#الإخوان المسلمون.. إسلام الألعاب النارية

بابكر فيصل

الألعاب النارية هي صنف من المقذوفات تستخدم لأغراض الترفيه والتسلية في الأعياد والاحتفالات، وتتميز بألوانها والأشكال التي تصنعها والضجيج الذي يصاحبها، ولكن الملمح الأكثر أهمية المرتبط بها هو أنها لا تترك أي أثر بعد تلاشيها.

الألعاب النارية تشبه إلى حد كبير نمطا من التديُّن يهتم أصحابه بالأشكال والمظاهر الخارجية أكثر من اهتمامهم بجوهر الدين وقيمه العليا، تديُّن لا ينفذ إلى النفوس ويترك أثرا في السلوك بل يبقى في السطح ويزول بزوال المؤثر، وقد تفشى هذا النمط في السودان خلال فترة حكم تنظيم الإخوان المسلمين التي امتدت لثلاثة عقود.

وكان ميدان القيم هو أكثر الميادين الدالة على انكسار دولة الإخوان التي ادعى أصحابها أنهم ينطلقون في الأساس من المبادئ الأخلاقية المُتضمنة في الدين الإسلامي، وقد تم الترويج لتلك الدولة في مقابل الدعوات السياسية الأخرى من منصة ربط قيم السماء بالأرض وبناء الفردوس الدنيوي بسواعد الأطهار والأنقياء من أصحاب الوجوه النورانية والأيادي المتوضئة!

ويدرك كل صاحب بصر وبصيرة أن المنتوج النهائي لتلك الدولة قد تجلى في المفارقة المذهلة بين التدين الشكلي والأخلاق، إذ تزايدت مظاهر ذلك النمط من التدين بصورة واضحة لا تخطئها العين بينما تدهورت الأخلاق بشكل مريع وغير مسبوق.

قد تبدت أبرز تجليات العلاقة العكسية بين التدين المصطنع والأخلاق في ظاهرة امتلاء المساجد بالمصلين، وهو الأمر الذي عده أنصار دولة الإخوان دليلا قاطعا على نجاح مشروعهم السلطوي، وطفقوا يقولون إن قبل سيطرتهم على الحكم لم يكن هناك إقبال على الصلاة الجماعية ولم تكن المساجد مملوءة بمثل الأعداد الغفيرة من المصلين التي شهدتها فترة توليهم السلطة.

لا شك أن الإقبال على المساجد تزايد بصورة كبيرة في فترة حكم الإخوان، ولكن السؤال البسيط الذي يجب أن يطرح في هذا الإطار هو: هل كان غرض مشروع الإخوان يتمثل في ملء المساجد بالمصلين أم سعى ذلك المشروع للنفاذ إلى الغاية الأخلاقية من أداء شعيرة الصلاة وهي النهي عن الفحشاء والمنكر؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي نستطيع عبر الإجابة عليه أن نقيس مدى نجاح أو فشل المشروع الإخواني.

صحيح أن أعداد المصلين بالمساجد كانت في السابق أقل مما شهدته فترة حكم الإخوان، ولكن الصحيح أيضا أن الفساد لم يكن في الماضي منتشرا بالشكل المرعب الذي شهده عهدهم، ولم تكن الرشوة جزءا من الحياة اليومية للموظف أو المسؤول الحكومي ولم يكن الاحتيال مُتفشيا بالصورة المخيفة ولم تكن السرقة والاغتصاب والقتل والنهب تمثل خطوطاً يومية ثابتة في صفحات الجرائد.

إن ذات الأشخاص الذين يحرصون على أداء الصلاة في الصف الأول ويذرفون الدمع خشوعا عندما يتلى عليهم القرآن ويأتون بجميع الأوراد، هم أنفسهم الذين يحلفون بالله كذبا في السوق ويبيعون البضائع الفاسدة والمنتهية الصلاحية ويطففون في الميزان ويأكلون حقوق الناس بالباطل.

ومن ناحية أخرى، فإن المجتمع لم يكن في الماضي يعيش حالة النفاق العام التي شهدها حكم الإخوان، وهو النفاق الذي لم يقتصر على احتفاء الأفراد بالمظاهر الخارجية للتدين على حساب السلوك القويم، بل امتد إلى ممارسة العبادات بذات طريقة الألعاب النارية التي أفرغتها من محتواها الحقيقي وغايتها الأصلية بوصفها علاقة خاصة جداً بين العبد وربه.

