“الإخوان” والحركات الجهادية

بابكر فيصل

عائلات روسية يعتقد أنها على صلة بتنظيم “داعش” تصل مدينة القامشلي من مخيم الهول
يزعم كثير من مناصري جماعة الإخوان المسلمين أنه لا توجد روابط فكرية بين تنظيمهم والحركات الجهادية المتطرفة مثل “القاعدة” وتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، وهو زعم لا تسنده حقائق الواقع. فعلى الرغم من أن الجماعة تتمتع بسند اجتماعي واسع وتتبنى منهجا للدعوة وسط الجماهير يختلف عن تلك الحركات، إلا أنها تتشارك معها في العديد من الأفكار والوسائل المتبعة لتحقيق الأهداف.
تمثل الدعوة لقيام الخلافة الإسلامية مرتكزا أساسيا من المرتكزات الفكرية للحركات الجهادية وللإخوان، وقد نادى بها المرشد المؤسس حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس حين قال “الإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس منهاجهم”، كما أنه وضعها في المرحلة الخامسة من مراحل التمكين الست التي تسعى لها الجماعة والتي تبدأ بالفرد وتنتهي بأستاذية العالم.
غير أن ارتباط الحركات الجهادية العنيفة، و”داعش” على وجه الخصوص، بفكر الإخوان المسلمين لا يقتصر فقط على الدعوة لإقامة الخلافة، بل يمتد ليشمل المنطلقات الفكرية الأخرى ووسائل العمل ومناهج التغيير.
الإخوان يشاركون “داعش” وأخواتها النظرة للمسلمين المختلفين معهم في الأفكار والتوجهات فجميعهم يصدرون عليهم حكما بالخروج عن دائرة الإسلام (الكفر)
يقوم مشروع جماعة الإخوان على إحداث التغيير في المجتمع عبر وسائل عديدة، يقف في مقدمتها الوصول للسلطة ويقول قادتها إن الجماعة قامت أساسا من أجل تمكين الدين وإن الاستيلاء على السلطة يعد وسيلة لتحقيق تلك الغاية.
الاستيلاء على السلطة بهذا المعنى يقود إلى الطعن في مشروعية الحكومات القائمة باعتبار أنها لا تعمل على تمكين الدين وهو الأمر الذي يعطي المبرر لتكفيرها والخروج عليها بكافة الوسائل، ومنها الوسائل العنيفة، ومن هنا فإنه يمكننا فهم مغذى شعار الجماعة الذي يزينه سيفان ومكتوب عليه “وأعدوا” وكذلك فإن البيعة للجماعة تتم على المصحف والمسدس.
قد ترجمت الجماعة فكرة التغيير العنيف عمليا بإنشاء التنظيم الخاص الذي نفذ عمليات اغتيال أحمد ماهر والقاضي أحمد الخازندار ومحمود فهمي النقراشي وغيرهم، ثم تطورت الفكرة في مرحلة لاحقة على يد سيد قطب ولم تعد مقتصرة على الحكومات بل شملت المجتمعات حيث طور الأخير مفهوم الحاكمية الذي نادى به أبو الأعلى المودودي وأضاف إليه مفاهيم الجاهلية والعبودية والألوهية وغيرها.
هذه المفاهيم شكلت الأرضية التي انطلقت منها جماعات التكفير والتغيير العنيف في منتصف ستينيات القرن الماضي في مصر وهي الجماعات التي مثلت بدورها الحاضنة الأساسية التي خرجت منها تنظيمات “القاعدة” و”داعش” وغيرها.
وقد كان الفلسطيني عبد الله عزام المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين هو الأب الروحي لأسامة بن لادن، وهو الرجل الذي وضع الإطار الفكري لتنظيم “القاعدة” مستلهما فكرة الطليعة المؤمنة التي تحدث عنها قطب حيث نادى بإعدادها عبر ثمانية مراحل حتى تصبح “القاعدة الصلبة” للتغيير بحسب تعبيره الذي اتخذ منه التنظيم اسما في مرحلة لاحقة.
