الإطاحة بنظام الملالي بانتفاضة أخرى

نظرة عامة على المشهد السياسي والاجتماعي الحالي في إيران والتطلعات المستقبلية

بقلم عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

مضى عام على انتفاضة نوفمبر 2019 العظیمة. الانتفاضة التي هزت أسس ورکائز أفظع ديكتاتورية في تاريخ إيران والمنطقة، وقدمت أكثر من 1500 شهيد في 900 مدينة إيرانیة تارکةً رسالة للخطوة التالية للانتفاضة مفادها “الغضب والسلاح!”.

كانت سمات هذه الانتفاضة بالنسبة للنظام مليئة بالخوف والذعر. لأن الجيل الجديد الذي یشکل جوهر الانتفاضة ونواتها، قد انتفض ضد النظام وتصدر المشهد. کما لعبت المرأة الإيرانية دوراً مؤثراً وفعالاً في قيادة الانتفاضة ضد الملالي.

وترکزت هجمات الثوار علی المراكز الحكومية والعسكرية التابعة للنظام، مما يشير إلى منحى الانتفاضة باتجاه الراديكالي باعتباره سمة بارزة من سمات استراتيجية معاقل الانتفاضة، مما لم يترك مجالاً أو فجوة لإساءة استخدام الانتفاضة من قبل ما يسمى بالبدائل والمعارضة الکاذبة المستقرة في الخارج التابعة للنظام ولوبیاته الخاصة.

نبعت انتفاضة نوفمبر 2019 الناریة من إرادة الشعب الإیراني وتأصلت في أعماق المجتمع دون أن تربطها أية صلة بأي من أجنحة النظام أو أي سلطة وحکومة في العالم. إنما اتصلت بعنصر قیادة الانتفاضة أي المقاومة الإیرانیة فحسب. وبالتالي لا عجب أن یتصدر خامنئي المشهد مهرولاً ویأمر بقمع الانتفاضة وقتل المتظاهرین وقطع شبکات الإنترنت کاشفاً عن طبیعته المماثلة لطبیعة خمیني والمجبولة علی الشر والفساد.

لعل مسؤولي النظام الإيراني قد أدرکوا جیداً حقیقة أن انتفاضة نوفمبر 2019 هي مناورة عملية وتمهیدیة لـ “إسقاط النظام” ولهذا هم مرعوبون للغایة! مناورة أثبتت صحة وشرعية استراتيجية المقاومة الإيرانية في ساحة العمل وعلی أرض الواقع. خیر دلیل علی هذه الحقیقة یتمثل في تصريحات خامنئي بتاریخ 8 ینایر 2020، والتي أعلن فیها صراحة بأن مجاهدي خلق هم سبب انتفاضة نوفمبر 2019.

في مثل هذه الأیام من العام الماضي، اندلع لهیب الانتفاضة فجأة في أكثر من 200 مدينة في 29 محافظة من أصل 31 محافظة إیرانیة، مما دلّ بوضوح على التنظيم المبهر والقیادة الفذة اللذین تتمتع بهما الانتفاضة، وأظهر حقيقة أن تلك الانتفاضة لم تکن حركة عشوائیة ولا عفوية، بل علی العکس کانت موجهة بدقة ومرتبطة بجهة قیادیة!

منذ انتفاضة ینایر 2018 وحتی انتفاضة نوفمبر 2019، تمكنت معاقل الانتفاضة التابعة للمقاومة الإيرانية من انتهاز عنصر “الوقت” بشکل کبیر لتعزیز وتطویر نفسها. المعاقل التي سيكون لها القول الفصل فیما یتعلق بمصیر إیران، بدعم من الشعب الإیراني. وهي الحقيقة التي أرعبت ليس فقط مسؤولي النظام الحاكم، ولكن أيضا عملاء ما يسمى بـ “البدائل الخارجية المزعومة”.

الیوم يشهد العالم حقيقة أن الملالي الحاکمین في إيران الذین لیسوا سوی أقلية ضئیلة، صاروا محاصرین بنیران غضب غالبية المجتمع الإیراني، وباتت الديكتاتوریة الدينية الحاكمة في إیران علی شفا الانهيار، ولم يبق أمامها الکثیر حتى السقوط الحتمي!

شهداء انتفاضة 2019، الذين جمعت أسماء 900 شخص منهم حتى الآن من قبل منظمات مجاهدي خلق داخل إیران، خير دليل على جذور المقاومة ومستقبل جيل استجاب لنداء قائد المقاومة الإيرانية. جیل ملتهب وثوري وعازم لا يرضی بأقل من إسقاط النظام باعتباره رغبة الشعب الإيراني برمته والتي لابد من تحقيقها!

ما أجمل وأدق ما قالته الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، السیدة مريم رجوي، یوم الثلاثاء 10 نوفمبر 2020، في الذكرى الأولى لانتفاضة نوفمبر 2019:

«أولاً، حان الوقت للإطاحة بالديكتاتورية الدينية. ثانياً، وکما قال قائد المقاومة مسعود رجوي حتی ولو کانت مع النظام کل من الولايات المتحدة وأوروبا والصين وغیرها من القوی العظمی التي کانت تدعم الشاه، فإن السقوط “أمر مفروغ منه” وسیتحقق، وثالثاً، ستبقی الکلمة الأخیرة للشعب الإيراني. نحن كتّاب مصيرنا ومصير شعبنا ووطننا».

