التناقضات التاريخية في قصة صلب يسوع المسيح

حوارات في اللاهوت المسيحي 36

في الإيمان المسيحي , تعتبر عقيدة صلب يسوع المسيح وموته متعذبا على خشبة الصلب, من اجل افتداء خطايا البشر, الركن الأساسي في ذلك الإيمان, ولا يمكن اعتبار الشخص مسيحيا ما لم يقبل هذه الحقيقة ويقبل يسوع المسيح على اساس انه المخلص الذي حصل الخلاص بموتهعلى الصليب, فاديا بعذابه ذنوب ومعاصي البشر!

إن هذه العقيدة, بطبيعة الحال,لم تأت من فراغ , وإنما لها ما يسندها من إشارات تاريخية قوية , تشير إلى أن عملية الصلب هي واقعة تاريخية قد حدثت بالفعل, ولم يقتصر ورود هذه الاشارات على الكتب الدينية المقدسة لدى المسيحيين, بل قد ورد ذكر هذه الحادثة في مصادر تاريخية من خارج الدائرة المسيحية, رغم انه ذكر عابر وبشكل مقتضب.

أن ورود قصة صلب يسوع الناصري في مصادر تاريخية قديمة وقريبة من زمن حدوثها, يجعل حادثة الصلب تتمتع بموثوقية تاريخية قوية, وهنا يجب التنبيه على أن الكلام حول وقوع الحادثة, لا يعني بالضرورة التسليم والوثوق بكل التفاصيل التي وردت حول هذه القصة في النصوص المقدسة المسيحية, وذلك لاسباب عديدة , سنحاول تبيان بعضها .

ونحن نبحث في تفاصيل قصة صلب المسيح, علينا ان نتذكر ان النصوص التي تطرقت الى تلك التفاصيل, هي من نوع النصوص ( البعدية) والتي تم تدوينها بعد وقوع الحادثة بزمن طويل, وبعد أن خضعت القصة للمؤثرات العقدية !
فمن المعلوم أن قصص صلب المسيح وقيامته وظهوره للتلاميذ قد ابتدأت بالتداول بين المؤمنين بيسوع المسيح ومن ثم أخذت تتناقل من مجموعة الى اخرى ومن منطقة جغرافية الى منطقة اخرى على شكل حكايات وقصص شفوية , تضمنت الكثير من الاسطرة الدينية و التضخيم الايدلوجي لغرض جلب الانبهار والتقديس لدى المستمعين لهذه القصص التي كانت في بداية مرحلة التبشير المسيحي المبكر, بمثابة المفتاح الرئيسي لجذب مؤمنين جدد للايمان الناشئ.

والدليل على صحة هذه الفرضية , هو التباين الواضح في سرديات تفاصيل القصة, بعد ان تم تدوينها, وبعد ان اخذت حيزا في نصوص اصبحت لاحقا تمثل كتابا مقدسا لدى اتباع الإيمان المسيحي حين اكتمل تدرج تطوره بمراحل تاريخية متعاقبة

عند الحديث عن قصة صلب المسيح, ومن خلال تتبع التدرج التاريخي في سرد تفاصيل تلك القصة, و بطريقة مقارنة النصوص حسب أزمنة تدوينها , نلاحظ بشكل واضح , كيف تمت عملية الاضافة والتعديل و حشر معلومات متناقضة لغرض اعطائها صفة الحقيقة التاريخية من اجل انتاج فكرة عقدية تدعم الإيمان الجديد !

رسائل بولس( شاول الطرسوسي) والتي تعتبر أولى نصوص العهد الجديد من ناحية الترتيب الزمني( 20-30 سنة بعد الصلب) لم تتطرق الى تفاصيل احداث قصة الصلب, رغم انها ذكرت صلب المسيح وأهميته, من باب التبشير الإيماني.

وعندما نذهب الى الأناجيل القانونية, ونتابع سردياتها حول تفاصيل القصة, وحسب تسلسل زمن كتابتها, نلاحظ التباين بين الصورة التي أخرجها إنجيل مرقس ( كتب بعد عام 65 م) وبين الصورة التي يخرجها لنا إنجيل لوقا ( حوالي 80م)
و سنلاحظ ان الصورتين تختلفان عن ما سيسرده وما سيضيفه للقصة مؤلف إنجيل يوحنا الذي كتبه اواخر القرن الاول!

