الجمهوريات الملكية

حافظ ابن الرئيس السوري الحالي بشار ابن الرئيس الراحل حافظ الأسد يتصرف بسورية على انه الرئيس القادم بعد والده بالوراثة

بابكر فيصل/
شكَّل سقوط الملكية المصرية على يد الجيش المصري في يوليو 1952 (سمّه حركة أو ثورة أو انقلابا) العلامة الأبرز في التحولات التي شهدها العالم العربي من أنظمة الحكم الملكي إلى أنظمة الحكم الجمهوري، وقد أعقب التحول المصري تحولات أخرى في العراق وليبيا واليمن.
من ناحية أخرى، فقد شهدت معظم الجمهوريات العربية انقلابات عسكرية بتوجهات اشتراكية وقومية وإسلامية، بينما ظلت الأنظمة الملكية تحكم العديد من الدول العربية مثل دول الخليج والأردن والمغرب.
وعلى الرغم من الاختلافات الشكلية بين الأنظمة المسماة جمهورية وتلك المسماة ملكية إلا أن أوجه الشبه بينها في النواحي الدستورية والقانونية والاقتصادية كبيرة، وتشكل مزيجا فريدا لهذين النظامين لا يعرفه فقهاء القانون الدستوري ولا يتوفر إلا في بلاد العرب.
تعاني أنظمة الحكم المسماة جمهورية والمتناسلة عن انقلابات عسكرية من أزمة شرعية دستورية وقانونية، وهو الأمر الذي يدفعها الى حل تلك الأزمة عن طريق فبركة دساتير على مقاسها، وتزوير الانتخابات، حتى يتسنى لها البقاء في سدة الحكم، وقد يصل بها الأمر إلى إجراء تعديلات دستورية استثنائية لملء الفراغ الدستوري بسبب وفاة الرئيس وحتى تنتقل السلطة للابن كما حدث في سوريا (ربما كانت هذه أول سابقة في نظام جمهوري في العالم).
القمع يعتبر الوسيلة الثانية التي تلجأ إليها تلك الأنظمة لسد فراغ الشرعية
شعور الكثير من حكام الجمهوريات العربية بعدم التمتع بالشرعية الحقيقية التي تؤمن لهم الاستمرار في الحكم يدفعهم للاعتماد على أفراد العائلة والأقارب والتابعين لملء المناصب ذات التأثير السلطوي ليكونوا سندا فاعلا للحاكم، وكذلك إقامة أجهزة قمع متعددة ومتداخلة الاختصاص لمتابعة المعارضين أحزابا وأفرادا وجماعات.
أنظمة الحكم العربية المسماة جمهورية تعاكس التعريف والمفاهيم التي يعطيها فقهاء القانون الدستوري ومفاهيم أنظمة الحكم باعتبار أن النظام الجمهوري، يستند إلى الإرادة الشعبية ويتيح الفرصة للجميع للتداول على السلطة وتكون صناديق الاقتراع هي الفيصل. وهو الأمر الذي لا يحدث في الجمهوريات العربية التي يبقى فيها الرئيس لعشرات السنين في سدة الحكم.
الأنظمة الملكية كذلك تعاني من أزمة شرعية، فهي تستند إلى شرعية أسرية تاريخية وأخرى دينية (الانتماء لآل البيت)، وترسم خطوطا حمراء لا يسمح بتجاوزها، ولا تعرف الإرادة الشعبية، ولا تداول السلطة.