الوضع الحالي للنظام

الیوم یمر النظام بأضعف مراحله علی صعید توازن القوى المحلية والدولية. ولهذا يعمل ولي فقیه الملالي، علي خامنئي، علی سدّ الطریق أمام عناصر العصابة المهزومة، في إطار مشروع الانکماش والتوحید الحکومي. لأن عناصر مثل حسن روحاني، على الرغم من أنهم صنیعة ید الولي الفقيه نفسه، إلا أنهم یعرقلون تحرکاته ویحدون من حریته في خضم الصراع علی السلطة لدرجة أنه إذا کان الوضع الحالي للنظام یسمح، لكان خامنئي قد أقصی روحاني قبل الانتخابات المقبلة (منتصف عام 2021).

حالة المجتمع الإيراني

في سياق الانتفاضات الشعبية المنظمة، لا تزال الحالة الثوریة للمجتمع الإیراني التي تبلورت بشکل باهر في انتفاضة نوفمبر، قویة، بل أصبح المجتمع الآن أكثر استعداداً وجاهزیة من أي وقت مضى، والظروف مرشحة للانفجار بعد أن فاقمت سلسلة التطورات التي حدثت في العام الماضي من شدة الظروف الذهنية والموضوعية ونطاقها.

بشکل عام یمكن الإشارة إلی عاملان رئیسیان أدیا إلی تفاقم الوضع: الأول هو ظهور وانتشار فيروس كورونا القاتل والآخر هو الانهيار الاقتصادي وسقوط شریحة کبیرة من المجتمع في قاع الجوع والفقر، ويمكن تلخيص نتيجة هذین العاملین في الوضع المتفجر للمجتمع وتزاید استیاء وغضب الناس إزاء هذا النظام بشکل یومي.

على الرغم من أن ظهور فيروس كورونا وانتشاره في إيران جاء لصالح الملالي في بدایة الأمر، إلا أن الناس الآن يدركون جيداً أن السبب الرئيسي وراء إصابة ملايين الإيرانيين بهذا الفيروس القاتل -مع أكثر من 150 ألف ضحية- هو النظام نفسه الذي لم یدخر جهداً في سبیل دفع الناس إلی مذبحة کورونا والقضاء علی المقاومة لدرء خطر السقوط عن نفسه.

والعامل الرئیسي الآخر الواضح وضوح الشمس في وضح النهار والموازي لحالة النظام المتزلزلة والهشة، هو الفقر المدقع الذي فرضه الملالي علی المجتمع الإیراني، بحیث بلغ عدد العاطلين عن العمل 11 مليون شخص، وفقد 6.5 مليون موظف وظائفهم، وأصبحت 97٪ من الوظائف غير مستقرة ومؤقتة. والدخل الشهري ضئیل لدرجة أنه لا يكفي للعيش أكثر من بضعة أيام.

وضع مقاومة الشعب الإيراني

على الرغم من أن نظام الملالي لم يكتف بقتل الآلاف من الشباب الثوار في ساحة انتفاضة نوفمبر 2019، وارتأى الاستمرار في تعذيب وإعدام معتقلي الانتفاضة وإعدام السجناء هو الحل لخلق جو من الفزع والترويع في المجتمع والحيلولة دون قيام الشعب والمقاومة الإيرانية بتصعيد الانتفاضة إلى مستويات أخرى، بيد أن إجراءاته ضد استعدادات معاقل الانتفاضة في المجتمع الإيراني المشتاط غيظًا لإسقاط نظام الملالي الديكتاتوري تافهة للغاية وهشة، وما يفتح الطريق مقدمًا هو معاقل الانتفاضة ونشاطهم اليومي الدؤوب المبشر بالأمل ضد نظام الملالي؛ والتي تعتبر في الوقت نفسه الدليل المادي والأكثر وضوحًا على الحالة الثورية في المجتمع. مجتمعٌ يُصعِّد فيه إعدام أبطال المجد والاعتزاز بالنفس من أمثال نويد أفكاري ومصطفى صالحي الاحتجاج والمقاومة الشعبية ويرفع الروح القتالية والثورية بين الشباب الإيراني عاليًا إلى عنان السماء، خلافًا لما يتوقع نظام الملالي.

علامات المرتقى الأخير لانتفاضة الشعب

يفكر الشباب الإيراني الآن في توفير السلاح للمضي قدمًا في مهمة الإطاحة بنظام الملالي، وهذا الأمر بث الرعب في قلوب قوات أمن النظام الفاشي. ونشرت الصحف الحكومية خلال الشهر الأخير أخبارًا متوالية عن مصادرة أسلحة في الأهواز وهمدان واصفهان ولرستان وإيلام وفارس وكرج.