في إنجيل مرقس نقرأ قصة الصلب في الإصحاح الخامس عشر, ونلاحظ ان يسوع المسيح , وأثناء محاكمته من قبل الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يتحدث الا بكلمة واحدة فقط وهي :
انت قلت !
جوابا على سؤال الحاكم, وبعدها بقي صامتا تماما, طوال مجريات المحاكمة وما تلاها من تعذيب و سخرية واهانة
بقي يسوع المسيح صامتا, بعد ان علقوه على الصليب, وكأنه قد استسلم لقدره , ولم ينطق الا بعد ان خارت قواه وبلغت روحه التراقي, حينها صرخ معاتبا إلهه الذي قد تخلى عنه !

( الوي الوي…لما شبقتني!!) …..ثم اسلم الروح !

وعند الانتقال الى انجيل لوقا الذي تمت كتابته في زمن لاحق لزمن كتابة إنجيل مرقس , نجد ان مؤلف الإنجيل يحاول إعطاء صورة مختلفة لوضعية يسوع الناصري في تلك الساعات الأخيرة من حياته, فيضيف الكاتب تفاصيل جديدة على أجواء المحاكمة, ثم يمضي في الإصحاح الثالث والعشرين ليسرد لنا كيف ان يسوع كان رابط الجأش, غير مكترث لما يجري عليه, وإنما كان مهتما خلال الطريق بالحديث الى النسوة الباكيات, و تحذيرهن من المستقبل المشؤوم المقبل على مدينة اورشليم واهلها, ثم نجد يسوع ايضا وهو معلق على الصليب, يدخل في حوار مع أحد اللصوص المعلقين الى جانبه يبشره فيه بأنه سيكون معه بعد قليل في الفردوس!
وبعد ذلك يظهر لنا كاتب الانجيل كيف ان يسوع استقبل الموت بشجاعة وهو يقول ( يا أبتاه لديك استودع روحي!)

انجيل يوحنا والذي هو آخر الأناجيل القانونية في التسلسل الزمني, نجده قد توسع في اضافة تفاصيل جديدة لم تتطرق اليها الاناجيل التي سبقته, رغم أهميتها , وهذا امر مفهوم من ناحية تضخم السرد التاريخي للقصص الذي ينحو باتجاه التأصيل القداسوي في المتخيل الإيماني
لذلك نجد مؤلف انجيل يوحنا, يضيف الى محاكمة يسوع امام الحاكم الروماني تفاصيل جديدة, يظهر فيها يسوع الناصري وكأنه منخرط في حوار وسجال جدلي مع الحاكم, وبعد ذلك يضيف ايضا تفاصيل وكلام على لسان يسوع وهو على الصليب لغرض غرس مفاهيم ايمانية جديدة من الممكن ان العقيدة الآخذة بالتطور قد احتاجت إليها !
فنجد يسوع المسيح, في الإصحاح التاسع عشر من إنجيل يوحنا, يتكلم الى والدته !!!…التي ظهرت فجأة في مشهد الصلب حسب رواية مؤلف هذا الإنجيل والتي تفرد بها من دون بقية الاناجيل!!
وكذلك نجد يسوع يوصي تلميذه ( الحبيب) بوالدته !!!…ثم يواجه يسوع الموت وهو يردد كلمة ( قد اكمل!!)
وطبعا هذه الاضافة الجديدة هي لغرض الايحاء الى نتيجة عقائدية, مفادها ان المكتوب قد اكتمل بموت المصلوب!

اللاهوتيون المسيحيون, يواجهون هذه الاختلافات في سرديات تفاصيل قصة الصلب, من خلال انتهاج أسلوب الهروب الى الأمام, وعمل التفاف ذكي, للتخلص من مأزق التباين الواضح, وذلك عن طريق جمع كل التفاصيل الواردة في كل إنجيل , ومن ثم اخراجها على شكل قصة جديدة !!!…جامعة لكل التفاصيل!!…فتصبح لدينا قصة خامسة (مبتكرة) ومتضمنة لكل التفاصيل التي ذكرتها كل قصة من قصص الأناجيل الاربعة على حدة!!!
وهذا الاسلوب هو مراوغة فظيعة, وتلاعب بعقلية القارئ للعهد الجديد, الذي يريد اللاهوتيون خداعه من خلال اخفاء اهمية التسلسل الزمني في كتابة هذه الأناجيل, والتي اصبحت -لاحقا- ضمن كتاب واحد ( العهد الجديد) بقرار كنسي !

