التّنوير الراديكالي: افتتاحية، تقريظ سبينوزا

يزيد القرطاجني ‎

لو قُدّر لذاك الرّجل الشّهير، الضّحُوك من كُلّ أمْر، أن يعيش في زماننا هذا. لمات، بلا ريْب، من فرْط الضّحك…” سبينوزا، رسالة إلى أوندُنمبورج.

يتقصّى جونثان إزرائيل، على نحو حثيث عميق، أصول التّنوير (والأسُس الفلسفية للدّيمقراطيّة الحديثة)، توجّهاته وخُطوطه الكبرى، نِزاعاته وتعثّراته، أزمات الوعي الأوروبي وقضاياه الفكرية المتحوّلة…مُجلّد ضخم من أربعة أجزاء، يشْرع، بداية، في رفع لُبْس تاريخيّ ويُحطّم نرجسيّات كاذبة صُنّفت في أعلى سُلّم مُنظّري الأنوار ، يُعرّي فِرْيةٌ إمبراطوريّتين استعماريّتين استحوذتا على العالم وعلى كتابة التّاريخ، وبخاصّة تاريخ الأفكار. يُبيّن كيف أصبح الأصل هامشا، والهامش بات أصلا… يضبط ويُعيد ترتيب الأدوار، والمقامات، والمنازل، والرُّموز… والحقُّ أنّه، لا لوك ولا فولتير، لا نيوتن ولا مونتسكيو… في البدء كان سبينوزا: ” المغْضُوب عليه أوّلا و آخرا”، “العارُ والفضيحة والتّهمة”، “الملعون متى أصبح و الملعون متى أمسى، الملعون في دخوله، والملعون عند خروجه، الملعون أبدا…”(أمر الاقصاء من اليهوديّة المؤرّخ في 26 جويلية 1656)، اللّحظة الفارقة، ولحظة موْلد الحداثة. الحدث القادح الذّي سيترتّب عليه تشكّل خطٍّ تنويريّ راديكاليّ سيمثّله أيّما تمثيل، السّبينوزيّون:” لينهوف، لوكاس، بولنفيليي، موسيس جرمانوس، طولند…وآخرون”، ومن ثمّة وبالتّوازي: “بيير بايل، ودنيس ديدرو، ودُولباخ”. أسماء هُمّشت وقُوبلت بالجُحود والنُّكْران ـ والحال أن نظرة سطحيّة عابرة لما خطّه هؤلاء كفيلة بأن تُفصح عن مدى جذريّة وجدّة تصوّراتهم ـ هُمّشوا لحساب” خطّ تنويريّ ثانٍ، ثانويّ”، ليّن وشعبويّ، متردّد ومُهادن، مثّله كُلّ من: ” لوك ونيوتن في إنجلترا، وفولتير ومنتسكيو في فرنسا، وطوماسيوس فُولف في ألمانيا وآخرون في إسبانيا وهُولندا…”وليتذكّر، عندئذ، دُعاة التّنوير الشّعبوي، ماضيا وحاضرا، ورُبّما في المُستقبل، استماتة مونتسكيو في الدّفاع عن نفسه، وثباته في رفع تهمة السّبينوزية عن مُؤلّفيْه الأشهر (روح القوانين، والرسائل الفارسيّة) في كرّاس له يعود إلى فيفري 1750 :” وباختصارٍ شديدٍ، يختتم مونتسكيو تظلّمه، لا أثر للسّبينوزية في روح القوانين”. قوْلٌ وجد قُلُوبا مُصْغية، وتجاوبت معه مُعْظم الحُكومات مُرْتدّة عن أمْر منْع تداول الكتاب وقراءته.

