التنف وسهاله ..

جنود روس يعاقبون ضباط سوريين كانوا يعفشون البيوت

كان يتابع الأخبار باسترخاء رغم أن أخبار هذه الأيام إما حروب أو تفجيرات أو خلافات؛ فالاعتياد على الشيء ولو كان من المآسي؛ يدفع المتابع للامبالاة.
وعلى غير العادة تنبّه ذلك الرجل الذي قارب الثمانين لشيء مثير في نشرة الأخبار؛ فاعتدل بجلسته ببطء بفعل عامل السن.
فقد سمع في النشرة أن الولايات المتحدة الأمريكية أقامت قاعدة عسكرية في منطقة التنف جنوب سوريا بمنطقة تقترب من حدود العراق والأردن، وإن شئت غير بعيدة بالمسافة من السعودية وصاحبنا من شمال السعودية ويعرف جيدا منطقة التنف وسهاله، فأخذ ينشد ” .. والحماد وديرة التنف وسهالة ..”
سأله حفيده هل أغضبتك تلك القاعدة.. أجاب:
أبدا فالقواعد الأمريكية والروسية والفرنسية وحتى التركية والإيرانية منتشرة بالأرض العربية، وأصبح للعرب شتيمة متبادلة حيث يخرج محلل سياسي استراتيجي فذ ويقول لخصمه في الحوار لقد جلبتم الأجانب للأرض العربية فيتناول خصمه كوب الشاي ويرتشف منه بهدوء دون أن يُستفز؛ لأن لديه ما يرد به بالمقابل من ذات الكأس، وكما قيل “داوني بالتي كانت هي الداء” فيجيبه بدوره: وأنتم ماذا تفعل عندكم تلك القاعدة؟ وكأنك تستمع لاثنين من المساجين الأول لص سارق والثاني نصاب محتال فيقول النصاب للص أنت مجرم وضيع تقفز على البيوت ولا تأتيها من أبوابها تعلّم أن تكون محترما مثلي، فيرد عليه اللص السارق بأن عمله ليس به غش للناس وكذب عليهم واحتيال وخيانه مثل فعله!


فصاحبنا لم يعتدل لمواضيع لن ينفع فيها اعتداله وغضبه، وليس له حيله، بل ليس له موقف بعد أن توارى الحق خلف غبار الباطل الكثيف وعجز كإنسان بسيط من فرز المواقف. وكل ما هنالك أن هذا الرجل استحضر الماضي وعادت به الذاكرة لتلك القصة الجميلة التي حفظها التاريخ من خلال قصيدتها التي أشارت “للتنف”.
وبعد أن بدأت ترتفع معنويات شايبنا الثمانيني طلب من حفيده قهوة جديدة على غير العادة في هذه الساعة من الليل، وأخذ ينشد تلك القصيدة و”يديونها” على بحر السامري مع فناجين القهوة:
ياوجودي وجد من سيق مكتوفي ..
سايقينه دولة الروم غرباله ..
أو وجود اللي على الهجن مشنوفي ..
عظم ساقه من عطيب تهياله ..
طلعت الجوزاء على كبد ذايوفي ..
ما يفيده بارد المي وظلاله ..
يارخي من دونها راف والجوفي ..
والحماد وديرة التنف وسهاله ..
قطعتين بس متنين وردوفي ..
مهرة الحاكم حلاياك يا هلاله ..
والشَعَر مثل القياطين مرصوفي ..
مثل شرطان الذهب بيد عماله ..
عينها جمّة غديرٍ بقفقوفي ..
والمحاجر فيضة عقب ما ساله ..
ليت خالي يصفطه لي بمعروفي ..
يسخره رب المقادير بحباله ..
..
وقائل تلك الأبيات كثيفة الوجد والشوق وعذبة الوصف هو الشاعر عادي بن رمال الشمري الذي دفعته ظروف جزيرة العرب القاسية في زمانه للسفر إلى بلاد الشام للعمل؛ إلا أن البدوي الذي اعتاد على حياة الصحراء حيث لا يحجب ناظريه إلا الأفق .. هناك … بعيدا، وحيث الحرية في التنقل التي لا تقيدها ساعات العمل وأوامر رب العمل، وكشاب في مقتبل العمر يندر أن يفلت من الصبابة البريئة؛ فإنه سيبحث عن قشة البعير لتقطع له غربته.
شاهد رجلا مسلحا ممن يستعمرون أرض الشام يضرب عربيا، فغضب وحاول التدخل فمنعه مرافقه وهو شقيقه “رخي” الذي يذكره في القصيدة، فقال: لا أستطيع الاحتمال في هذه الأرض المظلوم أهلها فإما أن أفديهم أو أرحل.
قرر الرحيل والعودة ومعه شقيقه لمضارب القبيلة في بلدة جبة وسط صحراء النفود الكبير بين حائل والجوف؛ ولأن أيامه التي قضاها مغترباً أشغلته عن التفكير والتأمل بأهله وأحبابه؛ لانشغاله بالعمل المحاط بظروف قاسية، فقد تفتقت قريحته الشعرية عندما اعوجت رقبة الراحلة صوب الصحراء حيث الأهل والأصحاب وبالطبع الحبيبة هلالة.
وأنشد تلك الأبيات فاستهلها بالموقف الذي شاهده من المستعمر والمواقع التي تفصل بينه وبين حبيبته ثم غمس خياله في صورة هلالة ووصفها وأحسن وصف المعشوقة التي لم يتزوجها أبدا …

‏‫يوسف الشاعل

About يوسف علي الشاعل

.. يوسف علي الشاعل السعودية مواليد 1975 متزوج ماجستير قانون عام باحث عربي مؤمن بالتضامن الشعبي العربي بغض النظر عن توافق الحكومات
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.