ومن المغالطات التاريخية الواردة في سرد تفاصيل قصة الصلب, أننا نجد كتبة الأناجيل, يحاولون الايحاء ان الغرض من عقوبة الصلب التي تم اقرارها بحق يسوع الناصري هو اخضاعه للعذاب والالم وتعليقه لكي يلقى حتفه….فقط !
وهذه المغالطة يكشفها البحث في التاريخ الروماني و تتبع طريقة وأهداف صلب الخارجين عن قانون الدولة الرومانية
حيث نرى ان الرومان تبنوا هذا النوع الوحشي من العقوبات لاغراض عديدة , بالاضافة الى البطش بالمصلوب!
فعقوبة الصلب لدى الرومان تنفذ في مكان عام يشهده اكبر عدد ممكن من الناس ليشاهدوا العقوبة ,لكي تكون رادعا مخيفا للآخرين , من خلال تعليق جسده لايام عديدة وربما اسابيع ليكون عبرة لغيره, وكذلك تتضمن هذه العقوبة الإذلال والاحتقار للضحية المسكينة, حيث يبقى جسده معلقا لفترة طويلة ,فيكون طعاما للجوارح من الطيور, وبعد ان تتحلل الجثة, يتم انزالها ورميها للكلاب والحيوانات المفترسة !

(فكان المصلوب يظل أحيانًا لمدة أسبوع كامل مُعلَّق على الصليب حتى تنتهي حياته، وفي هذا يُترك لنهش الطيور الجارحة والحيوانات الضارية، ويقول المؤرخ الروماني “Horace”: “كانت النسور تسرع من جثث الماشية والكلاب والصلبان حاملة لحم الموتى إلى أعشاشها لكي تطعم صغارها) 1

هذا كان السائد في جميع عمليات تنفيذ عقوبة الصلب في تاريخ الدولة الرومانية, ولا يوجد في السجلات التاريخية الرومانية الا حالة استثناء واحدة, حيث تم انزال جثة شخص تم صلبه في الاسكندرية , والسبب انه تم صلبه في يوم عيد ميلاد إمبراطور روما …لذلك كان إنزال الجثة اكراما لذكرى ميلاد الامبراطور! 2
ومن هنا يتضح ان الطريقة الرومانية في صلب الخارجين عن القانون كانت تتطلب تعليق الضحية لأيام طويلة لغرض الإمعان في الاذلال والتحقير وكذلك لغرض الردع والتخويف للاخرين, ولا يتم انزال الجثة الا بعد ان تنهشها الطيور الجارحة وبعد ان تتعفن وتتحلل,ثم بعد ذلك ينزلونها من على الصليب, ووقتها اما ترمى للكلاب او يدفنها الجنود الرومان في مقبرة خاصة باشرافهم مثل مقبرة الجمجمة باورشليم, واذا كان اهل الضحية محظوظين او اغنياء , فربما ينجحون في اخذ ما تبقى من جسد فقيدهم( ليدفنوه بطريقتهم) بعد ان يسترضون الجنود باموال او عطايا !

وقد يعترض البعض, ليقول, ان جسد يسوع قد تم انزاله , بعد ان توسط ( يوسف الرامي) لدى بيلاطس الحاكم الروماني
وهنا, نحتاج الى معرفة , ماهو السبب الذي جعل هذا التلميذ الذي كان يخفي اتباعه ليسوع ويخفي ايمانه بالملكوت, الى المغامرة بحياته, وكشف نفسه امام رؤساء اليهود والكهنة,مما سيعرضه للخطر الذي كان بالأصل يخفي إيمانه ليتجنبه؟!

ولو سلمنا, وقبلنا, ان هذه القصة صحيحة, وان الحاكم الروماني , استجاب لتلميذ يسوع المتكتم على ايمانه, وان بيلاطس قرر ان يعطي استثناء لحالة يسوع , وأمر بانزاله من على الصليب!
لكن في هذه الحالة , سيبرز لنا مشكلة أخرى, وهي, ما الذي يدفع الرومان الى انزال اللصين المصلوبين الى جانب يسوع؟
ولماذا تم شمولهم بهذا الاستثناء النادر والغريب؟!

