الثورة الايرانية بعد اربعين عاماً

الكاتب الايراني كاظم علمداري*
المصدر دویچه وله/برنامج اربعون عاماً على الثورة
ترجمة عادل حبه

لو حدثت الحركة إلى أدت إلى الثورة الإيرانية بعد ست سنوات على نفس وتيرة السعة والعمق، فإنها سوف لا تنتهي بثورة، وإذا ما حدثت ثورة فإنها ستختلف كلياً وتؤدي إلى نتائج مغايرة. والسبب يعود إلى أنه بعد سنوات قليلة من ثورة 1979، تم تحول في النظام العالمي وإيران لا يمكنها إلاّ أن تتأثر به.
ففي عام 1985، وبعد خمس سنوات من سقوط نظام الشاه، قام غورباتشوف في الشرق، ورونالد ريغان والدول الغربية الحليفة بإصلاحات أدت إلى انتهاء الحرب الباردة، وهدأت موجة العنف والثورة في العالم الثالث، وبدأ عهد جديد ينهي نماذج الثورات الكلاسيكية كالثورة الفرنسية وثورة اكتوبر والثورة الصينية التي أدت إلى إنهيار الدول ثم تأسيس نظام جديد وجيوش حمراء ثورية.
فالصين ، وبعد وفاة ماو تسيتونغ ، استلم السلطة الاصلاحيون في الحزب بقيادة دين سياو بينغ ، في أواخر السبعينيات، وفُتحت بواباتهم المغلقة إلى الغرب والرأسمالية – التي كان من المقرر انهيارها حسب سياساتهم ، مما خلق تحولاً جذرياً.
فقد تخلى غورباتشوف عن سياسة المواجهة مع الغرب، وتبنى سياسة التعاون وتراجع عن الحسم الاشتراكي. وهكذا انهار النموذج المرغوب فيه للأحزاب اليسارية والاشتراكية الذي جذب نصف سكان العالم في أعقاب انهيار الكتلة الشرقية ، وأقر اليسار الإيراني بغالبيته في خطأ معتقداته.

وطرح ريغان مشروع “التكييف الهيكلي للاقتصاد» (أي الخصخصة) لتحل السيطرة الاقتصادية بدلاً عن السيطرة بالقوة العسكرية على حلفاء أمريكا عن طريق القضاء على الدكتاتورية العسكرية في هذه البلدان، والحد من موجة العنف. و تخلي اليسار عن الثورة ومعالجة حالة التشرد و تدمير هياكل ومؤسسات المجتمع وكسر احتكار السلطة، عبر التوجه صوب المشاركة في السلطة من خلال انتخابات حرة. في هذا الصدد، تم في بعض بلدان أمريكا اللاتينية استلام المعارضة لسلطة الدولة دون عنف و بشكل دوري. وجرى في بعض الحالات ،مثل الدكتاتورية العسكرية لماركوس في الفلبين ، أن قدم ريغان الدعم للمعارضة ، مما دفع ماركوس إلى الفرار خارج البلاد. وهكذا ولدت الديمقراطية في العالم الثالث. وكان من الممكن أن لا تحدث الثورة في ايران وأن يجري التحول فيها في ظل هذه الظروف الدولية الجديدة.
في سنوات عديدة سبقت ثورة 1979 ، قال السيناتور إدوارد كنيدي إن السياسة في إيران يمكن أن تؤدي رصاصة موجهة نحو رأس السلطة إلى الانهيار لأن كل السلطة كانت متمركزة بيد شخص واحد.

هذه الحقيقة المرة، أي دكتاتورية الشاه والمطالبة بتنحيته، يشكلان سبباً على إندلاع الثورة الإيرانية. ومن الممكن الاشارة أيضاً إلى اسباب مختلفة أخرى مثل الفساد واحتكار الثروة وهيمنة العائلة المالكة واسباب ثقافية وسياسية ودينية واقتصادية وهجرة القرويين إلى حواشي المدن … التي لعبت دوراً مهماً في اندلاع الثورة. ولكن عند التأمل في الظروف التي أوردها يرفاند أبراهاميان في كتابه المعنون “إيران بين ثورتين” يصف إيران: “إنها شهدت ثورة صناعية صغيرة ما بين عام 1961 و 1978 “. وكما أشار المسؤول السابق في عهد الشاه جهانگير أموزگارفي مذكراته :”أن النمو الاقتصادي كان استثنائياً في ايران في تلك السنوات، وخاصة وإن النمو الاقتصادي بلغ 10% في السنتين السابقتين لثورة 79، وهي نسبة لم تشهدها أية من المجتمعات. ويعود النمو السريع للاقتصاد إلى زيادة عائدات النفط، وبالتالي تأمين قوى العمل على مختلف المستويات – من الطبيب والمهندس والعامل إلى الشغيل. ويمكن للمرء أن يستنتج أن ظروف البلاد لم تكن ب الضرورة ألحدوث ثورة.
فلماذا وقعت ثورة 1979؟
العامل الرئيسي للثورة هو التحول المفاجئ في السياسة الأمريكية والضغط على الشاه لتنفيذ دعوات جيمي كارتر حول حقوق الإنسان ، وهي الدعوة التي أجبرت الشاه على فتح الفضاء السياسي المغلق في إيران. ومع ذلك ، فإن تردده وتأخره في مشاركة القوى السياسية المعارضة في السلطة، من جهة ، وعدم استغلال القوى السياسية لهذا الفضاء للمشاركة في المنافسات الانتخابية التي تهدف إلى الحفاظ على البنية القائمة من جهة أخرى، دفع بالمجتمع صوب ثورة كارثية.
لم يكن هناك أي شك في أن المجتمع كانت لديه جملة من المطاليب مثل حرية التعبير وحرية التجمع والأحزاب ، ولكن الثورة لم تحدث من أجل هذه المطالب التي لم ترفعها كل القوى المعارضة. لأنه مع تراجع الشاه وفتح الفضاء السياسي ، تم توفير الظروف إلى حد ما لمعالجة هذه المطالب ويمكن توفيرها أكثر من ذلك. إن المثال الرمزي للانفتاح في الفضاء السياسي هو برنامج “عشرة ليالي لقراءة الشعر في معهد گوته ” ، وهو مؤسسة تابعة لدولة غربية (ألمانيا)، و كانت فرصة للتعبير عن الرأي والنقد. ولكن اليسار رفع في تلك الليالي شعار اسقاط النظام دون النظر إلى آراء الفئات المختلفة وقدرتها والتي لها شعارات ومطالب قد لا ترقى إلى هذا الشعار، ناهيك عن عواقب رفع هذا الشعار ونتائجه. وفي ظل هذه الظروف والأجواء طرحت الأحزاب والتيارات الاجتماعية المختلفة شعارات الحد الأقصى، واتخذت الثورة أبعاداً أخرى حيث أستبدل شعار “الحرية” بشعار “الموت للشاه”. وأصبح لاحقاً شعار “الموت” لهذا وذاك الشعار الأصلي في ثقافة وسياسة الجمهورية الاسلامية الايرانية.
وهناك حقيقة أخرى مهمة هي أن آية الله الخميني ، قبل انتصار الثورة ، لم يطرح شعار تهديم بنية المجتمع. وقد سافر المهندس بازرگان إلى باريس واجتمع بآية الله الخميني واقنعه باستقبال شاهپور بختيار. ولكن بختيار قدم استقالته، وكلّف الخميمي المهندس بازركان بتولي رئاسة الوزراء. كما إن المحيطين للخميني لم يرتضوا بأقل من إزاحة الشاه ويرون المستقبل القريب لسقوطه ووقفوا مانعاً أمام تحقيق اقتراح المهندس بازركان. وفي الواقع أن الثوار، ومن ضمنهم اليسار، قاموا بمهاجمته لأن بختيار لم يكن يريد أن تمضي الثورة إلى حد تحطيم بنية المجتمع. ويتساءل المرء لماذا قامت دول أمريكا اللاتينية التي انخرطت في السابق في الكفاح المسلح، وحرب العصابات ضد الديكتاتوريات في الماضي، ولكنها وضعت السلاح جانباً وتبنت الاصلاح السياسي والمشاركة في الانتخابات، على عكس إيران،التي واجهت معارضة شديدة بينما كان الوضع الاقتصادي في إيران أفضل بكثير من الوضع في جميع دول أمريكا اللاتينية.
أحد الأسباب المهمة لذلك هو خصوصيات الظروف العالمية المختلفة وفي وقتين مختلفين ، والفرق بين مبدأ ريجان وكارتر. لقد ترك مبدأ كارتر خلفية الشاه خالية، بينما حول مبدأ ريغان نفوذ العتلة العسكرية في الحفاظ على المصالح الأمريكية في البلدان النامية إلى عتلة اقتصادية.
والسبب آخر هو أن سياسة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان دفعت الولايات المتحدة إلى الاعتقاد بأنه سيكون من الأفضل استخدام القوى الدينية المناهضة للشيوعية للتغلب على هذا التهديد السوفييتي. إذ كان قلق أمريكا أقل بشأن نمو التيار الديني.
