الأنباط عرب بالأدلة التاريخية

بقلم المُؤرِّخ والباحث المُختصّ بحضارة الأنباط: الأستاذ الدُّكتور زياد السَّلامين.
حول عروبة الأنباط
يعتبر موضوع الهويّة النبطيّة أحد أهم الموضوعات الجدليّة بين علماء الآثار والمؤرِّخين والمهتمين بالتاريخ القديم، فقد عدَّ بعضهم الأنباط آراميين، وذهب السواد الأعظم منهم إلى أن الأنباط عرب، واعتمد أصحاب الرأي القائل أن الأنباط آراميين على أدلةٍ غير مقنعةٍ لإثبات مزاعمهم، ومن أبرز هذه الشواهد استخدام الأنباط للخط واللغة الآراميّة، ولكن اللغة ليست المقوم الوحيد للهويّة، والهوية ليست أُحادّية البُنية؛ أي لا تتشكَّل من عُنصرٍ واحدٍ، وإنما هي مُحصلّة تفاعل عناصر عدَّة، وتتكَّون الهوية الثقافية من عناصر عدَّة مرتبطة ببعضها هي: العرق، الأرض (الجغرافيا)، اللغة، التاريخ، الديانة، التراث الثقافيّ وغيرها من المكوِّنات.
اعتمد بعض الباحثين كذلك على أحد النقوش النبطيّة لنفي عروبة الأنباط، ولتأكيد مزاعمهم بأن الأنباط آراميين، وقد عُثر على هذا النقش في منطقة سرمداء في المملكة العربيّة السعوديّة، ويذكر النقش اسم شخص نُعت بالآراميّ (آ ر م ي ا)، رغم أن الكلمة قد تُقرأ أيضاً على نحو (أ د م ي ا)، للتشابه الواضح والكبير بين حرفي الدال والراء في النبطيّة، ولكن هذا الزعم مغلوط، فقد احتوت النقوش النبطيّة على العديد من الأسماء المنسوبة مثل: (آ د و م ي ا= الآدوميّ)، (م و ب ي ا= المؤابيّ)، و (ي هـ و د ي ا= اليهوديّ)، وهم أفراد من جماعاتٍ وأقوامٍ كانت تُقيم ضمن حدود بلاد الأنباط التي كان طابع هويتها العام عربيّ، ولتأكيد عروبة الأنباط سأسوق تالياً بعضاً مما ذكرته المصادر الكلاسيكيّة عن هذا الموضوع، حيث تؤكِّد جميع هذه الإشارات عروبتهم:


