الثقافة والاختزال

صورة قديمة للقدس – بين 1800 الى 1900 م

جمال شحود رضوان
شاعر وناثر

بقلم: جمال رضوان
هناك ملمحٌ ثقافيٌّ يبدو أنّه سَيسود طويلاً، في التركيبة الاجتماعية، وتالياً الثقافية عموماً، وفي اتجاهٍ ذو معالم رخوة وزلقة على وجه الخصوص، ويتيح في إقامة التعارض والتقابل على أساسٍ ماديٍّ، يعيد الظواهرَ إلى نوياتها الأولى، ويُحدث حالة من التشويش وتحولاتٍ في ما ينعت بالشبهة لغياب الدارس الجاد والموضوعي لأيّ تعريةٍ أو كشفٍ لآليات حراكها الداخلي, وعلاقات تمظهرها بالخارج. ومن دون الانشغال بمسألة التعميم والاطلاقية، ما يشغلنا هنا فهم هذه الثقافة، أي محاولة الكشف عن بعض سمات الانزلاق والقولبة الثقافيّةُ، إنْ لم يكن برمّتها؛ تلك الثقافة لا بانقسامها فحسب، وإنما ارتهانها المقيت للإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ومنهجها وسيرورتها.

لا بدّ من القول إنّ الدراسة والتناول البحثي لا يحتاجان إلى أن يبرّرا عملهما بقدر اقترابهما من القراءة الجيدة لمضمون القراءة، أو من اتجاهٍ فكري يُولي الثقافةَ دورًا مركزيًّا في وصفها القوّةَ المحرِّكةَ والناظمة للشأن الإنساني، على ألَّا تُفهَمَ الثقافة فقط مجموع ما تبثه البنية الفوقية وفنونًا أنتجتها القوى الفاعلة في المجتمع فحسب، بل يتشارك معها طرائقَ حياة تركيبتهم الاجتماعية المختلفةِ ودور كلٍ منهم في إدارة تلك العجلة، وما تقيمه هذه التركيبة من علاقاتٍ متباينةٍ مع التراث والحاضر والمستقبل ومع ذواته. وإذ تشير الثقافاتُ إلى أنماط حياتيّة محدّدة، فإنّها تغدو مقترنةً أشدَّ الاقتران بالهويّات وأفخاخها.

ومن الجلي أنّ الهويّة لا تقتصر على ما يَجْمع، بل تطال أيضًا ما يفرِّق ويُقِيم الاختلافَ والخلافَ الجوهري الذي تستند إليه التركيبة الاجتماعية. وبذلك، تغدو محددات الهويّةُ والثقافة فهماً تتوارى بين ثنياته سلبيّةٌ مؤذيةٌ بل وقاتلةٌ، يمكن أن تُقصي وتستبعد الآخر وتطْلقَه التصنيفات والتنضيدات على كافة التركيبات الاجتماعية المتعايشة على حيز مكاني.

إذاً، المنتج الثقافي، على هذا الأساس، هو منظور يعيدُّ الظواهرَ الاجتماعية كافةً إلى تقاليدٍ ثقافيّةٍ معيّنةٍ؛ وربّما تُرجِعُها، في النهاية، إلى تصور وفهم عن الكون، وتواكبها جملة من الطقوس والعادات تُرى على أنّها القوّةُ الفاعلة الأولى التي تفسِّر كلًّا من التاريخ والاجتماع وتمسك بتلابيبه. حيث أنّ حالة الثقافة، المرتكزة بشكلٍ مكثف على ورشة اللغة وضجيجها؛ أضحت مبسْترة ورهينةَ وسائل التواصل الاجتماعي بتلاوينها وسرعة دورانها ومقدرتها الداخلية على النفوذية والانتشار، بل وقدرتها على اختراق، ليس الحدود القومية كسلعةٍ لها حضور، وإنما سعت وتسعى لإنتاج قولبة ثقافية وانتاج ورشةَ عملها ولاسيما في مجالات ومناحي عديدة ومتنوعة في المنتوج البشري وقد يتخطى أكثر ممّا ذكر، من هذه المناحي؛ اقتصادية وسلوكية وفنية.