والسبب الثالث هو وجود منظمة مدنية منظمة حاسمة بالكامل لرجال الدين (أي المساجد والجمعيات …) ، بينما لم تكن لم تكن هناك فرصة لتنظيم القوى الأخرى. وقد قارن آصف بيات بشكل صحيح الفرق بين الربيع في مصر والثورة الإيرانية ، حيث كانت الأولى حركة بدون ثورة في حين أن الثانية ثورة بدون حركة. (لقد استمرت حركة التضامن في بولندا لأكثر من عقد من الزمان لتؤدي إلى انهيار الدولة الاشتراكية ؛ وهي فرصة توفرت للقوى السياسية كي تنظم نفسها).
السبب الرابع هو أن إصرار القوى اليسارية على مواجهة الإمبريالية الأمريكية و “الرأسمالية الكومبرادورية” كقاعدة وحليف للامبريالية قادها إلى التوليف مع شعار الخميني ” المعادي للحضارة الغربية”.
لماذا وافق الشاه على سياسة كارتر؟
وفقا لعقلية محمد رضا شاه، فأنه لا يمكن البقاء على عرش البلاد بدون الدعم الأمريكي له. وكان يحشى أن يُدبر انقلاب ضده. فهو يدرك دور القوات الأجنبية في تمكين وإزاحة والده رضا شاه، ودور أمريكا في انقلاب 28 أب 1953 من أجل استعادة سلطنته، وما تبعه من ضغوط أيزنهاور، رئيس أمريكا الجمهوري، الذي التقى به بضع ساعات في طريق عودته من الهند في 1956، الذي أصر على مشاركة المعارضة في السلطة، وتصميم جون كندي في نهاية المطاف على اجراء إصلاحات سياسية واقتصادية في الستينيات، والدعم الذي وعد به جيرالد فورد المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري للشاه، مما دفع الشاه إلى السير في طريق تنفيذ سياسة كارتر، دون أن يطرح خطة انتقالية متماسكة صوب الديمقراطية ومشاركة المعارضة.
ماهي الأهداف والشعارات الاصلية للثوار؟
لم تكن أهداف الثورة هي نفسها عند جميع القوى. كانت هناك رغبة مشتركة سلبية ، وهي ما لا تطالب به ، وهناك بعض المطالب المتشابهة الايجابية، وهذا هو ما لا تطالب به. لقد كان اسقاط نظام الشاه مطلب سلبي عام تبلور في شعار الخميني “كلنا سوية”. لكن لم يكن هناك اتساق للمطالب الإيجابية.
كان الطلب الأول لرجال الدين ، وشخص الخميني ، هو تقييد الشاه في الإطار القانون الأساسي للمشروطة وتطبيق بعض مبادئ الفقه الإسلامي. ولكن مع الإطاحة بالشاه غلب على المجتمع شعار أسلمة المجتمع، وحول رجال الدين ذلك إلى واقع عملي في الإدارات والجامعات ووسائل الإعلام والقضاء، وفي جميع المؤسسات الرسمية ، وفرضت قوانين على المجتمع تبيح الجلد وبتر الأطراف ، وبلغ الأمر حداً بأن الخميني لم يتردد في نصب المشانق لكل من يطالب بتطبيق شعارات الثورة ….. شعار “الحرية”.
ويمكننا ان نقول ان الشعارات الرئيسية للثورة على نقيض من مطاليب القوى الدينية ، كما رفعت بعض الأحزاب والمنظمات في اليسار شعار ديكتاتورية البروليتاريا ، وما يسمى بدولة كل الشعب والاشتراكية (العدالة الاجتماعية) ؛ المطلب الذي لم يتم تحقيقه ، وتم قمع المطالبين والمؤيدين له بقوة جديدة وعنيفة. إن شعار “الحرية” و “الاستقلال” لم يستمر رفعهما سوى بضعة أشهر، وتغير مكانهما وغُلق ملف هذا الشعار مع الاستفتاء على الجمهورية “اسلامية أم لا”. وسطت القوى الاحتكارية على السلطة واعتبرت أن “الحرية” هي ظاهرة غربية متعارضة مع الاسلام حيث أنها تشيع الفساد والاخلاق السيئة، في مسعى لتعبئة ت الجماهير المتعصبة وغير الواعية للانتفاض على هذه الشعارات. هذا في حين أن أنصار هذه الدعوات كان لهم مطلق الحرية في التعبير أو في العمل.
إن ايمان القوى اليسارية بديكتاتورية البروليتاريا كانت أيضا تتناقض مع الحرية. كان مطلبهم المركزي ليس “الحرية” ، ولكن العدالة. ولا يعتبر اليسار بأن “الحرية” هي ضرورة أساسية لتحقيق العدالة.
