التصدي للفساد بسلاح الوضوح

الإقتصادية السعودية
 كريستين لاجارد

يشعر أبناء جيل الألفية بوطأة هذا الواقع. فقد أشار مسح أجري أخيرا على الشباب في مختلف أنحاء العالم إلى أنهم يعتبرون الفساد، وليس الوظائف أو نقص التعليم، هو الشاغل الأكثر إلحاحا في بلدانهم.
وثمة قدر من الحكمة في هذا الرأي ــــ لأن الفساد هو أحد الأسباب الجذرية وراء كثير من مظاهر الظلم الاقتصادي التي يواجهها الشبان والشابات بصفة يومية.
ويدرك الشباب حقيقة أخرى هي أن الفساد لا يقتصر على نوع واحد من البلدان أو النظم الاقتصادية ـــ بل يمكنه التأثير في جميع البلدان. فممارسات الفساد الشائنة قد تتخذ أشكالا متنوعة، من الاختلاس إلى محاباة الأقارب وتمويل الإرهاب، حسب البيئة الحاضنة له.
ويقودني هذا إلى سؤالي الأخير ونقطة البداية لحوارنا اليوم. ما الإجراءات التي اتخذناها بالفعل، وما الإجراءات الإضافية التي يمكن للصندوق اتخاذها لمساعدة البلدان الأعضاء في التصدي لجميع أشكال الفساد؟
3 – كيف يستطيع الصندوق تقديم العون؟
تشكل مكافحة الفساد جزءا من عمل الصندوق منذ أمد بعيد. وقد استعرض المجلس التنفيذي في الشهر الماضي ما تحقق من تقدم في هذا الصدد وأعرب عن التزامه بمواجهة هذه المشكلة على نحو أكثر مباشرة في الفترة المقبلة.
واتفق المجلس على أن البلدان الأعضاء ستستفيد من زيادة المشورة المفصلة التي يقدمها الصندوق، ومن إجرائه تقييمات صريحة ومتكافئة بين البلدان تقيس أثر الفساد في الاقتصاد.
ولتحقيق هذا الهدف، ينبغي استخدام منهجيات جديدة لقياس حجم المشكلة وتحليلها بصورة أفضل. سرني أخيرا انطلاق مبادرتين بحثيتين جديدتين بشأن الفساد تحت قيادة معهد بروكينجز ومؤسسة التمويل الدولية وشركائهما.
وأنا أعلم أن الصندوق سيستفيد من عملكم – وأثق بأن خبرتنا ستفيدكم أيضا. واسمحوا لي بأن أستفيض قليلا في الحديث عن تلك الخبرة.
عملنا في الصندوق، على غرار عملكم، يبدأ بإطلاق مبادرات تهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة. وكما قال لويس برانديس، قاضي المحكمة العليا، إن “نور الشمس هو أفضل مطهر على الإطلاق”.
ففي جابون على سبيل المثال، وبعد التشاور مع خبراء الصندوق، التزمت الحكومة بنشر بيانات عن جميع الاستثمارات العامة الكبرى المدرجة في موازنة العام المقبل. وبحلول عام 2020، سيحدد قانون الموازنة المخاطر المالية المرتبطة بكل شركة من الشركات العامة، بما فيها الشركات العاملة في قطاع الصناعات الاستخراجية.
ويترافق هذا العمل مع جهود الصندوق في مجال الإصلاح التنظيمي وتعزيز المؤسسات القانونية.
والإصلاح التنظيمي لا يعني بالضرورة إلغاء القواعد التنظيمية، ولكن المقصود هو تبسيط هذه القواعد لتقليل عدد “حراس البوابة” المسؤولين عن التراخيص والرسوم والعقود.
وعلى الجانب القانوني، غالبا ما تكون المؤسسات المسؤولة عن إنفاذ القانون – الشرطة ووكلاء النائب العام والقضاء – هي الأرض الخصبة التي ينشأ فيها الفساد.
ففي أوكرانيا على سبيل المثال، دعت الحكومة الصندوق لمساعدتها في إجراء مراجعة شاملة للفساد المحلي. وأدى التقرير اللاحق إلى سلسلة من الإصلاحات، منها إنشاء مكتب وطني لمكافحة الفساد.
وهذه الإصلاحات ليست سوى خطوات أولى. إذ يحتاج المحققون إلى مزيد من السلطات لملاحقة الجناة المشتبه فيهم، كما يتعين منح وكلاء النائب العام الصلاحيات اللازمة لإحالة التهم إلى محكمة مختصة بمكافحة الفساد.
وحالة أوكرانيا تؤكد التحدي الأكبر الذي نواجهه: فإحداث أثر دائم يستلزم العمل المنسق بين المنظمات الدولية والمجتمع المدني والقادة السياسيين. ويتعين أيضا أن نكون واقعيين بشأن السرعة التي سيتحقق بها التقدم في هذا الصدد. فالثقافات والعادات، جيدة كانت أم سيئة، لا يمكن تغييرها بين ليلة وضحاها.
فالفساد غالبا ما يكون مستترا وصعب القياس، ومن ثم قد يستغرق الأمر عدة سنوات حتى تؤتي السياسات الجديدة ثمارها. وفي الوقت نفسه، تمانع بعض الحكومات حتى في خوض هذه القضية لأنها تنظر إلى الفساد كمشكلة سياسية وليست اقتصادية. ولكن ذلك لا يبرر التوقف عن المضي قدما في هذا المسار.
وأنا أؤمن بأن الصندوق لن يكون ملتزما بالمهمة الموكلة إليه إلا إذا تحدث عن الفساد بوضوح وأتاح كل ما لديه من أدوات لمساعدة البلدان الأعضاء على التصدي له. وأعلن التزامي أن الصندوق يستطيع عمل المزيد في الأيام المقبلة، وسيفعل.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply