البروباغندا” السوفياتية والمنشقون (٣)

Walid Phares

منذ حوالى 1949، بعد بدء الحرب الباردة، ركزت الاستخبارات السوفياتية، كسليفتها النازية على تكتيك “مسخ المعارضات” وبخاصة المنشقين الروس والأوروبيين الشرقيين، وقد نجحت موسكو عبر الـ “كي جي بي” أن تنتج شبكات واسعة من “المنشقين المزيفين”،
“Faux Dissidents”
، لاستهداف المنشقين الأصيلين، وقيادات المعارضات الأوروبية الشرقية، وشمل التكتيك السوفياتي، إضافة إلى مكونات التكتيك النازي، نشر تلك الشبكات داخل الغرب، لا سيما في أوروبا الغربية والولايات المتحدة “لمطاردة المنشقين” في منفاهم وتشويه صورتهم ليس فقط لدى الشعوب المحتلة في الكتلة الشرقية، بل أيضاً لدى المهاجرين واللاجئين وكوادر المنظمات الداعمة للمعارضات ضد الأحزاب الشيوعية السوفياتية، والهدف السوفياتي كان إزاحة الرموز المنشقة الداخلية والناشطين في الخارج، وحتى المتخصصين بالاتحاد السوفياتي في الغرب، عن الإعلام ومنعهم من التأثير في القرارات الأطلسية.
وقد استعملت الاستخبارات السوفياتية عبر سلاح الـ
“Intox”
نشر الأخبار والمعلومات الخاطئة
“Fake News”
، لتشويه صورة الكوادر المعارضة في الداخل، وضرب رصيد الأصوات في الخارج
“Discredit”


، من أجل إحداث فراغ يملأه “القادة المسخ” وصولاً إلى معادلة تمنع حدوث مقاومات حقيقية على الأرض في أوروبا الشرقية، أو اتخاذ قرارات صحيحة في الغرب لدعم تلك المعارضات الشعبية، كما حدث في بودابست، وبراغ، وفرصوفيا، والبلطيق، لعقود، وقد شرح نواب البرلمان الأوروبي من دول أوروبا الشرقية، والخبراء، والمنشقون السابقون، وحتى مسؤولين سابقين في السلطات الحاكمة، كيفية تحرك “الآلة المنسقة للمنشقين المسخ
” Faux Dissidents”
، بالتفاصيل، فهي اعتمدت على شبكتين مولتهما موسكو إبان الحرب الباردة، الأولى عمدت إلى اختراق صفوق المنشقين والمعارضين الحقيقيين وزرع معارضين “مجندين”، ولكن بقدرات مالية واسعة لم تعرف مصادرها حتى انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي.
وقد سمحت موسكو لهؤلاء المعارضين المزيّفين بأن ينتقدوها إلى حد ما ليكتسبوا “رصيداً معنوياً” لدى المعارضات، وبناء على هذا الرصيد المركب خصيصاً لهذا الهدف، قامت المجموعات المزيفة بحملات هجائية على المعارضين من أجل ضرب رسالتهم تجاه المجتمعات الأم. فاستهدفت شخصيات كليش فاليسا، قائد نقابة عمال
“Solidarność”
في بولندا، والكاتب المعارض فاتسلاف هافيل في تشيكوسلوفاكيا، والمنشقين الروس في الغرب كسولنجستين وسخاروف والمئات من الكوادر، الذين تعرضوا لأسوأ “البروباغندا” التي استهدفت أشخاصهم وحياتهم الشخصية.
ومولت الاستخبارات السوفياتية الشبكة الأخرى الموازية، وهي كناية عن منظمات وجمعيات “سلام ومضادة للحرب”
Peace and Anti War
، وركزت هذه الشبكة على الضغط ضد مراكز قرار الغرب وبخاصة حلف “الناتو”، وكُشف بعد انتهاء الحرب الباردة أن معسكر السلام ومجموعاته العاملة في الغرب كانت غطاء لمعسكر السوفيات في ضغطه لبلبلة الرأي العام الغربي ودفع الحكومات الأطلسية لعقد اتفاقيات منفصلة مع حلف “وارسو” وخفض التسليح الاستراتيجي، إلا أن جماعات “السلام” المزعوم كانت تمارس “تقية سوفياتية” تجاه المعارضين بحيث كانت تتهمهم بالعمل “لصالح الحرب والمواجهة العسكرية” واضعة المنشقين والليبراليين المتموقعين في الغرب، في خانة مؤيدي الحروب الدائمة و”أعداء السلام”، إلا أن “المعارضات الزائفة” السوفياتية الصنع انهارت مع انهيار الاتحاد السوفياتي ما بين 1990 و1002، فكشفت معظم شبكات الـ
“Fake”
ووصل الذين استهدفتهم إلى قيادة تلك الدول لعقود من الزمن

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.