الاجتهاد القضائي لا يكفي

سناء العاجي

“اجتهاد قضائي جريء”.. “سابقة في المغرب”.. “نحتاج لقضاة في هذا المستوى من الجرأة”.. هذه التعليقات السخية على مواقع التواصل تنطلق من حكم قضائي صدر عن المحكمة الابتدائية بزاكورة، جنوب شرق المغرب، بتاريخ 15 فبراير 2021، جاء فيه بخصوص جنحتي الخيانة الزوجية والمشاركة في الخيانة الزوجية: “وحيث أن إبرام عقد الزواج لا يعتبر سببا لاعتبار العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة فسادا. وحيث أنه مادام المتهمان يتعاشران معاشرة الأزواج وهي تعتبر نفسها زوجة شرعية له ويقطن معها، فإن جنحة الخيانة الزوجية والمشاركة فيها غير قائمة ويتعين التصريح ببراءتهما منها”.

قد نفرح لقراءة القرار القضائي ونعتبره بدورنا اجتهادا قضائيا حداثيا جريئا عصريا. لكن أصل المشكل بعد قائم: الفصل القانوني الذي يعاقب بالسجن من شهر إلى سنة كلَّ علاقة جنسية خارج الزواج، ويعتبرها فسادا، مازال قائما يهدد كل مواطن راشد في هذا البلد (حتى لو كان لا يطبق باستمرار).

بمعنى أننا، بدل أن نمتلك جرأة تعديل القانون، سنحتفظ به ونأمل أن نعثر هنا وهناك على قاض يملك جرأة تأويل النصوص بشكل مختلف، وقد يأتي بعده قاض آخر في محكمة الاستئناف ليغير القرار اعتمادا على نفس النص القانوني.

وقد حدث هذا بالفعل منذ حوالي أربع سنوات، حين اعتمد قاض بالمحكمة الابتدائية بطنجة تحليلات الحمض النووي
(DNA)
لإثبات بنوة طفلة أنجبت خارج مؤسسة الزواج، وألزم الأب بالنفقة وبتسجيل الطفلة باسمه (هذا القرار القضائي لم يلزم الأب اتجاه الأم، كأن يفرض عليه الزواج معها مثلا، لكنه ألزمه أساسا اتجاه الطفلة لحماية حقوقها).

صفق الكثيرون للقرار حينها واعتبروه تقدما واجتهادا قضائيا إيجابيا… إلى أن قرر قاضي الاستئناف أنَّ… “الولد للفراش”! وأنه، بما أن علاقة الزواج غير قائمة، فحتى بوجود دليل علمي يثبت بنسبة 99،99٪ بنوة الطفلة، إلا أنها أنجبت خارج علاقة الزواج، وبالتالي لا يجبَر الأب على تسجيلها باسمه ولا على تحمل نفقاتها.

لن نتحدث هنا عن العبثية التي تجعل فتاوى ونصوصا عمرها قرون، تقرر في مصائر أشخاص حتى بعد أن تطور العلم وأصبح يقدم إجابات واضحة على مناطق الظل والشك سابقا. لن نربط هذا بخطابات أشخاص مازالوا مصرين أن الإسلام يدعو للعلم وهم يرفضون العلم في إثبات البنوة وفي تدبير فترة العدة (العلم جميل، لكنه ليس كذلك حين يتعلق بجسد المرأة وبالجنس وبالنسب!).

لكن، وحتى نعود لموضوعنا الأصل، فالواقعة لا تستحق الفرح والتهليل الذي انتشر حولها على مواقع التواصل. الأمر لا يتجاوز تكييفا لقضايا “ثبوت الزوجية”، وهي تسوية قانونية لعلاقات عرفية مازالت سائدة في عدد من المناطق بالمغرب، حيث يتزوج البعض دون توثيق عقد الزواج.

كما أن الاجتهادات القضائية قد تأخذنا في جميع الاتجاهات، حيث أصدر قاض بمدينة الناضور (شمال شرق المغرب)، في 16 ماي 2012، حكما قضائيا اعتبر فيه أن إصابة الزوجة بمرض السكري يعدد مبررا موضوعيا للتعدد (لأن التعدد في المغرب يحتاج لمبرر استثنائي حتى يأذن به القاضي).

بمعنى أن الاجتهادات القضائية قد تكون محمودة، كما قد تكون كارثية. لكن الأصل، لضمان حماية الحقوق، هو القانون.

الحداثة الحقيقية والتقدم الحقيقي، هو أن نقطع مع هذه القوانين القروسطية وأن نتبنى منظومة قانونية تحترم حريات الأفراد وتضمن المساواة في الحقوق بين النساء والرجال. ما دون ذلك، فسنستمر في الرقص فرحا لاجتهاد قضائي هنا (حتى لو كان ناقصا) وللغضب من اجتهاد قضائي متخلف هناك!

لكل هذا ولأسباب كثيرة أخرى… نحتاج لتغيير كل القوانين التي تجعل من القضايا الشخصية… أمورا عامة. والتي تجعل أفرادا يدخلون السجن بسبب اختيارات جنسية أو عقدية خاصة.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.