وكان شعار “الاستقلال” شعاراً غير أساسي وضروري تطرحه قوى معادية للغرب ومناهضة للرأسمالية. في حين أن إيران لم تكن دولة مستعمرة أو تحت سيطرة القوة الأجنبية كي ترفع شعار الاستقلال. إذن ما مغزى رقع شعار الاستقلال؟
إن الاتجاه الحقيقي لنمو الاقتصاد الصناعي الفتي الإيراني هو أن يتحقق عبر التعامل مع الدول الغربية المتقدمة ، شأنها في ذلك شأن العديد من الدول النامية الأخرى ، التي استفادت من العلم والتكنولوجيا ورأس المال والسوق الغربية ، وهي اليوم تقف في موقع تصنيع وتصدير الصناعات المنافسة للغرب و لقد أصبحت من الدول الثري’ . ومن هذه النماذج: اليابان وكوريا الجنوبية والبرازيل … والصين . ومن الخطأ اعتبار هذه الدول قواعد للامبريالية الامريكية. إن قوى المعارضة تنظر بهذا المنظار في رفع شعار استقلال ايران.
هذه النظرة تتأثر بـ” نظرية التبعية” أو “النمو التابع” لمنظري أمريكا اللاتينية ، الذين يستلهمون من أطروحة لينين عن “الإمبريالية ، أعلى مرحلة رأسمالية” ، التي طواها التاريخ بعد انهيار الكتلة الشرقية. هناك حاجة إلى نظرة ايجابية لعملية انتاج الصناعة المحلية ، لأنه وببساطة فإن جزءاً من التكنولوجيا المطلوبة ينبغي استيرادها من الخارج ، والتي ينظر إليها كصناعة تابعة وغير مستقلة.
إن بلداً متخلفاً ، مثل إيران ، لم يكن لديه الحكمة بالإستفادة من تكنولوجيا الغرب لدوران عجلة الصناعة الخاصة به. هذه السياسة مازالت سائدة حتى الآن. وإذا ولم يتم التخلي عن السياسة الأولية ، ولذا لا تتمكن إيران اليوم تصدير المنتجات الصناعية شأنها في ذلك شأن كوريا الجنوبية والصين.
إن أكبر خطأ ارتكبه اليسار ، يعود إلى النظرة القاصرة تجاه ضرورة العلاقات العلمية والتكنولوجية والتجارية الدولية، هذه النظرة وقفت سداً أمام تنمية البذور الفتية للصناعة الحديثة بذريعة كونها صناعة مونتاج وتملكها البرجوازية التابعة. ولذا طالب اليسار بإزالتها والتوجه نحو تقوية “البرجوازية الوطنية”. وفي الواقع أن اليسار يعارض الرأسمالية ويطالب بتصفيتها وحذفها من تاريخ تحول المجتمع وتقدمه.
لقد طالب بعض اليساريين، على نحو خاطئ ، بالقفز على الاقتصاد المتخلف للزراعة والسوق والانتقال مباشرة إلى الاشتراكية. وهناك نظرية لأحد منظري الحزب الشيوعي السوفييتي تحت عنوان”التطور اللارأسمالي” وكانت مشروعاً مصمماً للبلدان المتخلفة، مثل أفغانستان وإثيوبيا واليمن، في الوقت الذي تعيش هذه البلدان في المراحل الأولية من التنمية. فالقوى المنتجة لم تنمو بعد وتعيش غالبية سكان هذه البلدان في الجهل والأمية وتسود فيها العلاقات الرعوية والقبلية.
اتحد في هذه الأخطاء الخطيرة والأيديولوجية جزء كبير من اليسار الملتزم، واتبع سياسة العداء للغرب وضد القيم المذهبية لقيادة آية الله الخميني.
عندها حولت الجمهورية الإسلامية شعار “الاستقلال” إلى شعار “لا شرقية ، لا غربية” ، والذي أدى عملياً إلى عزل إيران عالمياً وحرمها من سياسة استيراد الباب المفتوح للبضائع ، وتعطل الإنتاج المحلي. هذه السياسة التي كانت لصالح البازار الحليف الرئيسي والتاريخي لرجال الدين.
لماذا استلم رجال الدين السلطة ؟
إن سر النصر في أي ثورة أو حركة اجتماعية هو وجود التنظيم والقيادة. وهناك ثلاثة أنواع من التنظيمات التي يمكنها أن تقدم الخدمة للثورة أو لأي تحول اجتماعي – سياسي وهي : التنظيم الحزبي ، المجتمع المدني والنقابات.