أضحى السفر لقضاء الحج والعمرة أقرب للترفيه منه للعبادة الحقيقية، فتجد المعتمرين يتواعدون على اللقاء في أرض الحرمين على طريقة المسافرين لقضاء عطلة صيفية في شاطئ الإسكندرية أو أرخبيل جزر القمر، يذهبون ويعودون لممارسة الكذب والنفاق والسرقة دون أن يرمش لهم جفن، يظنون أنهم يخدعون ربَّ العالمين بتكرار الذهاب لبيته كل شهر وكل عام.

وعلى ذات النسق تحوَّل المسجد “بيت الله” من مكان لممارسة العبادة إلى تجمُّع للتظاهر الاجتماعي وللتعبيرعن التمايز الطبقي الصارخ، وفي هذا الاطار اشتهر أحد مساجد مدينة الخرطوم بأنه كان مقراُ لعلية القوم من “الإخوان” أصحاب الأيادي الناعمة و العمائم والشالات الناصعة البياض والمُتمسحين بأهدابهم ممَّن يقطعون عشرات الكيلومترات حتى يظفروا بالصلاة في ذلك المسجد تاركين خلفهم الكثير من الجوامع مما يشي بأن غرضهم الحقيقي ليس هو أداء الشعيرة.

وفي نفس الإطار تحول أئمة المساجد إلى “نجوم شباك” شأنهم شأن المطربين الشباب ولاعبي كرة القدم، لكل خطيب معجبين لا تروق لهم الصلاة إلا خلفه، خصوصا إمام المسجد المذكور أعلاه الذي شاءت الأقدار أن يغيب عن الصلاة لفترة لظروف خاصة به فغابت معه جموع المصلين وأصبح المسجد في غيابه خاويا على عروشه حتى رجع بعد حين، ليعود معه التزاحم، فتأمل!

هؤلاء الأئمة صار جل همهم هو تحصيل الأموال على طريقة المطربين فتجدهم يأمون المصلين في أكثر من مسجد خصوصاً في المواسم مثل شهر رمضان، يتعاقد أحدهم مع ثلاثة أو أربعة مساجد في نفس الوقت، ولذلك تجدهم يؤدون الصلاة على عجل حتى يتمكنوا من تغطية جميع ارتباطاتهم.

المصلون أنفسهم- رجالاً ونساء- باتوا يتزاحمون في المساجد لأداء النوافل خصوصاً في المواسم مثل شهر رمضان مع أن الأصل فيها أن تُؤدى بصورة فردية, فتحولت الصلاة “العبادة “إلى مناسبة اجتماعية, مثلها مثل عقد القران أو العقيقة، حيث يجلب الناس الطيبات من الأكل وما تشتهيه الأنفس من عصائر وفطائر وأرز باللبن وغيرها، كما تحولت ساحات المساجد الخارجية أثناء التهجد لأماكن للمسامرة.

ليس هذا فحسب، بل أن الحرص على الاحتفاء المظهري بالدين قد امتد إلى بناء المساجد نفسها، ففي الوقت الذي افتقر فيه الناس لأبسط حاجاتهم من العلاج والتعليم، كان الجهد الأكبر قد انصرف إلى الإنفاق الضخم على بناء المساجد وزخرفتها دون مراعاة لترتيب الأولويات، وحتى المساجد تم بناؤها في الأماكن التي لا توجد بها كثافة سكانية أو حاجة حقيقية، ولكنها شيدت في المناطق التي تلفت أنظار الناس إلى أن هذه هي “دولة الإسلام”!

جميع هذه المظاهر تعكس حقيقة أن دولة الإخوان نجحت بامتياز في فرض نوع من التدين أشبه بالألعاب النارية، حيث لا هم للمتدين سوى إبهار الناس من حوله حتى يظفر بلقب مُتدِّين وذلك عن طريق أداء الشعائر بصورة مظهرية والتمسك الشكلي بالأمور الدينية الثانوية، مما يجعله يشعر بنوع من الراحة الوهمية والأمان الزائف باعتبار أنه التزم بأداء الفروض الدينية المطلوبة!

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.