الأمل …. كن حذراً في أختيارك!

مازن البلداوي
04/01/2021

كتب …….
عندما تتكرر المخاضات، ندرك بأن الولادة قد تكون صعبة بعض الشيء ومنها نتوقع ان يكون الوليد ذو نكهة خاصة و بطبيعة قد تختزل الآمال المعلقة في مخيلة الكثيرين من البؤساء المساكين الذين ما فتؤا التفكير في قدوم من يخلصهم من عذابات الحاضر و يكفِهم شر المستقبل. ولادة بشرية كانت ام ولادة أمرٍ يخص أمةًما بعدما مرت بأحداث جعلتها بالضرورة حبلى بجنين طال أنتظاره تتمثل بصوَرٍ متعاقبة تأتي تباعا لتعرض نفسها على شاشة العرض الخاصة بذاكرتي و أنا اتمشى على الساحل البحري المواجه لمنطقة سكني حيث استيقظت مبكرا و على وقع طَرَقات خزين ذاكرة تدفق على عجل بلا مقدمات فأفقت خوفا من فيضه الذي قد يجتاح ساحة الحاضر فيغرقها و ابقى بلا أرض أرصف فوقها طريق المستقبل.
قد يتسائل البعض عن سبب اختياري البؤساء كي افكر بأحوالهم، أقول …. لأنهم يشكلون نسبة كبيرة في مجتمعاتنا، ولكي يشكل هذا التفكير بمختلف طبائعه و وقته المستغرق و حيثيات حدوثه و احتمالات ايجاد مخارج معقولة من الأزمة/ات التي تحيق بهؤلاء الناس، خزينا له القدرة على قضّ مضاجع الأنسانية اينما تواجدت و استدعاء الأنتباه دوما للأستمرار بمحاولة ايجاد مخرج معقول يقوى على احداث تغيير ما يقوى على معادلة حال السيء جدا منهم لجعله سيئا و تحسين حال السيء الى حال اقل وطأة من ذي قبل. و على الرغم من اني لا أدعي ان اكون مفكرا او مصلحا او حتى “غودو” الخاص بالرائع “صموئيل بيكيت” في مسرحيته “في أنتظار غودو” الا اني متأكد بأني كائن مصنف كأنسان يشعر بما يشعر به الأخرين او على الأقل ان يكون قريبا منه لأنه قد مرّ بمثل ما مروا به او بعضه.
و البؤساء اليوم هم ليسوا نفس بؤساء الأمس كما عهدهم الناس و عرّفتهم قواميس اللغة او حتى كما ذكرهم الرائع “فيكتور هوغو” في روايتع الرائعة “البؤساء” حيث مثلهم “جان فالجان” خير تمثيل. بؤساء اليوم قد تعددت انواعهم و تصنّفوا تحت عناوين أخرى نذكر منها بؤساء معيشة و بؤساء فكر و بؤساء حياة و بؤساء أمل و بؤساء حب. و حيث تختلف معاناة كل فئة منهم عن الأخرى، الا اننا نجد البعض منهم ينتمي الى فئتين او ثلاث احيانا بذات الوقت، الا اننا نجد أنّ أشد ما يتمسك به احد هؤلاء هو “أنتظار غودو”!، حيث ما زال الأمل قائما بأن “غودو” قادم على الطريق اليهم لينقذهم من مآسيهم ايا كان نوعها و يحقق له مرادهم و أمانيهم. غير أن لا احد يفكر بعقلانية الأستنتاج والسبب عن ماهية هذا الــ “غودو” و لماذا يأتي و كيف سيأتي و أين هو الآن، وهل هنالك من رآه او تعرف عليه كما ذكره “بيكيت”، و و … .


قد يشترك جميع البؤساء المذكورين اعلاه بأمر واحد متفق عليه على الرغم من تنوع مشاربهم او طبائعهم او بيئاتهم، الا وهو أن “غودو” المنشود ستبعثه السماء اليهم او سيأتي به الغد أيما كان الغد او بعد غد او بعد بعد… لكي ينقذهم مما هم فيه و ينصفهم و يحقق مطالبهم، و على الرغم من ان “بيكيت” لم يقم بشرح مفصل عن هذه الشخصية و ماهيتها وآليات قدومها و تواجدها و حيثيات تفاعلها مع المريد او المنتظِرله، لكن أبطالنا يفصّلون “هذا الــ “غودو” كلٍّ على مقاسه و بمفهوم رؤيته التي حصل عليها من ثقافته الشخصية المستخلصة من بيئته المحيطة، تعليمه و تراث مجتمعه المتناقل. فمنهم من يريده بشكل ديني، و منهم من يريده بجبة و جلبلب ثري، ومنهم من يريده قاضيا عادلا ليحكم له بالعدل و يقتصّ ممن ظلموه و أساؤا اليه و منهم من يريده مقاتلا مغوارا يثأر له و يردّ له ما خسره مع أعدائه.
و لكي لا يختلط الأمر علينا، فأنني هنا في هذا المقال المختصر أود القول ان هنالك فرقا كبيرا بين “الأمل” كمسمّى نعتبره أفقا ايجابيا في حياتنا نعتمده و نراه لغد أفضل و بين الأمل المتمثل بصورة “غودو”!.
أنه من الطبيعي ان يتفاوت الناس فيما بينهم بدرجات الفهم و التحليل للأحداث كلُّ حسب تعليمه و ثقافته الفردية و خبراته الشخصية، وبالتالي فأن الفرد سيختلف عن صاحبه بكيفيات و آليات الأستفادة من هذه العملية (التحليل) كي يساعد نفسه على الأقل للتخطيط نحو المستقبل و تحاشي المخاطر المفترضة جهد الأمكان. و مما لا يمكن الفرار منه فأن الشخص الذي يمتلك مخيلة واسعة سيمتاز بقدرة اكبر من غيره على رؤية المستقبل من خلال احداث الحاضر التي يعيشها و تأثيراتها البيئية، الا ان قراره النهائي الذي سيستنتجه نتيجة لتجميع المعلومات المطلوبة ستتأثر بشكل مباشر بأيمانه الفلسفي او الديني الأعتقادي. و لن أعرّج هنا على مبحث المعتقد و الأعتقاد و العقيدة فهي موضوع كبير و واسع و يمتد بعيداً باتجاهات عدة و لضيق و حصرية الموضوع الذي نحن بصدده هنا، وعلى هذا الأساس فالأيمان هذا و درجته سيؤثّران على آلية اختيار المسار الذي سيسير عليه “الأمل” الذي نبحث موضوعه هنا.
و حيث يتشارك المؤمنون بالآلهة المتعددة و من بعدهم المؤمنون بالديانات الأبراهيمة المُوَحِّدة بأن هنالك قوى او قوة واحدة في السماء تدير الأمور و تسيطر على مسارات الأقدار وما يتصل بهذا الأيمان من معطيات حياتية ابتداءا (الأرزاق، الدعاء و استجابته، الأحداث اليومية، الخ..) او ما سيؤول اليه الناس بعد موتهم. لذا، فأن من يؤمن بأن قوة او قوى السماء تنظر اليه و تسمعه حين يتوجه اليها مخاطبا اياها بكشف ضرٍّ او حيف وقع سيكون مؤمنا بشكل تام بأن المساعدة آتية لامحالة و ان أبطأت في بعض الأحيان. ومن هنا فأنه سيبقى حبيسا لهذا الأمل متطلعا كل يوم الى ذلك الأمل منتظرا وصوله (كما صاغ ذلك بيكيت في روايته) ليرفع عنه ذلك الظيم و الحيف و يعيد اليه حقه المسلوب. ومن الطبيعي جدا و الحال هذه ان يلجأ هؤلاء الناس وعلى بساطة تفكيرهم و منطقية الأستنتاج المرتبط بهذا التمثّل الى معالجة مهمة ضرورية لأدامة هذا الأعتقاد و ديمومته نظرا للأهمية البالغة التي يستند اليها هذا المنطق، الا وهو الصبر.