في بداية الثورة ، لم تكن هناك منظمة حزبية ومهنية مستقلة قوية. واقتصرت التنظيمات المستقلة والفعالة الشاملة في البلاد على التنظيمات التقليدية والمدنية الدينية التي تشرف على آلاف المساجد والحسينيات والحوزات ولها آلاف الناطقين بإسمها ويربطها بجماهير الشعب. ونتيجة لذلك يصبح الفرد العادي بنحو تقليدي عضو فعال في هذه التنظيمات المدنية ويشترك طوعياً في طقوسها ومناسكها والدعاية للمبادئ الايمانية. إن التغيير الذي كان من الواجب تحقيقه هو تحويل هذه التنظيمات المدنية إلى تنظيمات سياسية في ظل وجود قيادة لها وتنظيم هرمي، الذي تحقق في المرحلة الأولى من الثورة بقيادة آية الله الخميني، رجل الدين المبعد والمعارض. ولم تتمتع أية قوة أخرى حتى بجزء يسير من هذه السمات. وليس من باب الصدفة أن يحذر بيژن جزني، زعيم منظمة فدائيي خلق، قبل خمس سنوات من إندلاع ثورة عام 1979 أن على القوى السياسية أن تنظر بجدية إلى خطر الخميني.
في العادة مع نمو الحركات الاجتماعية، فإن التنظيمات المدنية التي تتباين مع المنظمات الحزبية والحركات الاجتماعية، تتخذ سمات سياسية. مثل هذا الأمر حدث في بولندا ودول أمريكا اللاتينية، بمعنى أن الكنائس غير السياسية وفي ظل تنامي الحركات الاجتماعية تتحول إلى سياسية وتتحد معها.
في البداية نظر آية الله الخميني بعين الشك إلى مبدأ حقوق الانسان الذي طرحه كارتر وانفتاح الأجواء السياسية في أيران، وأصدر بياناً اعتبر ذلك مؤامرة أمريكية. ولكن عند عقد الأمسيات الشعرية في معهد غوته في طهران، والاحتجاجات اللاحقة في الجامعة، وموقف قوات الأمن السلبية، نشر الخميني بياناً آخراً له بأن يؤخذ على محمل الجد مبدأ كارتر لحقوق الإنسان وانفتاح الأجواء السياسية وحذر من موقف رجال الدين التقليديين اللامبالي، فإن الشيوعيين سيستلمون السلطة.
وبهذه الطريقة الاستفزازية، وشيئا فشيئا، انضمت المجموعات الدينية إلى الاحتجاجات وتحولت شبكة واسعة من المجتمع المدني في الحوزات والمساجد إلى حزب سياسي في أنحاء البلاد، في ظل قيادة كاريزماتية وبناء هرمي يضم آلاف الأعضاء المستعدين للنشاط، وتحولت المعتقدات الدينية إلى ايديولوجية سياسية للثورة. ولجأت بعض القوى القومية واليسار أيضاً إلى الالتحاق بالإصلاحيين القوميين مثل شاهبور بختيار وقبلوا بقيادة الخميني وقدموا الدعم له ونسقوا بين سياستهم وسياسته. وهكذا تسلم رجال الدين قيادة الثورة ثم قيادة النظام القادم.
لماذا تتعارض شعارات الثورة وأهدافها مع نفسها عملياً؟
الإجابة على هذا السؤال يعود بنا إلى القرارات التي اتخذها مجموعتان من الكتل الدينية والعسكرية والمراكز الأمنية. إن السلطة المطلقة لهاتين المجموعتين ، لا تخضع للمساءلة أمام المجتمع ، وأدى ذلك إلى عواقب مدمرة ومكلفة ، ويمكن أن تكون لوحدها السبب الرئيس في عدم تحقيق شعارات الثورة.
إن نمو وتقدم أي مجتمع في جميع المجالات يحتاج إلى وجود شخصيات قيادية في المجتمع. فلا يستطيع المجتمع النمو والتقدم في ظل غياب اصحاب العلم والمعرفة والإداريين المهرة والمبتكرين والمبدعين الصناعيين والمخترعين والقادة المتعلمين وخريجي الدورات العسكرية والفنانين والكتاب والفلاسفة وجميع النساء والرجال الموهوبين وطلائع المجتمع الذين ينظرون إلى المسقبل. ولا ينبغي على المجتمع تجاهل الحضور الضروري لهذه الفئات. فالمجتمعات التي اعترفت بقدر ومنزلة هذه النخب وقدمت لها الدعم ، حققت نجاحات بارزة.. إن إحدى اسباب التقدم الكبير الذي أحرزته الولايات المتحدة هو جذبها لنخبة المجتمعات الأخرى من جميع أنحاء العالم ، وإن أحد أسباب تخلف مجتمعات مثل إيران هو هروب هذه النخب، أي أكبر ثروة وطنية.
