الألتراس.. حزب الشباب

سناء العاجي

انتشرت صورهم عبر وسائل التواصل في المغرب: يتبرعون بالدم في العديد من المراكز المتخصصة؛ يجمعون الأغطية والملابس الدافئة ليعيدوا توزيعها في المناطق النائية لدعم الأسر والأطفال في مواجهة موجة البرد القارس والثلوج التي يعرفها المغرب منذ بضعة أسابيع؛ يشجعون التلاميذ والطلبة، عبر حملات موسمية خلال كل دخول مدرسي، على متابعة دراستهم وعدم التخلي عنها؛ وغيرها من الأنشطة.

من يكون هؤلاء؟ إنهم مجموعات “الألتراس” الخاصة بأهم الفرق المحلية لكرة القدم: الرجاء البيضاوي، الوداد البيضاوي، أولمبيك خريبكة، المغرب الفاسي، النادي القنيطري، اتحاد طنجة، وغيرهم.

صور تترجم الوجه الثاني لمجموعات الألتراس. تبعث على الفرحة والتعاطف… والكثير من الأمل.

في المغرب، وربما في بلدان أخرى من المنطقة، حين نتحدث عن مجموعات “الألتراس”، فنحن نربطها عادة بأعمال الشغب والتخريب… أو في أحسن الأحوال، بدعم فريقهم المفضل بالشعارات والأغاني والملصقات. لكن الذي لا يدركه الكثيرون، أن هذه المجموعات تحولت اليوم لفاعل اجتماعي وسياسي حقيقي، يؤطر، يدعم، ينظم ويشجع على مبادرات إيجابية.

على سبيل المثال، في الوقت الذي كانت فيه أغلب مراكز التبرع بالدم تعبر عن قلق حقيقي بسبب الخصاص في مخزونها، كانت المبادرات التي قامت بها مجموعات الألتراس للرجاء والوداد وأولمبيك خريبكة والنادي القنيطري والمغرب الفاسي جد إيجابية، بحيث مكن بعضها من تسجيل أرقام قياسية في التبرع بالدم، مما سيمكن حتما من إنقاذ حياة الآلاف من المرضى… بل أكثر من ذلك، مبادرات إيجابية كهذه تشكل حافزا لمختلف الشباب المشجعين للفريق المعني، حتى أولئك الذين لا ينتمون لمجموعات الألتراس.

هذا النَّفَس الإيجابي نجده أيضا في مبادرة دعم سكان الجبال والمناطق النائية بالأغطية والملابس الدافئة، حيث استطاعت المبادرة أن تحقق آثارا إيجابية على الساكنة المستفيدة، لكن أيضا لدى باقي مكونات المشجعين التي ينخرط بعضها في هذا الوعي المجتمعي.

هذه المبادرات يفترض أن تدفعنا لإعادة النظر في تصورنا لمشجعي كرة القدم… لكن أيضا لأشكال الوعي والانخراط السياسي التي تترجمها هذه المبادرات.

لكي نعترف بوعيهم السياسي والاجتماعي، هل يجب بالضرورة أن ينخرط شباب اليوم في التنظيمات الحزبية والجمعوية التقليدية، التي ربما “لا تشبههم” ولا تشبه تطلعاتهم ولا رؤيتهم للأمور؟

هل ما نعيشه اليوم هو “نفور” للشباب من السياسة، أم أنه في الواقع عجز من التنظيمات التقليدية عن استيعاب احتياجات وتطلعات الشباب اليوم، والتي تعبر عنها مجموعات “الألتراس” بشكل أفضل؟

ألم تصبح بعض شعارات ألتراس فريقي الرجاء والوداد في المغرب مثلا، شعارات يتغنى بها الشباب على مواقع التواصل وفي احتجاجاتهم؟ ألم تتحول أغنية “في بلادي ظلموني” لألتراس الرجاء لنشيد شبابي احتجاجي ليس فقط في المغرب بل في عدد من دول المنطقة؟

ألم تعبر أغنية “ولد الشعب يغني” لألتراس اتحاد طنجة أو أغنية
“Outro Irreversible”
لألتراس النادي القنيطري وأغان أخرى لمجموعات ألتراس مختلفة، عن مواقف سياسية ملتزمة، واضحة وجريئة؟

بل أن الفرجة اليوم، خلال مباريات كرة القدم في المغرب، أصبحت تتجاوز الملاعب لتصل المدرجات عبر أشكال من “التيفو” التي تتجاوز الكرة بكثير لتترجم وعيا سياسيا كبيرا.

منذ بضعة أشهر، على سبيل المثال، رفعت ألتراس الرجاء شعار “روم 101”. في الغد، كان الجميع على منصات التواصل يتحدث عن رواية 1984 لكاتبها جورج أورويل وعن القمع السياسي.

فهل نستطيع، أمام هذه التعبيرات السياسية وأشكال التضامن المجتمعي، أن نستمر في اعتبار مجموعات الألتراس مجرد صدى للشغب والفوضى في الملاعب؟ أم أن علينا أن نقتنع أخيرا أن تعبيرات هذه المجموعات تجاوزت التشجيع الكروي الرياضي لفريقهم، لتصبح صوتا يعبر عن الشباب المغربي اليوم (ولعله نفس الواقع في بلدان أخرى من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، عن همومه وإحساسه بالظلم والتهميش.

لذلك، فلعل التنظيمات التقليدية اليوم هي من تحتاج لمساءلة نفسها وتنظيماتها، إن هي أرادت أن تستقطب اهتمام الشباب وانخراطه. الأخير ليس عازفا، بل أنه حاضر في مختلف التظاهرات الاجتماعية والسياسية… لكن بطريقته… وبأسلوبه!

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.