يعد الصبر ناحية و صفة مهمةً جداً في ادامة مفهموم الأنتظار للأستجابة المتوقعة، حيث تعد القالب الرئيسي التي يوضع فيها “ألأمل-غودو”. حيث ان انتظار الحل الجاهز بصورته التي يتصورها الفرد او المجموعة او بصورة قريبة من ذلك التصور، تمنعه بشكل كبيرعن اتخاذ الخطوات العملية المبنية على التحليل العلمي القائم على الظروف البيئية المحيطة به و عوامل القوى المؤثرة على هذه البيئة المحيطة و التي تتحكم بمجريات الأمور تبعا لمصالحها الأستراتيجية الخاصة ان كانت قوى مفردة او مجموعة مؤتلفة من القوى تشترك مع بعضها في رؤية تتمثل بأهداف تعود عليها بالنفع و بديمومة سيطرتها على تلكم البيئة او البيئات الأخرى حيث تتمثل امتداداتها المصلحية. في حقيقة الأمر، ان هنالك عوامل كثيرة تتداخل مع تفاصيل هذا الأمر و ذات علاقة مباشرة به تؤثر بشكل كامل على آليات حدوثه و دقة تحقيقه، الا ان ضيق المجال هنا و محاولة الأبتعاد عمّا يثير ضجر القارىء من استرسال كتابي تدفعني لعدم الخوض فيها و ذكر تأثيراتها.
أن “الأمل” بصورته الأعتيادية والتي نعده أفقا أيجابيا لِلِغد لايأتي جزافاً و بمحض ارادته او حتى صدفةً كما نسمي تلك اللحظة التي يتوافق فيها حدوث امرين مع بعضها خلال فترة زمنية قصيرة جدا، لأنه يأتي او بالأحرى “يجب” ان يأتِ بموجب رؤية تحليلية للواقع الذي يعيشه المرء و بموجب تخطيطٍ واضحٍ اعتمادا على رؤية مستقبلية يضعها الفرد او مجموعة الأفراد او وحدات العمل (المؤسسات، الشركات، الخ.. ) اعتماداً على بيانات حقيقة و كفاءة أناس يعملون في هذا المجال المتخصص حيث يضعون كل ما يعرفون او يعرف (حالة الفرد) على الطاولة لكي يضعوا الخط الذي سيسيرون عليه و يضعون احتمالاته السلبية قبل الأيجابية، لكي تأتي النتائج صادقةً او قريبة من مصداقيتها و لتحاشي أن يكون مستوى الأحباط عاليا عند عدم تحقق الأهداف المرسومة، الأمر الذي قد يتسبب بكوارث شخصية او مؤسساتية على حد سواء.
و من باب التعريف بمدى تداخل مفهوم “الأمل” المختلط بيانه بين مفاهيم الحياة اليومية، نقول …. إننا ومن خلال المفهوم العلمي التخطيطي للأمل يتمثل الأمل بصيغة “غودو” في مناحٍ معينة قد لا تتجاوز نسبة مؤوية بسيطة في عملية التطبيق العملي لمفهوم الأمل المخطط له كما في الأمثلة التالية:
يقوم قبطان السفينة عادة بدراسة كل ما هو متاح من تنبؤات جوية و حالة البحر لليوم الذي سيبحر فيه و كأن يكون يوم غد، فيضع خطته للأبحار معتمداً على هذه المعلومات المتيسرة. فأن كانت سرعة الريح 100 كم/ساعة و ارتفاع الأمواج بمعدل نصف متر مثلا، فسيضع خط مساره و سرعة سفينته على هذا الأساس. و “يأمل” ان تنخفض سرعة الريح لكي تسهل عليه مهمته. الا ان الأبحار في ذلك اليوم عندما تكون سرعة الريح ذاتها لكن ارتفاع الأمواج سيكون ما بين 1.5-2 متر. فسيرتفع لديه مستوى الأحتمالات الصعبة التي ستواجهه و سيقدّر بموجبها ان كان يستطيع الأبحار ذلك اليوم ام لا!. ومن الطبيعي ان عوامل أخرى مثل حجم السفينة، حمولتها، هل هنالك مسافرون على ظهرها ام لا، وهكذا… كلها عوامل ستشترك في اصدار قراره الأخير. الا انه لا يستطيع ان يجازف باتخاذ قرار الأبحار في ظل الأحتمالات الصعبة و “يأمل” ان يَنتشل الركاب من عرض البحر احد ما اذا ما حدث و انقلبت السفينة!! لأنه سيكون مسؤولا هو ومن بعده أدارة مؤسسته عن الأرواح و الحمولات التي سَتُفقَد في عرض البحر.
