البحث عن مُحَمَّدٍ التَّاريِخيّ

الباحث السوري د نبيل فياض

آرثر جِفري، ترجمة: د. نبيل فياض
‏The Quest of the Historical Muhammad
‏by Arthur Jeffery.
عام 1906 ظهر في الألمانيّة عملٌ لم تُفتح العينٌ على مثله يتناول حياة المسيح، بعنوان:
[من رايماروس إلى فريده: “Von Reimarus zu Wrede,” ]،
تأليف ألبرت شفايتسر، الباحث الشّابُ، الّذي لم يكن معروفاً حتّى ذلك الحين، وقد قام مونتغومري بترجمته إلى الإنكليزيّة تحت عنوان ” البحث عن يَسوع التَّاريِخي”.
كان كتاب شفايتسر مسحاً شاملاً متألقاً لمختلف أنماط “سِيَر المسيحِ”، الّتي أنتجتها شتّى مدارس الفكر الّلاهوتيّ في أوروبا ، من مدارس الورع الأرثوذكسيّ، البعيدة كلّ البعد عن قواعد النّقد، إلى تلك المسرفة في التّفسير الأخرويّ
(eschatological
) وحتّى الميثولوجي . كان شفايتسر يهدف من ذلك إلى إجراء مسحٍ لمختلف المحاولات التي أُجريت من أجل تفسير حياة ربّنا، و ـ بعبارة أخرى ـ إجراء بحثٍ إحصائيٍّ لوضعية العِلْم بصدد هذه المسألة، وأنْ يقيّم سنواتٍ من البحث النّقديّ الصّبور، الّذي كُرس لهذه الإشكاليات .
في الآونة الأخيرة اُقترح بأنَّ الوقت قد أزف لبحث مشابه بصدد حياة نبيِّ الجزيرة العَرَبِيّة، و لهذا بوسعنا أنْ نستعرض تقييمياً العمل الّذي تحقق، وجمع النتائج المؤكّدة التّي تمّ بلوغها، وملاحظة اتجاهات العِلْم النَّقديِّةِ الّتي تٌظهر خطوط البحث الواجب تتبعها مستقبلاً. يمكن لنا أنْ ننتظر طويلاً بزوغ عالمٍ إِسْلاَميٍّ يتحلّى باستعدادٍ أصيل و مجدٍ نظير لشفايتسر، ليأخذ على عاتقه هذه المهمة، بيد أنّه في إمكاننا إجراء محاولة رسم مختصرة لهذه المعالم الأساسية لمثل هذا الاستقصاء بكثير أو بقليل من النجاح .
المَصَادِرُ


إنّ اعتبارنا الأولُّ هو المَصَادِرَ، ومن الطبيعي أنْ نتفحص أدب المسلمين، إذْ إنّهم أوّل من يٌؤمل منهم ترجمة حياة نبيّهم. هنا وعند النّظرة الأولى فإنّ قلب الدّارس قَدْ يخفق ارتباكاً أمام العدد الكبير حقاً لِسِيَرِ المسلمين المتعلقة بالنَّبِيّ، حيث ثمّة مئات منها بالعَرَبِيّة، الفارسيّة، التّركيّة، الأوردوية، المالاويّة، وحتى بالصِّينيِّة وبدرجة أقلّ بلغاتٍ شرقيِّةٍ. على أيّ حالٍ، يبيّنُ البحثُ الأشدُّ اختصاراً أنَّ مشكلة المَصَادِرِ هي بسيطة نسبيّاً، إذْ لا تعدو أن تكون مئات المجلدات الموجودة سوى تكرارٍ وإضافاتٍ خُرافيِّةٍ غيرٍ متصلة بالموضوع وبتعديلات ربما لما يقارب ستة من النُّصوصِ العَرَبِيّة المهمة الرئيسة .
إنَّ الأثر الأقدم الّذي بحوزتنا بصدد حياة مُحَمَّدٍ هو الذي كتبه مُحَمَّدُ بنُ إسحاقَ ، الّذي مات سنة 768 م ، بعد مئة و ثلاثين سنة من وفاة النَّبِيّ . إنّ كتابَ ابنِ إسحاقَ قد فٌقد على كُلِّ حالٍ، وكلُّ ما نعرفه عنه هو مقتبس منه ـ و من حسن الحظِّ إنَّ هذه الاقتباسـات قيِّمَةٌ ـ في كُتبِ المؤلِّفين الّلاحقين ، لا سيما ابن هشام والطّبريّ. وعلاوة على أنّ عمل ابنِ إسحاق هو المحاولة الأقدم المعروفة بصدد السِّيرة، فإنّ له أهمية أبعد من ذلك، هذا بغض النَّظرِ عن أنّ الكاتبّ كان بشكلٍ ما مفكراً حراً، أو لأنّه لم يخضع لتأثير النّزعات المُتأدْلَجَة المتأخّرة، إذْ إنّ عمله يتضمن معلوماتٍ حول سَجايا النَّبِيّ الّتي لا ريب أنّها سلبيّة. كما يقدمها الدكتور مارغوليوث.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.