البؤس العربي …

سميّة الحبيب
( كاتبة من تونس)

[ لأنّ حالة العرب لم تعد تحتمل مزيدا من الثرثرة ، لم تخلو شذرات هذا النصّ من انفعالات العاطفة تهكّما و تحاملا…]

***
بين إشارة ادمون بيرك (ايرلندا 1729/1797) “اخدش أيّة إيديولوجيا و سوف تجد تحتها إرهابيا” !
و بين ما كتبه نيتشة (1844/1900) ” الطريق الذي ينحدر إلى الأصوليّة ، يؤدي في كلّ مكان إلى البربريّة” !
نفهم كيف تحوّل العالم العربي إلى موكب عزاء طويل !
وحده محمود درويش (1941/ 0082) استطاع ، سنة قبل موته، أن يشرح الأسباب : “أنا و الغريب على ابن عمّي/و أنا و ابن عمّي على أخي/ و انا و شيخي عليّ/هذا هو الدرس الأوّل في التربية الوطنيّة الجديدة ، في أقبية الظلام /من يدخل الجنّة أوّلا ؟ من مات برصاص العدو ، أم من مات برصاص الأخ ؟!/ بعض الفقهاء يقول :ربّ عدوّ لك و لدته أمّك ! (أثر الفراشة ،2007 )” !

***

المفاجآت في العالم العربي تعمل دائما في مكان آخر غير متوقّع !
فبعد ربيع ثوري ملفّق مازلنا لم نعرف حتّى من أين تأتي الطعنة و لا حتّى من أين أتت “داعش” !
وحدها إشارة أدونيس (سوريا 1930-) تبدو أقرب للمنطق و للحقيقة : ” يدفعني وضع هذه “الأمّة” إلى القول إن الغرب “يحيا” ، في جانب كبير من حياته ، بــــــ”موتها”.و عبثا تبحث هي عن “صداقة” فيه، تنقذها “.

***
لأنّ العمالة و الإنبطاحية هي أعدل الممارسات قسمة و أكثرها ديمقراطيّة بين الرؤساء و الملوك العرب. لم يعد لنا ، أمام صفقات التاريخ و مكائد ترامب ، سوى خيارين !
– إمّا أن نحلم بأن يصدق المثل العربي و لو لمرّة واحدة : ” العربي يأخذ بثأره و لو بعد أربعين سنة “
– و إمّا الرهان على معجزة !

***
الأبيض، للكفن و الموتى
الأبيض، للسلام و الاستسلام
“البيت الأبيض”، هو جميعهم و من هنا بدأت محنة الشعوب…
فحسب المقتضيات الجيو- استراتيجيّة الغربيّة و الأمريكيّة ، تطلّ علينا صحرائنا العربيّة القاحلة بداعشيها ، لتشعل في البلاد العربيّة الحرائق و تقيم المذابح ، بوصفها إسعافا ميتافيزيقيّا “رأسماليا” لنكفّر بالموت و القتل عن خطايانا و شرورنا و تقصيرنا في طاعة الله و الخروج عن تعاليم “رأس المال “.

***

لأنّ الأم ،رمزيا، تعبّر عن الأوطان و الأرض(الانتماء) و القبيلة (الهويّة ) و الشجرة (التجذّر و الأصل ) فان نحن حملنا إلى الراهن العربي ، زيادة على ما قالته جوكستا لإبنها أوديب لتهوّن عليه ما اقترفه : “ما من إمرىء إلاّ وضاجع أمّه في أحلامه. ولكن تسهل الحياة لكلّ من لا يعطي أهميّة لهذه الفظائع …” تصبح حكومات العالم العربي و جماهيره ، بعد الربيع العربي ، نتاج لــــ”سفاح قربى” سياسي بوصاية غربيّة و تواطؤ إخواني وهابي.
***
من أين يستمدّ العربي بؤسه و كلّ إحباطاته : من انفصاله عن العائلة ، و المجتمع و الدولة و الثورة و السياسة و المدرسة و الجامعة و الذاكرة و التراث و التاريخ والفنّ و الثقافة و هذيان الماضي و الحاضر المفتوح على الدم و احتمالات المستقبل و ” الجلوس أسبوعيّا بين يدي إمام جمعة و الوقوف أمام منبر و عظه ؟ […] من أجل هويّة واحدة مغلقة لا تتأسّس على معادلة حقيقيّة بين ذات و معنى ؟ ” (الطّاهر أمين ، بؤس الهويّة ،2013) … و استعجاله الذهاب الى الجنّة أيضا !
***
” إن ما يقوله بولس عن بطرس ،يخبرنا عن بولس أكثر مما يخبرنا عن بطرس” (سبينوزا 1632/1677)
أشارت هيلان دوتش(1884/1982) الى وجود أفراد لا يملكون شخصيّات خاصّة بمعنى أنهم يبحثون عن ذواتهم في الأخر ويتهيّأ لهم أنهم قد أصبحوا رديفا لها و شبيهابها
(as if )
بمجرّد تقمّصه و سرد بطولاته و مفاخره و لكنّهم في حقيقة الأمر ليسوا إلا نسخا مشوّهة ، مصطنعة و باردة تخبرنا عن عجزهم هم أكثر مما يحاولون إخبارنا به عن بطولات القدامى و مناقبهم.
فالإفراط في توصيف بطولات عمر و بطشه ، وشجاعة سيف الله المسلول ، و دهاء عمر ابن العاص و مكره… يفضح الرغبة اللاّواعية في عبوديّة رؤى الماضي و الإنصاعيّة المختارة للارتهان لتعاليم الكتاب و نصوص الحديث الأمر الذي يجعل المستقبل العربيّ ضبابيّا مفتوحا أكثر على جنون القتل و الدم …

***

تحميل الموت مازال جاريا على صفحات
Youtube !
تنزل المرأة إلى حفرة، ينهال التراب عليها و من بعدها الحجارة إلى أن تترنّح ميّتة…
يُساق بعضهم إلى مسلخ الموت .
رصاصة واحدة في الرأس كافية “ليتطاير” دمه الفوّار. يختلط اللون الأحمر بمياه البحر الأزرق . يحرق الطيّار أسير الحرب اقتداء بما فعله خالد ابن الوليد و أبو بكر…
يُرمى البعض من علو شاهق …
تنكّل جثث الجنود و تُقطّع أوردتهم بــــ”سادية” “متوحّشة” …
لا تحضر صحرائنا العربيّة إلاّ مبلّلة بالدم يتساقط من نخلها تمر الهُويّات القاتلة و هي كلّ ما يكفي لتركيبة “كيمياء” بخور “المصحف و السيف” داخل موقد المقولة ” كتب عليكم القتال”.

نستعير هنا عبارات مظفر النواب لنتساءل: ” كيف يحتاج دم بمثل هذا الوضوح إلى (مصحف و سيف) كي يفهمه ؟” و يبرّره ؟

***
سؤال : ممّا يشكو الداعشي ؟
جواب : من قلق حادّ من “الخصاء” !
سؤال : ما دليلك ؟
جواب : الخنجر و السيف و الكلاشيكوف و كلّ الأدوات القضيبيّة الأخرى . خذ مثلا ، أسامة بن لادن ، لمّا يُزبد و يهدّد ،دائما ما يضع سلاحه منتصبا على ركبتيه كما القضيب (الفالوس المنتصب) …

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.