بيد أنّ الجانب الذي نتقصّى عنه قد بلغ هذا المستوى من التكثيف والابتسار والسطحية في معالجة القضايا الملحّة والضاغطة اجتماعياً، بعد أنْ مرّ في العديد من التدرجات والانعطافات، وفي الكثير من المراوحة أحياناً، كي يتسنى له النفاذ تحت جملة من الذرائع ؛ أنّ الزمن آخذٌ بالانكماش و لم يعد يحتمل هذا الفيض اللامتناهي من المنتج الثقافي، وأنّ متطلبات الاستهلاك لا تبيح الإسراف بالوقت لصرفه في تلقف ومتابعة ما ينتج، وإنّ الرتابة والفراغ الذي كان متاحاً فيما سبق من الزمن، الآن لن تجد أحد لديه الوقت والمزاج في المتابعة ، من جانب، ومن جانب آخر ليس بميسور المرء الدخول في حالة من التحدّي والمنازلة للمنتج الثقافي ومقارعته، والجلوس معه ومواجهته؛ فلن تجد قارئاً يملك صبراً كي يُقلب العديد من الصفحات مع تراجع دور الثقافة والسينما أو انعدامها، ولن تجد أبداً قارئاً سخياً يسفح كل الوقت؛ إنه زمن الوجبات السريعة التي يتناولها وهو يزاول أي عمل من دون أن تغرقه في متاهة البحث والتقصي وحك الذهن.

تالياً، ما تقدم هي حالة ثقافية نطلق عليها اصطلاحاً “ثقافة العسرة”. حقاً لقد ولجنا في علاقة ارتهانٍ ثقافيٍّ ضمن نسقٍ مفاهيميٍّ وحياتيٍّ، يزودنا بالمهارات اللغوية والفكرية والسلوكية، إضافةً لما تقوم به وسائل الإعلام والدور الخفي الذي كانت تلعبه. إضافة إلى ذلك، حلت الآن وسائل التواصل الاجتماعي الآخذة بالتوسع والتمدد مع حفظ الفارق بين الأداتين، مع كل ما يُسجل من ملاحظاتٍ على الإعلام. وما يلفت الانتباه له أن وسائل التواصل الاجتماعي التي تعتمد التكثيف والابتسار ترمي هنا إلى تقديم القيم الثقافية والإبداعية على شكل كبسولات معرفية وتُأخذ دفعةً واحدةً ومن دون شرح واضح.

بالتالي ما يُسفح من كتاباتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي يعدُّ محنةً حقيقيةً تواجه، ليس المجتمع وحسب، إنّما الفاعلين الحقيقين في الحقل الثقافي، وبشكل أخص الحقل الإبداعي اليوم. ونأمل التوصل لجملة من القواعد الجديدة لصياغة أدواتٍ ومنهجيةٍ جديدةٍ تكفل للمنظرين والمثقفين تقديم تخطيطات تعالج ما تقدم كمعين للكاتب والمتلقي السلبي، ورفد الثقافة بجداول ومنابع كامنة في بنى المجتمع. مع محاولة كل من الكاتب والمتلقي (القارئ) ردم الفجوة التي تزداد اتساعاً بينهما، آخذين بعين الاعتبار أنّ القارئ لا يُمكنه التفاعل مع هذه الكارثة، وذلك لأكثر من سبب. فالقارئ هو في تراجع في العالم بشكلٍ عام وبشكلٍ كارثي في العالم العربي، وأحياناً هو غير متوافر، وهنا تكمن أهمية الجهد الذي يبذله الكاتب لإعانة القارئ على تناول نصٍّ أو مناقشته، الذي تقف همومه وشواغله عائقاً أمام هذه المهمة.

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.