شخص ما ليس لديه مهنة معينة ثابتة ويعمل أجيرا يوميا يعتمد على احتمالات توفر فرص طلب عمال بناء على سبيل المثال. فهو يخرج يوميا من داره على “أمل” ان يحصل على فرصةٍ من هذه الفرص لكي يكسب قوتَ يومه و عياله و يدفع التزاماته اليومية. ويتطلب الأمر هنا تخطيطا طبيعيا بسيطاً، لِأَن ينهضَ مبكراً و يتناول أفطاره (افتراضا) و يخرج متوجها الى نقطة تجمع عمال البناء ليكون حاضراً عندما تأتي الفرصة لطلب عمال البناء حيث يتوجه المسؤولون عن هذا الأمر الى تلكم النقاط لكي يستأجروا العمال المطلوبين لأنجاز عملهم في ذلك اليوم. الا انه يجب ان لايتوقع الحصول على فرصة عمل ذلك اليوم ان جازف بترك فراش نومه بعد طلوع الشمس مثلا، او ان يتواجد في نقطة بعيدة عن نقاط تجمع عمال البناء، حيث أن مفهوم “الأمل الغودوي” سيتمثّل هنا بحذافيره حين تنخفض نسبة توافر فرص الحصول على عمل في ذلك اليوم و تنخفض معه فرصة الحصول على دخل يسد به رمقه و رمق عائلته.
نستطيع ان نذكر كثيرا من الأمثلة التي تزخر بها مجتمعاتنا في دول العالم الثالث خصوصا و لا أستبعد هنا دولا من العالم الثاني او حتى الأول و نستطيع ذكر الكثير من أمثلة الأخفاق التي تعرضت لها مفاهيم “الأمل الغودوي النزعة” حيث تركت على متبنيها آثار الأحباط و اليأس و الحزن كنتائج معنوية غير منظورة في كثير من الأحيان ناهيك عن آثارها المادية في البعض الآخر، حيث يعالجها الكثير من الناس بـ “المكابرة” و محاولة عدم نكأ الجروح التي أحدثها ذلك الأحباط، لأنه في نهاية الأمر لابد لنا من ذكر الصراع الموجود بين نوعي “ألأمل” المذكورين أعلاه داخل كل انسان منّا بتباين من إنسان لآخر، الا ان كلاَ منا يحاول ان يُظْهِرَ احدهما تبعا لما يحيط به من ظروف بيئية قد تجبره في كثير من الأحيان الى إظهار ما ليس يؤمن به في حقيقته.
في الحقيقة اننا لا نستطيع ان نهمل أهمية “الأمل الغودوي” في الماضي البعيد او القريب باعتبارها داعما اساسيا لأستمرار النظرة الأيجابية للحياة و الرؤية المستقبلية لذلك الضوء في نهاية أي نفق كان شخصيا او مجموعاتيا، حيث كان الحكماء و من مثلهم داعمين اساسيين لهذا التوجه خوفا و حرصا على الأنسان من الأنهيار في حالة انعدام الأمل او ما يشابهه من تطلعات ايجابية. الا اننا مع هذا التوضيح يجب ان لا نستسلم لمفهوم الأمل الغودوي المذكور حيث اصبحت اليوم التكنولوجيا و التطور العلمي عاملا مهما و مؤثرا في حياتنا نستطيع من خلاله التخطيط و الحسابات الدقيقة و تمييز ماهو ايجابي عن السلبي لأن حياتنا تسير باتجاه واحد لايجوز معه الأستمرار بالركون الى مفهوم “غودو” و أنه سيأتي لكي يفعل كذا و كذا. على الرغم من الأنتشار الواسع و التداخل العميق لكثير من القصص و السرديات التراثية في مجتمعاتنا حيث تشترك مع عوامل اخرى حيث يعدّ الجهل الثقافي، والعلمي بعده عاملين اساسيين في توسعة رقعة تأثير “الأمل الغودوي” و درجة تبنّيه و ابقائه مسيطرا على مجريات الأحداث اليومية خدمة للمخطط الأستراتيجي الذي يستنزف ايام العمر بهدوء و بلا مقابل في كثير من الأحيان.

About مازن البلداوي

مازن البلداوي كاتب عراقي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.