وتفيد الإحصاءات المنشورة في وسائل الإعلام الحكومية أن عدد قوات الشرطة يقترب من 250,000 فرد، وأن قائد هذه القوات يطالب بزيادة هذا العدد ليصل إلى نصف مليون فرد. كما يسعى المساعد الأمني لمحافظ طهران إلى زيادة عدد مراكز الشرطة في العاصمة من 86 إلى 200 قسمًا.

هذا وأمر نظام الملالي قواته القمعية بالاستمرار في إطلاق صفارات الإنذار واحدة تلو الأخرى لترويع أبناء الوطن. وبالتزامن مع هذه الجهود اليائسة، أعلن قائد قوات حرس نظام الملالي عن خطة النظام لتفتيش منازل المواطنين منزلًا منزلا بحجة التعرف على المرضى. كما أعلنت السلطة القضائية عن أن أحياء طهران أصبحت غير آمنة وتشكل خطرًا كبيرًا على نظام الملالي. ونتيجة لذلك، تم إنشاء مقر عسكري في طهران للتصدي للشباب، ومقرًا آخر تحت غطاء السيطرة على الأسعار. وتشير هذه الإجراءات وما شابهها إلى أن نظام الملالي لا مخرج له من مأزق الإطاحة.

رؤيتان حول مستقبل إيران

الأمر المذهل في رؤية الملالي تجاه بقاء نظامهم هو أنهم يعقدون الأمل على بعض التطورات مثل الانتخابات الأمريكية. فهم ينتظرون بفارغ الصبر تغييرًا في السياسة الأمريكية ويسعون إلى استغلال الفرصة. غير أنهم لا يدركون أنه من باب المستحيل أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه في الماضي.

لأن الأشخاص الذين تعهدوا بتغيير مجتمعهم قد وصلوا إلى نقطة اللاعودة وهي نقطة الحث على ضرورة التغيير، ويرددون هتاف “واحسرتاه على يومٍ نحمل فيه السلاح ضد بعضنا البعض”. وهذ هو الحل الأخير في الصراع بين الشعب والديكتاتور. فسجل هذا النظام الفاشي أسود وحافل بحالات النهب والسلب والقتل والخرافات والخداع لدرجة أن أبناء الوطن لم يعد لديهم القدرة على تحمل هذا الجبروت.

بيد أننا يمكننا أن ندرك الرؤية الأخرى في رسالة زعيم المقاومة الإيرانية السيد مسعود رجوي، حيث قال: “إن جميع تقديرات واستثمارات خامنئي وروحاني وظريف تدور حول عقد الأمل في الانتخابات الأمريكية ورحيل ترامب. غير أن الوضع الثوري وأزمة الإطاحة التي اجتاحت هزاتها مجلس شورى الملالي مثلما حدث في المرحلة الأخيرة من نظام الشاه، لا أمان له. فالإطاحة الحتمية بالديكتاتورية الدينية سواء بمساعدة ترامب أو بدونها قضاء وقدر وتقع على عاتقنا نحن وشعبنا والثوار في جيش التحرير”.

ويجب أن نتذكر أنه عندما حان الوقت للإطاحة بنظام الشاه، لم يكن لديه القدرة على الصمود أمام انتفاضة الشعب الإيراني وتمت الإطاحة به، على الرغم من أنه لم تكن هناك عقوبات حينذاك فحسب، بل كان يتمتع بالتمويل والدعم الكامل من أمريكا وأوروبا. وذلك لأن الكلمة الأخيرة وتقرير المصير دائمًا ما يكون بيد الشعب والمقاومة المتجذرة في المجتمع وتحظى بدعم الشعب.

المشهد المستقبلي

بمناسبة الذكرى السنوية لانتفاضة نوفمبر 2019، قالت السيدة مريم رجوي في جزء من كلمتها: “لم يعد من الممكن تكرار سياسة الاسترضاء، وقد انتهى وقت الوقوف إلى جانب الملالي. ولم ينس الملالي أنهم تلقوا أقوى الضربات على الساحة الدولية من هذه المقاومة في أوج مرحلة سياسة الاسترضاء، ومن بينها شطب منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وجيش التحرير من قوائم الإرهاب الأمريكية، وكذلك إخراج مجاهدي خلق من مخالب الجلادين العراقيين المنتمين لنظام الملالي”.

نعم، من المؤكد أن الشعب الإيراني سوف يتمكن هذه المرة تحت قيادة الهيئة الرائدة للانتفاضة من الإطاحة بنظام الملالي الديكتاتوري مثلما تمكن من الإطاحة بنظام الشاه الديكتاتوري خلال رئاسة جيمي كارتر لأمريكا بتشجيع من المنظمات الثورية الرائدة في ذلك الوقت.

وأيًا كانت رئاسة الجمهورية الأمريكية هذه أم تلك، فإن الأمر وتحديد المصير بيد أبناء الوطن والمقاومة الرائدة.

@m_abdorrahman

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني.

About حسن محمودي

منظمة مجاهدي خلق الايرانية, ناشط و معارض ايراني
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.