فقام بتوقيع عريضة شاركه فيها حوالي 30 شخصاً من وجهاء مدينة دمشق إلى الوالي أحمد باشا لإزالة أسباب التوتر، ولكن الوالي ظل معنداً. شكل الأمير عبدالقادر مجموعة لحماية المسيحيين تعدادها 2000 من المقاتلين المتطوعين الأشداء معظمهم من رجاله الجزائريين لحماية المسيحيين، وشجعه على ذلك القنصل الفرنسي،.
في هذا الوقت كانت القوات الدرزية التي توجهت من السويداء إلى جبل لبنان لمعاونة الدروز في الحرب عائدة إلى السويداء عبر دمشق. فتم تشكيل جماعات شبه عسكرية درزية ومسلمة دخلت إلى بعض قرى ريف دمشق، ووبعدها إلى حي القيمرية (حيث كان يتمركز المسيحيون الأغنياء في دمشق)، استمرت المذابح ثلاثة أيام (9-11 تموز)، تم فيها تقريباً تدمير حي القيمرية بالكامل، وتم حرق الكنائس والمدارس التبشيرية، وقتل وتشريد الآلاف. كما تم حرق جميع القنصليات الأجنبية (ما عدا الإنكليزية التي لم تكن متواجدة في هذا الحي)، وقتل القنصلين الأمريكي والهولندي.
حاول الأمير عبد القادر التفاوض مع سلطات المدينة وشيوخها لضبط الوضع والتدخل للتهدئة لكنهم لم يستمعوا إليه. فاقتصرت مهمته ومهمة أعيان دمشق على حماية حي الميدان الواقع خارج السور، والذي لم يكن قد هوجم بعد، وعلى المساعدة في مد يد العون للمسيحيين في حي القيمرية وإنقاذ ما أمكن منهم. فشرع رجالات عبد القادر وغيره من النبلاء بالطواف في طرقات الحي القيمرية والبحث عن اي شخص، رجل أو امرأة أو طفل، وجلبه وإدخاله إلى بيت احد المسلمين الأتقياء، وتم تجميع الغالبية في قلعة دمشق لحمايتهم باشراف قوات الشيخ عبدالقادر.
انخفضت وتيرة القتل والسرقة والنهب في الأيام التالية.، بينما استمرت الحرائق لأسبوعين. وبعد اسبوع بدأ نقل معظم مسيحيّ حي القيمرية إلى بيروت على دفعات وتحت حماية مشددة من رجال عبد القادر، ومن هناك هاجر العديد إلى فرنسا وأوروبا و أمريكا. وكانت بيروت من المدن التي لم يتعرض مسحيوها للإبادة بسبب وجود سفن الإمبراطوريات الأوروبية على شواطئها والتي حمتهم من هجمات دروز الجبل. ولم يبقَ في دمشق إلا بضعة آلاف فقط، بعد أن كان عددهم يفوق ال 30,000. أما النتائج الاقتصادية للحرب فكانت تدمير صناعة الغزل والنسيج في دمشق، إذ كانت دمشق، وبالتحديد حي القيمرية، هي المركز العالمي لتلك الصناعة.
التدخل الدولي
دعت هذه الأحداث الدامية فرنسا للتدخل بعد الشك باحتمال دعم القوات العثمانية للقوات الدرزية إما بدعم مباشر أو بنزع سلاح القوات المسيحية. أشارت فرنسا، بقيادة نابليون الثالث، إلى دورها التاريخي بكونها حامية الكاثوليك في الإمبراطورية العثمانية بحسب اتفاقية بين الطرفين في 1535. فوافق العثمانيون في 3 آب على إرسال قوة أوربية مؤلفة من 12,000 جندي لإعادة النظام.
في 5 تشرين أول 1860، اجتمعت لجنة دولية مؤلفة من فرنسا وبريطانيا، والنمسا وبروسيا والإمبراطورية العثمانية للتحقيق في أسباب أحداث 1860 والتوصية بنظام إداري وقضائي جديد للبنان يحول دون تكرارها. اتفق أعضاء اللجنة أن تقسيم “إمارة لبنان” في 1842 بين الدروز والمسيحيين كانت السبب الرئيسي وراء المجازر. وبحسب ذلك تم تشكيل نظام جديد عام 1861 فصل لبنان عن سوريا ووحده على هيئة متصرفية تحت سيطرة حكم مسيحي يعين من قبل السلطان العثماني وبموافقة القوى الأوروبية، ويعاونه مجلس إداري مكون من اثني عشر عضواً من مختلف الطوائف الدينية في لبنان.
قامت فرنسا بنشر قوة مؤلفة من 6,000 جندي لحماية النظام في لبنان بحسب االاتفاق، والذي تضمن أيضاً أن ترسل دول أخرى قوات إضافية حسب الحاجة. كما تمركز فيلق مشاة فرنسي في سوريا من آب 1860 إلى حزيران 1861.
المحاكمات
عيّن السلطان عبد المجيد الأول، فؤاد باشا حاكمًا جديداً على الشام مخولاً بصلاحيات استثنائية، لرأب الصدع الذي حصل في المجتمع ولتفادي المزيد من التدخل الأوروبي، وقد قاد فؤاد باشا حملة اعتقالات بحق المتورطين بالمذابح ضد المسيحيين، فأعدم رميًا بالرصاص 111 شخصًا، وشنق 57 آخرين، وحكم بالأشغال الشاقة على 325 شخصًا ونفى 145؛ وكان بعض المحكومون من كبار موظفي الدولة في الشام.
— ——–
المراجع
An Occasion for War: Civil Conflict in Lebanon and Damascus in 1860 – Leila Tarazi, California University Press.
The Civil war in Syria, New York Times, July 21, 1860.
Lutsky, Vladimir Borisovich (1969). “Modern History of the Arab.
France overseas: a study of modern imperialism By Herbert Ingram Priestley.

منقول

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.