عندما يتم السيطرة على المجتمع من قبل الشعبويين ومثيري الجماهير المتعصبة قليلة المعرفة والوعي ، ينحدر المجتمع إلى منحدر خطير. وأصبحت المشكلة في ايران أكبر من ذلك. فالقوى التي تولت الحكم بفعل الدعم الجماهيري مارست أسلوب التصفيات الجسدية ضد النخب الاجتماعية من أجل الاحتفاظ بموقعها الاحتكاري، واضطرت هذه النخب إلى المكوث في منازلها أو إلى الهروب خارج البلاد. وفي ظل غياب الفئات الواعية في المجتمع ، يغدو من السهولة بمكان أثارة الجماهير. ولم تكتف السلطة بهذا القدر، فعملت على تنظيم مجاميع تحت غطاء شعبي في كل مكان من أجل القضاء على النخب المجتمعية والفئات الواعية في المجتمع. لذا فإن إنعدام الأمن في المجتمع قلل من حضور النخب المجتمعية إلى حد أن راح التلاميذ الذي تتلمذوا على يد رجال الدين بالانصياع إلى الحكم كي يستفيدوا من الامتيازات المالية والقانونية .
وعلى نطاق أوسع، فإن الحكومة ، وبدلاً من السعي لتحقيق الوحدة الوطنية والتضامن ، فإنها راحت تعمق الانقسام في المجتمع إلى قسمين: موالي للحكم وغير موالي له. ووأعطت الامتيازات غير المتوقعة إلى الموالين ، وحُرم غير الموالين من حقوق الانسان والمواطنة.
وفي جميع هذه الأحوال ، بما أن هؤلاء يمتلكون سلطة اتخاذ القرار فإنهم لا يستجبوا على أفعالهم ، وغدا استخدام القوة والعنف من أجل البقاء في الحكم هي السياسة السائدة للحكام.
وفي ظل الأجواء الحافلة بالرعب والعنف ، وفي ظل غياب النخب الاجتماعية ، يصبح من غير الممكن تحقيق وحماية الحرية وشعارات الثورة الأخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتور كاظم علمداري كاتب وعالم اجتماع واستاذ في جامعة كاليفورنيا. كتب العديد من الكتب في علم الاجتماع والارهاب والاقتصاد السياسي ودور الأديان في المجتمعات والحركات الاجتماعية. اكمل دراسته في جامعة طهران في فرع علم النفس والتحق باحدى الجامعات الامريكية في فرع ادارة التعليم، ثم حصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة ألينوي.

About عادل حبه

عادل محمد حسن عبد الهادي حبه ولد في بغداد في محلة صبابيغ الآل في جانب الرصافة في 12 أيلول عام 1938 ميلادي. في عام 1944 تلقى دراسته الإبتدائية، الصف الأول والثاني، في المدرسة الهاشمية التابعة للمدرسة الجعفرية، والواقعة قرب جامع المصلوب في محلة الصدرية في وسط بغداد. إنتقل الى المدرسة الجعفرية الإبتدائية - الصف الثالث، الواقعة في محلة صبابيغ الآل، وأكمل دراسته في هذه المدرسة حتى حصوله على بكالوريا الصف السادس الإبتدائي إنتقل إلى الدراسة المتوسطة، وأكملها في مدرسة الرصافة المتوسطة في محلة السنك في بغداد نشط ضمن فتيان محلته في منظمة أنصار السلام العراقية السرية، كما ساهم بنشاط في أتحاد الطلبة العراقي العام الذي كان ينشط بصورة سرية في ذلك العهد. أكمل الدراسة المتوسطة وإنتقل إلى الدراسة الثانوية في مدرسة الأعدادية المركزية، التي سرعان ما غادرها ليكمل دراسته الثانوية في الثانوية الشرقية في الكرادة الشرقية جنوب بغداد. في نهاية عام 1955 ترشح إلى عضوية الحزب الشيوعي العراقي وهو لم يبلغ بعد الثامنة عشر من عمره، وهو العمر الذي يحدده النظام الداخلي للحزب كشرط للعضوية فيه إعتقل في موقف السراي في بغداد أثناء مشاركته في الإضراب العام والمظاهرة التي نظمها الحزب الشيوعي العراقي للتضامن مع الشعب الجزائري وقادة جبهة التحرير الجزائرية، الذين أعتقلوا في الأجواء التونسية من قبل السلطات الفرنسية الإستعمارية في صيف عام 1956. دخل كلية الآداب والعلوم الكائنة في الأعظمية آنذاك، وشرع في تلقي دراسته في فرع الجيولوجيا في دورته الثالثة . أصبح مسؤولاً عن التنظيم السري لإتحاد الطلبة العراقي العام في كلية الآداب والعلوم ، إضافة إلى مسؤوليته عن منظمة الحزب الشيوعي العراقي