الباحث #محمد_المسيح: حرب كلامية بسبب #سورة_الويسكي التي كتبها فتاة مغربية

قامت هذه الأيام حرب كلامية، وتراشق بالسُباب والشتم بين تيارين؛ تيار حدثي تنويري يدفع بعجلة الحرية نحو الأمام ويطالب بحرية التعبير، في المقابل تيار متدين متشدد يجعل لهذه الحرية حدودًا تقف عند أطراف الدين والعقيدة، وهذه الحرب الكلامية قامت بسبب مهاجرة مغربية حُكم عليها في المحكمة الابتدائية مراكش بثلاث سنوات سجنا لنشرها سورة الويسكي على صفحتها في الفايسبوك.
نحن مع حرية التعبير التي تعطي لكل ذي حق حقه في النقد والتمحيص؛ فسورة الويسكي هذه جاءت نتيجة الفهم الخاطئ لمعنى الآية 23 من سورة البقرة: ” وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” فالتحدي هنا ليس في البلاغة والتبيين كما يعتقد المفسرون، ولا في الميزان الموسيقي والقافية الشعرية كما يتوهم أصحاب سورة الويسكي! الموضوع يخص التبليغ والهدى والإرشاد الروحي، كما تدل الآيات التي جاءت بهذا المعنى وعلى رأسها الآية 49 من سورة القصص ” قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” انظر كذلك الإسراء 88، ويونس 37- 38 وغيرها.
فلو كان التحدي الذي طرحه النص القرآني يخص البلاغة والبيان كما جاء في تفسير شيوخ العصر العباسي، لكانت سورة الويسكي أبلغ وأبين من سورة الكوثر، وهي السورة التي جاء أصحاب سورة الويسكي بمثلها، فكلمة الكوثر اختلف الفقهاء في معناها بثمانية أقوال: القول الأول “الخير الكثير”، القول الثاني: “القرآن والعلم”، والقول الثالث: “النبوءة والرسالة”، والقول الرابع “كثرة أتباعه”، القول الخامس “حوض الجنة الذي تصب فيه أنهارِها”، والقول السادس “نهر اسمه الكوثر” بحسب حديث صحيح، وهذا المعنى هو الأكثر ترجيحًا عند أهل التفسير، والقول السابع “هم ذرية الرسول” كما جاء في التفسير الكبير للرازي لأن السورة “نزلت في العاص بن وائل” الذي عايَر محمد بالأبتر أي ليس له “أولاد ذكور” يحملون اسمه بعد موته، وقيل بل نزلت في عقبة بن أبي معيط، وهذا التفسير يؤيده أحباءنا الشيعة للقول بالقول الثامن: إن “الكوثر هي بنت الرسول الله فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها”.
أما كلمة “ويسكي”
Whisky لن تجد فقيها واحدًا أو أصحاب المشروبات الروحية يختلف في معناها؛ فهو نوع من أنواع المشروبات الكحولية الفاخرة!


سورة الكوثر بحسب فقهاء العصر العباسي بها عدة محاور مختلفة لا تخضع لسياق مُترابط؛ فمن “نهر في الجنة” إلى الأمر بالصلاة والنحر، ثم الرد على أحد أعداء الرسول وهو في نظرهم ” العاص بن وائل ” لكن سورة الويسكي تخضر لسياق مترابط يتحدث عن شرب هذه المادة اقتداءً بشرب أفضل منها في الجنة بموجب الآية الكريمة في سورة محمد “… وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ…” 15!
نعم شيوخ العصر العباسي أساءوا لسورة الكوثر باجتهادهم هذا، قبل أصحاب سورة الويسكي، ولم يتوصلوا لفهم معنى هذه السورة؛ فجعلوا معناها “متدبدب ومقطع الأوصال”، ونزلوا بمستواها لمستوى عقولهم البسيطة، لأن بينهم وبين لغة الوعظ والإرشاد والتبشير إلا الخير والإحسان؛ التي كانت سائدة
“Lingua franca”
في عصر الرسول، وهي اللغة الآرامية -السريانية، والمصطلحات الروحية معظمها أتت من هذه اللغة كما جاء في علم الفيلولوجيا، وبهذه المناسبة أتقدم بالتحية والإجلال لأستاذي الدكتور اكريستوف لكسنبرغ، وبالتالي الآية الأولى ” إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ” والكوثر باللغة الآرامية “كوثار” ܟܘܼܬܵܪܵܐ بمعنى الثبات والاستمرارية. والسؤال المطروح: الاستمرارية على ماذا؟ الجواب على الخبر بعدها وهي الصلاة ” فَصَلِّ لِرَبِّكَ ” بمعنى أن الله يعطي لأي مؤمن الثبات والاستمرارية والمواظبة على الصلاة، وكذلك ” فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ “انْحرْ ” بجيم آرامية ܢܓܪܐ بمعنى: “نشر نحت، نجر، أصلح،،،” إذا الله يعطي المؤمن الثبات والاستمرارية على الصلاة وعمل الخير والإصلاح، ثم تأتي الآية الأخير للتحذير وليس للردح، فتقول ” إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ” والهمزة من اختراع الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقريش كانت تسهل الهمز كما تخبرنا مصادر القراءات المختلفة، سَنيا ܣܢܵܝܵܐ بمعنى “الذي يكرهك، مبغضك، وعدوك”، وهي كناية عن عدو الخير أي إبليس الذي “بترك” من “بثر، فثر فطر”، ܒܬܪ بمعنى “يبعدك ويخلفك” عن ما تقدم أي الصلاة وعمل الخير والإصلاح، خلاصة القول في شرح سورة الكوثر ” الله يعطيك أيه المؤمن الثبات والاستمرارية في أداء الصلاة وعمل الخير، فصلِ أيه العبد الصالح، واعمل صالحًا، واحذر إن إبليس عدو الخير هو الذي يبعدك ويفصلك عن الصلاة وعمل الخير.
هناك العديد من المحاولات لتقليد سور القرآن، ولم تجد أي اهتمامٍ من طرف المسلمين، فبقيت ترددها فقط بعض الألسن التي لا تحترم مقدسات الغير، لكن قرار المحكمة بسجن هذه السيدة للأسف جعل من هذه المحاولة أن تنجح في الغرض من تأليفها ونشرها، فأصبحت أكثر انتشارًا بين صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، فتساوى أصحاب الحسنات مع خصومهم بالإساءة للنص القرآني، عند رفعهم دعوى قضائية على هذه السيدة (التي نطالب بفك سراحها)، وجعل القاضي والمحكمة بين المطرقة والسندان؛ مطرقة حراس العقيدة، وسندان المطالبة بحرية التعبير! فساعد هؤلاء ولائك في نشرها، ونال كل فريق حقه من الحسانات والأجر العظيم.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.