على النّقيض من ذلك، يُخصّص بيير بايل، في فترة سبقت تلك بأعوام قليلة، الحصّة الأعظم من مُعْجمه التّاريخيّ والنّقديّ لسبينوزا والسّبينوزيين.. لم يساوم الخطّ التنويريّ الراديكاليّ ،كما هو الحال مع الخطّ الشّعبوي الذي سيسُود ويُهيمن في وقت لاحق، في القضايا الأساسيّة قطُّ: ـ رفْض فكرة العناية الالهيّة وتدخّل الاله في شُؤون البشر، ـ انكار المُعْجزات وفكرة ربط الامتيازات والحُظوظ والثّراء بما هو الهي ـ ضرورة قلب بُنى ونُظم التفكير قلبا جذريّا، ـ وُجوب التحرّر نهائيّا من الثقافة التقليديّة الّسّائدة، ـ لُزُوم الحسم في المُقدّس وأنماط السّحر والخُرافة، ـ الانعتاق من سلطة الكهنوت وأشكال العبوديّة، ـ ضرورة تقويض التّنظيم التراتبيّ الأرستقراطيّ الملكيّ اللاّهوتيّ السّائد في المجتمع آنذاك،ـ القطْعُ مع الاستبداد بما في ذلك ما يُعرفُ” بالاستبداد المُستنير” أو الأبويّ أو العادل…من أجل ذلك، يُعلن صاحب كتاب التّنوير الراديكالي، مُستشهدا بقول مُؤرّخ الأفكار البلجيكي بول هازرد(1878ـ1944) :”تبدو جُرأة التنوير باهتة تافهة ،أمام عُنْف مخاطرة الرّسالة في اللاّهوت والسّياسة ، ومُقارنة بجسارة الايتيقا المُذْهلة. ولم يبْلُغ لا فولتير، ولا فريدريك الّثاني ، حماسة طولند الموجّهة ضد الكهنوت، وضد الدّين “.

لم ينْتشر فكر التّنوير ولا امتدّ عبر شُعبويّة فولتير أو بمحاولات التّوفيق، ومصالحة قديم شارف على التهافت مع جديد أخذ في التّبلور، بل تحقّق ذلك، بالصدّ الذّي لاقته أفكار سبينوزا وورثته (وبوساطة من بايل ودوُلباخ لاحقا)…فالقوى “المناهضة للتّنوير” (وقد انخرط في هذه المناهضة دُعاة التّنوير الليّن) عزّزت من رغبة اكتشاف الكُتب والأفكار التي كانت تُتداول خلسة وفي كنف السريّة التّامة في ذلك الزمان، وقوّت من فُرص رواجها. انتصر التّنوير السرّي الجذريّ في أرض الواقع وانتصر التّنوير المُعتدل الليّن وهيمن على كتابة التّاريخ. سُوّق لفولتير وهُمّش سبينوزا؛ وذلك فرق آخر بين من سخّر حياته للتّفكير ولم يطلب مجْدا أو شهرة وبين صناعة صورة “المُفكّر المُلهم”، الزّائفة أغلب الأحيان، في العُرْف الثّقافي الفرنسي، وهو أمْر يستحقّ و يستحثّ التّحقيق والتقصّي : “فولتير ضدّ سبينوزا”.

دراسة سخيّة وقراءة جديّة جريئة، نظرة جديدة ثاقبة حول تاريخ الأفكار والأنوار، كتاب يستحقّ المُطالعة بتأنّ وتدبّر، راهن شديد الرّاهنيّة، وبخاصّة، بالنّسبة إلى شعوب لم تُدْرك بعْدُ الحداثة والحريّة ولم تنعم بتنوير جذريّ حقيقيّ، لازالت تتخبّط في مرحلة شبيهة بنهايات القرن السّادس عشر وبدايات القرن الذّي سيليه، مرحلة أزمة العقل، أزمة التمزّق بين الماضي والحاضر، أزمة الحلول التوفيقية المُلفّقة ، أزمة تردّد ومُهادنة، أزمة التّنوير الشّعبوي المُناهض للحلول الجذريّة ـ المُتحالف من دون دراية أو وعي مع الخطّ (الثّالث) المُحافظ الماضوي ـ يُدافع عن نمط من “الاستبداد المُستنير”، مُستذكرا مُقدّسا رُموزه، على الدّوام، حافظا لذكْراهم، شاكرا، ومسبّحا بحمدهم. لا يعلم هؤلاء ” أنّ الطّامة الكُبرى التّي يمكن أن تحلّ بأمّة ما، هي أن ترزح لعقدين أو ثلاث تحت حكم مُستبدّ مستنير” أو يظهر، على الأقلّ، أنّه كذلك، ذلك ما دوّنه ديدرو أبرز الموسوعييّن وأحد كبار الراديكالييّن المُتأخّرين في حلقات التّنوير الأوروبي، قبل انزياح المسارات وانحرافها وتغيّر الأدوار وانقلابها.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.