تلجأ الجمهوريات/الملكيات العربية لسد فراغ الشرعية عن طريق الابتزاز، وذلك باللعب على وتر إثارة مخاوف الشعوب من أي منافسين على السلطة، والتشكيك في بدائل النظام القائم، مع تشويه سياسات الأنظمة السابقة من خلال تضخيم ما وقعت فيه من أخطاء. والقصد من توظيف هذه الوسيلة هو إفهام الجماهير أن أوضاعها هي الأفضل في ظل الحكم القائم وأن أي تفكير في تغيير النظام سينطوي على مخاطر كبيرة.
اتسعت دوائر الفقر، وازدادت الهوّة بين قلة من الناس تملك كل شيء، وأكثرية لا تملك شيئا
بجانب الابتزاز، فإن القمع يعتبر الوسيلة الثانية التي تلجأ إليها تلك الأنظمة لسد فراغ الشرعية. انتهاكات حقوق الإنسان هي السمة الأساسية لتلك الأنظمة، مضافا اليها التطبيق الصارم للقوانين المقيّدة للحريات (قانون الطوارئ مطبق في سوريا منذ العام 1963 أي قبل أن يولد الرئيس بشّار الأسد). وكذلك توظف تلك الأنظمة ميزانيات مالية مفتوحة لبناء الأجهزة الأمنية ليس بغرض تأمين المواطن، ولكن لترويعه، ومن أجل السيطرة على الحكم لأطول فترة ممكنة.
بالإضافة لفقدان الشرعية الدستورية والقانونية (غياب الديمقراطية) فإن تلك الأنظمة تشترك في كونها أنظمة تعتاش على الريع الذي لا يحقن الاقتصاد بأي قيمة مضافة ناتجة من تفاعل عوامل الإنتاج (الأرض، العمل، رأس المال)، ولا توجد بها قاعدة صناعية تذكر. فهناك دول يعتمد اقتصادها على ريع النفط مثل دول الخليج، وهناك أخرى ريعية غير نفطية، مثل الأردن ومصر التي تعيش على السياحة وعائدات المغتربين في الخارج والمساعدات الأميركية.
في الأنظمة الريعية المفتقدة للشرعية يحكم النظام قبضته على الثروة (في بعض الأنظمة الملكية يصل نصيب الأسرة المالكة من نفط البلد إلى 40 في المئة)، ويتحكم في صرفها بحسب الأولويات التي يراها، وهي في الغالب أولويات تهدف لاستمرار السيطرة على الحكم، فيتم الصرف على الأجهزة الأمنية وأجهزة القمع، وشراء الذمم والأتباع، وخلق طبقة من رجال الأعمال والمصالح المرتبطة بالنظام الحاكم، ويسيطر الوزراء والمتنفذين وأبناءهم على الشركات وعلى المفاصل المهمة في الاقتصاد (زواج السلطة والثروة).
التتويج الأعلى لخصائص الأنظمة المفتقدة للشرعية الدستورية والقانونية، والمعتمدة على الاقتصاد الريعي يتمثل في انتشار الفساد الذي هو ظاهرة إنسانية لا يخلو منها أي مجتمع أو دولة، ولكنه يشكل كارثة حقيقية في الدول التي تحكمها الأنظمة مدار حديثنا.
قد أدى الانتشار الواسع للفساد المؤسسي في تلك الدول إلى شروخ كبيرة في منظومة القيم الأخلاقية والثقافية، فانتشرت ظواهر الرشوة والمحسوبية والغش والنفاق. وقوى الاتكال والاستهلاك على حساب روح المبادرة.
في الأنظمة الريعية المفتقدة للشرعية يحكم النظام قبضته على الثروة
من جانب آخر، فقد اتسعت دوائر الفقر، وازدادت الهوّة بين قلة من الناس تملك كل شيء، وأكثرية لا تملك شيئا. وتقول الإحصاءات أن أكثر من خمسة وعشرين مليونا من سكان هذه الدول يعانون من سوء التغذية.
على الرغم من أن الفقر لم يستشر بصورة كبيرة في عدد محدود من تلك الدول (الدول البترولية)، إلا أن ذلك لا يعزى للخطط والسياسات الاقتصادية الناجعة بقدر ما هو ناتج عن الفوائض الضخمة من ريع النفط، وحتى هذه الفوائض لم يتم توظيفها بطريقة سليمة، حيث أدى سوء الإدارة والنهب والتبديد لعائدات النفط ـ على سبيل المثال ـ إلى حرمان شعب مثل الشعب الليبي من أن يصبح واحدا من أغنى شعوب العالم إذا أخذنا في الاعتبار تعداده القليل مقارنة بناتجه الضخم من البترول.
اشتراك تلك الدول في الخصائص التي أتينا على ذكرها في هذا المقال (فقدان الشرعية الدستورية والقانونية، الاعتماد على الاقتصاد الريعي، القمع والابتزاز، والفساد) يقود إلى نتيجة مفادها أنه لا توجد فوارق جوهرية بين الأنظمة التي تحكم تلك الدول، بل هو فقط فارق في الأسماء “جمهورية/ملكية”.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.