وهنا قد يلجأ البعض الى نفس طريقة التفذلك, التي انتهجها مؤلف إنجيل يوحنا, وذلك باتباع أسلوب خلط المفاهيم!
حيث نجد هذا الكاتب, يبرر انزال اجساد المصلوبين بسبب الاستعداد ليوم السبت المقدس لدى اليهود !
وهو هنا اراد اللعب من خلال خلط الاوراق, والايحاء الى حرمة ابقاء المصلوب معلقا الى الليل كما ورد في سفر التثنية

(وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ،فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا) تثنية 21

ان النص المتقدم, هو نص خاص باليهود, يلزمهم باتباع تعاليم التوراة في حال تنفيذهم( أي اليهود) لعقوبة الصلب
اما في حالة يسوع الناصري واللصين الذين كانا معه, فان الذي قرر ونفذ عقوبة الصلب هم المحتلون الرومان!
وهؤلاء المحتلون لم يكونوا ابدا يكترثون او يحترمون طقوس او تعاليم أديان الجاليات الاخرى غير الرومانية, بل كانوا فقط حريصون على تنفيذ القانون الامبراطوري الروماني بكل حسم وبشكل كامل وتطبيق العقوبات بحق الخارجين عن القانون, كما هو الحال مع يسوع الناصري واللصين الآخرين.

ان حماسة المؤلف المجهول لإنجيل يوحنا في ابتداع وابتكار اضافات جديدة لقصة الصلب, واندفاعه في هذه المنهجية رغم مناقضتها للثوابت التاريخية, جعلته يقع في مغالطات منطقية فادحة !!… ومن أمثلتها
تفرده بذكر خبر حضور السيدة مريم والدة يسوع المسيح في حادثة الصلب, وانها كانت على مقربة من مكان صلب ابنها بحيث انها كانت تسمع الكلام الذي وجهه له ابنها وهو معلق على الصليب!
وبعد ان فارق يسوع الحياة, وبعد إنزاله عن الصليب, ومن ثم قيام التلميذ يوسف الرامي ومعه (نيقوديموس) بنقل جسد يسوع الى حيث يتم دفنه…بعد كل هذا نجد ان والدة يسوع المسيح قد اختفت تماما من تلك المشاهد !!!

ان المنطق و العقل في مثل هذه الاحوال يستدعي ان تكون الوالدة قريبة من ابنها بعد ان يتم انزاله من صليب العذاب
او انها من المفروض ان تسارع الى حضن ابنها و ربما تقبيله بعد ان أخذ جسده يوسف ونيقوديموس!
وإن اي والدة مكلومة بولدها الشاب المعذب ستحرص على اللحاق بالتلميذ الذي اخذ جسده, لكي تحضر مراسيم دفنه!

كاتب انجيل يوحنا غفل عن هذه اللوازم المنطقية, لانه كان مهتما فقط, بدس معلومة بشكل متطفل على القصة الخالية اصلا من تلك المعلومة ( حضور مريم في عملية الصلب) من أجل الخروج بنتيجة ذات ثمرة عقدية, تعطي للتلميذ (يوحنا بن زبدي) مكانة خاصة تميزه عن باقي تلاميذ يسوع المسيح..الأمر الذي يعلي من مكانة هذا التلميذ واتباعه. …والذي يعتقد أن كاتب الإنجيل المنسوب ليوحنا قد كان واحدا منهم !

د. جعفر الحكيم

مصادر:

1- كتاب أسئلة حول الصليب – أ. حلمي القمص يعقوب

2- How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee
by Bart D. Ehrman

About جعفر الحكيم

جعفر الحكيم 45 عام طبيب عراقي مقيم في الولايات المتحدة نيويورك- ضاحية مانهاتن ناشط في مجال المجتمع المدني وحقوق الانسان باحث في مجال مقارنة الاديان ممثل لمنظمات مجتمع مدني عراقية في الامم المتحدة بنيويورك منذ 2007 ولا زال رئيس تحرير جريدة المهاجر - ولاية اريزونا- مدينة فينكس للفترة 2005 من 2011الى لي مشاركات عديدة في برامج حوارية حول مقارنة الاديان في قناة الكرمة ارجو التفضل بقبول جزيل شكري ووافر احترامي د.جعفر الحكيم
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.