الطلابية في الكلية ذاتها في أواخر عام 1956. كما تدرج في مهمته الحزبية ليصبح لاحقاً مسؤولاً عن تنظيمات الحزب الشيوعي في كليات بغداد آنذاك. شارك بنشاط في المظاهرات العاصفة التي إندلعت في سائر أنحاء العراق للتضامن مع الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي الإسرائيلي- الفرنسي البريطاني بعد تأميم قناة السويس في عام 1956. بعد انتصار ثورة تموز عام 1958، ساهم بنشاط في إتحاد الطلبة العراقي العام الذي تحول إلى العمل العلني، وإنتخب رئيساً للإتحاد في كلية العلوم- جامعة بغداد، وعضواً في أول مؤتمر لإتحاد الطلبة العراقي العام في العهد الجمهوري، والذي تحول أسمه إلى إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية. وفي نفس الوقت أصبح مسؤول التنظيم الطلابي للحزب الشيوعي العراقي في بغداد والذي شمل التنظيمات الطلابية في ثانويات بغداد وتنظيمات جامعة بغداد، التي أعلن عن تأسيسها بعد إنتصار الثورة مباشرة. أنهى دراسته الجامعية وحصل على شهادة البكالاريوس في الجيولوجيا في العام الدراسي 1959-1960. وعمل بعد التخرج مباشرة في دائرة التنقيب الجيولوجي التي كانت تابعة لوزارة الإقتصاد . حصل على بعثة دراسية لإكمال الدكتوراه في الجيولوجيا على نفقة وزارة التربية والتعليم العراقية في خريف عام 1960. تخلى عن البعثة نظراً لقرار الحزب بإيفاده إلى موسكو-الإتحاد السوفييتي للدراسة الإقتصادية والسياسية في أكاديمية العلوم الإجتماعية-المدرسة الحزبية العليا. وحصل على دبلوم الدولة العالي بدرجة تفوق بعد ثلاث سنوات من الدراسة هناك. بعد نكبة 8 شباط عام 1963، قرر الحزب إرساله إلى طهران – إيران لإدارة المحطة السرية التي أنشأها الحزب هناك لإدارة شؤون العراقيين الهاربين من جحيم إنقلاب شباط المشؤوم، والسعي لإحياء منظمات الحزب في داخل العراق بعد الضربات التي تلقاها الحزب إثر الإنقلاب. إعتقل في حزيران عام 1964 من قبل أجهزة الأمن الإيرانية مع خمسة من رفاقه بعد أن تعقبت أجهزة الأمن عبور المراسلين بخفية عبر الحدود العراقية الإيرانية. وتعرض الجميع إلى التعذيب في أقبية أجهزة الأمن الإيرانية. وأحيل الجميع إلى المحكمة العسكرية في طهران. وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات، إضافة إلى أحكام أخرى طالت رفاقه وتراوحت بين خمس سنوات وإلى سنتين، بتهمة العضوية في منظمة تروج للأفكار الإشتراكية. أنهى محكوميته في أيار عام 1971، وتم تحويله إلى السلطات العراقية عن طريق معبر المنذرية- خانقين في العراق. وإنتقل من سجن خانقين إلى سجن بعقوبة ثم موقف الأمن العامة في بغداد مقابل القصر الأبيض. وصادف تلك الفترة هجمة شرسة على الحزب الشيوعي، مما حدى بالحزب إلى الإبتعاد عن التدخل لإطلاق سراحه. وعمل الأهل على التوسط لدى المغدور محمد محجوب عضو القيادة القطرية لحزب البعث آنذاك، والذي صفي في عام 1979 من قبل صدام حسين، وتم خروجه من المعتقل. عادت صلته بالحزب وبشكل سري بعد خروجه من المعتقل. وعمل بعدئذ كجيولوجي في مديرية المياه الجوفية ولمدة سنتين. وشارك في بحوث حول الموازنة المائية في حوض بدره وجصان، إضافة إلى عمله في البحث عن مكامن المياه الجوفية والإشراف على حفر الآبار في مناطق متعددة من العراق . عمل مع رفاق آخرين من قيادة الحزب وفي سرية تامة على إعادة الحياة لمنظمة بغداد بعد الضربات الشديدة التي تلقتها المنظمة في عام 1971. وتراوحت مسؤولياته بين منظمات مدينة الثورة والطلبة وريف بغداد. أختير في نفس العام كمرشح لعضوية اللجنة المركزية للحزب إستقال من عمله في دائرة المياه الجوفية في خريف عام 1973، بعد أن كلفه الحزب بتمثيله في مجلة قضايا السلم والإشتراكية، المجلة الناطقة بإسم الأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية، في العاصمة الجيكوسلوفاكية