أولاً: أول المؤرخين الكلاسيكيين الذين وصفوا الأنباط بـ (العرب) المؤرِّخ الإغريقيّ أجاثارخيديس الكنيديّ الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد، والذي تطرّق لتجارة اللُبان والبخور العربيّة، وذكر بعض المشتغلين بهذه التجارة ومنهم العرب
Άράβων المعروفين بالأنباط Ναβαταίων.
ثانياً: يتحدَّث سفر المكابيين الثاني عن الحارث ملك الأنباط، وذلك في معرض حديث السفر عن النزاع اليهوديّ على تولي منصب الكهنوت الأعلى، ويذكر السفر أن ياسون قد خرج إلى أرض الحارث
(طاغيّة العرب ἀρέταν τὸν τῶν ἀράβων τύραννον).
ثالثاً: تطرَّق ديودوروس الصقليّ الذي عاش خلال القرن الأول قبل الميلاد لـ
(العرب الذين يحملون اسم الأنباط = Ἄραβων οὓς ὀνομάζουσι Ναβαταίους)
، وذكر في موضعٍ آخرٍ
(القرى المأهولة بالسكان العرب الذين يعرفون باسم الأنباط= Ἀράβων τῶν προσαγορευμένων Ναβαταίων)،
وتحدَّث عن الحارث الثالث ملك الأنباط الذي قال عنه أنه (ملك العرب Βασιλέα Ἀρετας Ναβαταίων Ἀραβίαν).
رابعاً: تحدث الجغرافيّ سترابو (64-21 ق.م) عن مدينة البتراء حيث يقول أنها
(مدينة العرب المعروفين باسم الأنباط Πέτραν τὴν τῶν Ναβαταίων καλουμένων Ἀράβων).
خامساً: تطرَّق المؤرِّخ الرّومانيّ بليني الكبير المتوفى عام 77م للأنباط، وقال عنهم أنهم
(شعبٌ من بلاد العرب على حدود سوريا Nabataeis qui sunt ex Arabia contermini Syriae).
سادساً: ذكر فلافيوس جوسيفوس (37-100م) أن
(الأنباط Ναβατηνἠν) (أمةٌ عربيّةٌ Ἀράβων ἔθνος)
، وأشار في موضعٍ آخر إلى
(العرب الأنباط Ναβαταίους Ἄραβας)،
وذكر ملك الأنباط الحارث الثاني ووصفه بأنه
(ملك العرب Ἀρέτας ὁ Ἀράβων βασιλεὐς)
، ووصف الحارث الثالث بـ (الملك العربيّ
Ἀρέτας Ἀράβων βασιλέα)
، كما وصف الملك النبطيّ مالك بأنه (ملك العرب
Μάλιχον τὀν Ἀράβων βασιλέα).
سابعاً: ذكر المؤرِّخ الرومانيّ بلوتارخوس (46-120م) أن القائد الإغريقيّ ديميتريوس قد أُرسل للسيطرة على (العربِ المشهورينَ بالأنباط
Ἀράβων τοὺς καλουμένους Ναβαταίους)
، والإشارة هنا للحملة العسكريّة الثانية التي شنَّها السلوقيون على الأنباط في حوالي عام 312 ق.م، وأشار بلوتارخوس في معرض حديثه عن حملة بومبي العسكريّة على بلاد الأنباط، إلى (ملك العرب المقيمين في منطقة البتراء
βασιλέως των περί την Πέτραν Αράβων).
ثامناً: خَصّص إستيفانوس البيزنطيّ في كتابه إثنيكا الذي كُتب في القرن السادس الميلاديّ مدخلاً للتعريف بالأنباط، حيث يقول عنهم أنهم (شعبٌ من شعوب العربيّة السعيدة
Ναβαταίοι, έθνος των ευδαιμόνων Αράβων)
، وهذا الوصف مُطابقٌ تماماً لما أورده (سودا) في كتابه الموسوعيّ الذي يعود للقرن العاشر الميلاديّ، حيث يقول:-
(الأنباط شعبٌ عربيٌ Ναβάται: γένος Ἀράβων).
تاسعاً: ورد ذكر الأنباط في برديّة ميلان التي تعود للقرن الثالث قبل الميلاد، وتحتوي هذه الوثيقة على نصٍ أدبيٍّ فُقد معظمه كتبه الشاعر الإغريقيّ بوسيديبوس البيلاويّ، وترد في هذا النص كلمة
“الأنباط Ναβαταῖος”
وعبارة غير مكتملة يظهر منها الاسم الذي يعني “عرب” وبقية العبارة أكْمِلَت بما يعني “ملك الفرسـ]ـان العرب[“على النحو التالي:
Άράβω[ν ἱππο]μάχων βασιλεύς،
ويسبق هذا اللقب كلمة تالفة تبدأ بحرف الميم، فربَّما يُمثِّل هذا الحرف بداية اسم (مالك) (μ[άλιχoc ὢ]ν) الذي قد يكون ملكاً لا نعرف عنه أيّة معلومات، لا سيما وإن اسم مالك كان أحد الأسماء المفضَّلة عند العائلة الملكيّة النبطيّة.
عاشراً: أشار المؤرِّخ أبيانوس الذي عاش في القرن الثاني الميلاديّ إلى قيام بومبي بشنِّ حربٍ على (العرب الأنباط الذين كان ملكهم الحارث، والإشارة هنا للملك النبطيّ الحارث الثالث (84-62 ق.م).
حادي عشر: يتحدث باولوس أوروسيوس(375م – 418م)، وهو مؤرخٌ ورجل دين مسيحيّ، أن بومبي قد قام بغزو المشرق وأخضع الإيطوريين وبعدهم (العرب واستولى على مدينتهم التي يسمونها البتراء).
وبالإضافة إلى جميع هذه الإشارات التي تؤكِّد عروبة الأنباط، نجد أيضاً دلائل وشواهد أخرى تؤكِّد هذا الرأي منها:
أولاً: الجغرافيّا التي قامت عليها مملكة الأنباط، وهي جزء من بلاد العرب، وقد أطلقت المصادر الكلاسيكيّة على الإقليم الذي تقع فيه البتراء تسمية العربيّة البتراويّة/ الصخريّة Ἀραβία Πετραία .
ثانياً: محتوى النقوش وأوراق البرديّ النبطيّة، إذ تزخر الكتابات النبطيّة وخصوصاً البرديّات، بالعشرات من الألفاظ العربيّة التي لا نجدها في المعجم الآراميّ.
ثالثاً: أغلب أسماء الأعلام الواردة في نقوشهم وكتاباتهم عربيّة، وكذلك أسماء القبائل ، كما نلاحظ أن الآلهة التي عبدها الأنباط تنتمي إلى مجموعة الآلهة التي عُبدت في الجزيرة العربيّة.).

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.