لم تشترك جماعة الإخوان المسلمين مع “داعش” وأخواتها في فكرة الخلافة والتغيير العنيف لأنظمة الحكم فحسب بل شاركتهم كذلك في إضفاء المشروعية على ما يُعرف بالعمليات الانتحارية/الاستشهادية التي صارت الأداة الأكثر فتكا التي تستخدمها التنظيمات الجهادية ضد المسلمين وغيرهم.
صحيح أن الإخوان المسلمين أفتوا بجواز استخدام هذه العمليات في حالات معينة مثل الحالة الفلسطينية كما قال بذلك الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه “فقه الجهاد”، ولكن من الجلي أن مجرد الإقرار بمبدأ استخدام التفجير والنسف والتصفية والقتل يعني أن هناك آخرين سيوظفونه وفقا لرؤاهم ومصالحهم وسيجدون من النصوص والفتاوى ما يسمح لهم بتبرير ذلك.
كذلك يشترك الإخوان المسلمون مع “داعش” وأخواتها في النظرة لمفهوم “الوطن” والعلاقة مع الآخر غير المسلم فجميعهم ينادون بأخوة العقيدة التي تتجاوز المواطنة ويعتبرون أن وطن المسلم هو دينه.
وبناءً على هذا الفهم قامت “داعش” بفرض الجزية على غير المسلمين في الأماكن التي سيطرت عليها في العراق وسوريا وهو ذات الأمر الذي عبر عنه قبل عدة سنوات مرشد الإخوان المسلمين الأسبق في مصر، مصطفى مشهور، عندما قال إن جماعته تطالب بتطبيق الجزية على أقباط مصر مع منعهم من دخول الجيش تحسبا لخيانتهم.
قد يقول قائل إن عددا من فروع جماعة الإخوان المسلمين في البلدان العربية قد قبل بمبدأ المواطنة، ولكننا نلفت انتباه هؤلاء إلى أن ذلك القبول لا يعكس القناعات الحقيقية للجماعة وإنما يُعبر عن مطلوبات فترة التمكين التي سرعان ما تتكشف عند الاستيلاء على السلطة فالجماعة ظلت دوما تستخدم مفهوم التقية وتختبئ خلف الخطاب المزدوج الذي يُخفي كثيرا من المبادئ والقناعات وهو الأمر الذي تبدى بصورة واضحة خلال فترة الحكم الاستبدادي للإخوان في السودان والذي امتد لثلاثة عقود.
ليس من المستغرب أن تلتقي أفكار جماعة الإخوان بتوجهات الجماعات التكفيرية العنيفة، فجميعهم استقى من النبع السلفي
ليس هذا فحسب، بل إن الإخوان يشاركون “داعش” وأخواتها النظرة للمسلمين المختلفين معهم في الأفكار والتوجهات فجميعهم يصدرون عليهم حكما بالخروج عن دائرة الإسلام (الكفر)، وهو الأمر الذي أوضحه المرشد المؤسس حسن البنا عندما قال في ختام شرحه لمنهج الجماعة ومراحل التمكين: “إننا نعلن في وضوح وصراحة أن كل مسلم لا يؤمن بهذا المنهج ولا يعمل لتحقيقه لا حظ له في الإسلام”.
كذلك ـ وكما لاحظ عبد الله بن بجاد ـ فإن الدعاية الحربية التي تستخدمها “داعش” وكانت قد استخدمتها من قبل “القاعدة” وحركات الجهاد في أفغانستان مأخوذة من تقاليد الإخوان المسلمين، ومن ذلك رواياتهم الكثيرة عن الكرامات، عن ابتسامات الموتى ورائحة المسك التي تفوح من جثث الشهداء، إضافة لاستخدام إغراء الحور العين كوسيلة تجنيد فعالة وقد عايشنا كل هذه الأمور في السودان إبان الحرب الأهلية في الجنوب.
ليس من المستغرب أن تلتقي أفكار جماعة الإخوان بتوجهات الجماعات التكفيرية العنيفة، فجميعهم استقى من النبع السلفي، فمن الثابت أن الأولى كانت امتدادا طبيعيا لمدرسة “المنار” التي أنشأها الشيخ رشيد رضا الذي تتلمذ على الإمام محمد عبده ولكنه تحول إلى داعية من دعاة المدرسة النصية ومدرسة الحديث.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.