الأول من نيسان

بقلم: آدم دانيال هومه.

بقلم: آدم دانيال هومه.
الأول من نيسان هو رأس السنة الآشورية، يحتفل به الآشوريون المشتّتون والمشردون في كل بقاع الأرض. وهو الإيذان ببدء حياةٍ جديدة على الأرض طافحة بشتى أصناف وألوان الأزهار والورود والرياحين والفراشات المزوّقة. وهو رمز الحياة والتجدّد، ورمز الخضرة اليانعة. ففيه تتزيّن الأرض، وترتدي أجمل حلّةٍ لها وكأنها عروسٌ تحتفي بليلة عرسها. وما من عطرٍ أروع من عطر ورود نيسان وهي تنثر أريجها في الآفاق، وتُخرج بتلاتها لتزيّن الطبيعة، وتُرسل أوراقها لتحطّ عليها الفرشات الزاهية اليانعة، وتغري العصافير كي تُؤدي رقصات الفرح والجمال. فنيسان ليس مجرد شهر عابر من شهور السنة، بل هو سيد الشهور وأجملها. تتجدّد فيه الأحلام، وتمتلئ النفس بالطاقة والحيوية والنشاط والإبداع. أزهارٌ متفتحة، وأشجارٌ مزدانة بخضرتها وثمارها، وشمسٌ مشرقة، ورائحة فوّاحة تملأ المكان، تملأ الروح بهجة وسعادة، وتردّ للوجه رونقه وتورّده. ويبدأ الأول من نيسان في يوم الاعتدال الربيعي، المتمثل في الواحد والعشرين من شهر آذار بالتقويم الشرقي (اليولياني) المصادف الأول من نيسان بالتقويم الغربي (الغريغوري). وفي هذا اليوم يُصادف عيد الأم، فكأنما هذا اليوم خصّص للعطاء والجمال. ونيسان فيه تزهر الأشجار والورود، وتزدان الأشجار بخضرتها، ويبدأ النوّار بالتّفتّح على الأشجار، لتبدو حلّة قشيبة كعروس تزدان بإكليل عرسها. أما بالنسبة للطيور فإنّها تحلّق في هذا الفصل راقصة في جوّ السماء، وكأنها لاعبة تداعب بعضها بعضاً في انتظام يأسرُ اللّبّ والفؤاد، مكوّنة أشكالاً هندسية كأنها منقوشة بيدِ فنّان مبدع في فنّه واختيار ألوانه المتناسقة، وتلك تتراقص فوق أغصان الأشجار تغنّي أجمل الألحان، وكأنّها تعزف سيمفونيةً جميلة رائعة تخلب الألباب.
لقد كرّس الآشوريون هذا الشهر لتمجيد الإله (أنليل) وبعث الإله (تموز)، أي قيامته من بين الأموات. حيث تذكر الأسطورة الآشورية بأن الإلهة عشتار، التي كانت تحب زوجها وحبيبها تموز حباً جمّا، تعمد في لحظة غضب، إلى قتله وإرساله إلى عالم الأموات وذلك في الخامس عشر من الشهر المعروف باسمه، أي شهر تموز. وباختفائه يعمّ الجفاف على الأرض، ويبدأ البكاء والنحيب عليه. وتبدأ الجماهير تنفجر في نوبة هستيرية للتعبير عن الحزن والأسى وذلك برش المياه، وهذا ما نسميه اليوم نوسرديل (نوسرديل) أي عيد الله. وتعرفه العامة باسم عيد الرشاش. “ويعتقد معظم الآشوريين بأن ذلك تقليداً مسيحياً، ولا يعرفون بأنه دخل المسيحية عن طريق الآشوريين إبّان اعتناقهم الديانة المسيحية”. ولكن عشتار ما تلبث أن تندم كثيراً على فعلتها المتهوّرة فتضظر على القيام بتضحية اختيارية، وتنزل إلى عالم الأموات لتحرّر حبيبها تموز. وتتمكن إلهة الحياة عشتار أن تقهر إلهة الموت (أرشكيكال) وتحقق لحبيبها العودة المستحيلة لينبعث في عودة متجدّدة شابة. وهكذا الطبيعة المتجددة التي تموت وتجف، ولكنها ما تلبث أن تنبعث بشكل مذهل عجيب.


وقد كان الآشوريون، في سالف الأزمان والعصور، يعمدون إلى جلب آنية يملؤنها بالتراب، ويزرعون فيها بذور الحنطة والشعير والعدس وغيرها، ويرشونها بالماء، ويضعونها في مكان مشمس ليكون تحت متناول أيديهم في بداية رأس السنة نباتات خضراء يضعونها أمام تمثال الإله تموز لاعتقادهم بأن رائحة الخضار ستجعله ينبعث بأسرع وقت ممكن. وقد ظلت هذه العادة موروثة لدى الآشوريين حتى يومنا هذا، بدون أن يعرف الكثيرون سبب ذلك، وذلك بأن يدعوا أبواب ونوافذ البيوت مفتوحة على مصاريعها حتى الصباح، وعند انبلاج الفجر يعلقون رزمة عشب خضراء فوق الباب يسمونها (ܕܩܢܐ ܕܢܝܣܢ) أي (لحية نيسان). وكذلك كانوا، ولا زالوا يفطرون على عشبة خضراء من أي نوع كانت. إذن، الأول من نيسان هو عيد الخصب والنماء والحياة الجديدة فيه تبدأ الطبيعة بارتداء حلّتها القشيبة، وتتفتق أكمام البراعم، وتكتسي الخضرة والجمال وجه الأرض.
هذا، ويتَميّز شهر نيسان بأن الطيور المهاجرة تعود فيه إلى أوطانها، فهل يا تُرى سيعود أطفال، وأطفال أطفال الآشوريين المهجّرين إلى وطنهم في يوم من الأيام؟ هذا ما ستجيب عليه الأجيال الآشورية القادمة.

،،،،،،،،،،

About آدم دانيال هومه

آدم دانيال هومه
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.