براغ. وأصبح بعد فترة قليلة وفي المؤتمر الدوري للأحزاب الممثلة في المجلة عضواً في هيئة تحريرها. وخلال أربعة سنوات من العمل في هذا المجال ساهم في نشر عدد من المقالات فيها، والمساهمة في عدد من الندوات العلمية في براغ وعواصم أخرى. عاد إلى بغداد في خريف عام 1977، ليصبح أحد إثنين من ممثلي الحزب في الجبهة التي كانت قائمة مع حزب البعث، إلى جانب المرحوم الدكتور رحيم عجينة. وأختير إلى جانب ذلك لينسب عضواً في سكرتارية اللجنة المركزية ويصبح عضواً في لجنة العلاقات الدولية للحزب. في ظل الهجوم الشرس الذي تعرض له الحزب، تم إعتقاله مرتين، الأول بسبب مشاركته في تحرير مسودة التقرير المثير للجنة المركزية في آذار عام 1978 وتحت ذريعة اللقاء بأحد قادة الحزب الديمقراطي الأفغاني وأحد وزرائها( سلطان علي كشتمند) عند زيارته للعراق. أما الإعتقال الثاني فيتعلق بتهمة الصلة بالأحداث الإيرانية والثورة وبالمعارضين لحكم الشاه، هذه الثورة التي إندلعت ضد حكم الشاه بداية من عام 1978 والتي إنتهت بسقوط الشاه في شتاء عام 1979 والتي أثارت القلق لدي حكام العراق. إضطر إلى مغادرة البلاد في نهاية عام 1978 بقرار من الحزب تفادياً للحملة التي أشتدت ضد أعضاء الحزب وكوادره. وإستقر لفترة قصيرة في كل من دمشق واليمن الجنوبية، إلى أن إنتدبه الحزب لإدارة محطته في العاصمة الإيرانية طهران بعد إنتصار الثورة الشعبية الإيرانية في ربيع عام 1979. وخلال تلك الفترة تم تأمين الكثير من إحتياجات اللاجئين العراقيين في طهران أو في مدن إيرانية أخرى، إلى جانب تقديم العون لفصائل الإنصار الشيوعيين الذين شرعوا بالنشاط ضد الديكتاتورية على الأراضي العراقية وفي إقليم كردستان العراق. بعد قرابة السنة، وبعد تدهور الأوضاع الداخلية في إيران بسبب ممارسات المتطرفين الدينيين، تم إعتقاله لمدة سنة ونصف إلى أن تم إطلاق سراحه بفعل تدخل من قبل المرحوم حافظ الأسد والمرحوم ياسر عرفات، وتم تحويله إلى سوريا خلال الفترة من عام 1981 إلى 1991، تولى مسؤلية منظمة الحزب في سوريا واليمن وآخرها الإشراف على الإعلام المركزي للحزب وبضمنها جريدة طريق الشعب ومجلة الثقافة الجديدة. بعد الإنتفاضة الشعبية ضد الحكم الديكتاتوري في عام 1991، إنتقل إلى إقليم كردستان العراق. وفي بداية عام 1992، تسلل مع عدد من قادة الحزب وكوادره سراً إلى بغداد ضمن مسعى لإعادة الحياة إلى المنظمات الحزبية بعد الضربات المهلكة التي تلقتها خلال السنوات السابقة. وتسلم مسؤولية المنطقة الجنوبية حتى نهاية عام 1992، بعد أن تم إستدعائه وكوادر أخرى من قبل قيادة الحزب بعد أن أصبح الخطر يهدد وجود هذه الكوادر في بغداد والمناطق الأخرى. إضطر إلى مغادرة العراق في نهاية عام 1992، ولجأ إلى المملكة المتحدة بعد إصابته بمرض عضال. تفرغ في السنوات الأخيرة إلى العمل الصحفي. ونشر العديد من المقالات والدراسات في جريدة طريق الشعب العراقية والثقافة الجديدة العراقية والحياة اللبنانية والشرق الأوسط والبيان الإماراتية والنور السورية و"كار" الإيرانية ومجلة قضايا السلم والإشتراكية، وتناولت مختلف الشؤون العراقية والإيرانية وبلدان أوربا الشرقية. كتب عدد من المقالات بإسم حميد محمد لإعتبارات إحترازية أثناء فترات العمل السري. يجيد اللغات العربية والإنجليزية والروسية والفارسية. متزوج وله ولد (سلام) وبنت(ياسمين) وحفيدان(هدى وعلي).
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

One Response to الثورة الايرانية بعد اربعين عاماً

  1. س . السندي says:

    بالحقيقة هذه لم تكن ثورة بل كارثة على ألايرانيين والمنطقة ، بدليل المجازر التي ارتكبها نظام الخميني العفن بحق شبابها والدمار الذي حل بالمنطقة بسبب تدخلات سلفه الخرف خامنئي ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.