الأديب السوري #محمد_الماغوط … وبما يخص ذكرياته وشجونه عن مسرحية #كاسك_يا_وطن

المعارض اليساري السوري عارف دليلة

في ذكرى صاحب القلم والفكر النادر محمد الماغوط ومسرحيته “كاسك ياوطن ” ،ومقال الدكتور نور الدين منى حول قول الممثل
دريد لحام انه شارك الماغوط في كتابة المسرحية ، مرورا بمسرحية سعد الله ونوس ” حفلة سمر من اجل الخامس من حزيران “
و” العرض الحصري المغلق “
ءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءء
قادتني الصدفة لحضور مسرحية ” كاسك ياوطن ” في عرضها التجريبي الاول المغلق على مسرح اتحاد العمال بدمشق اواسط السبعينات ، بعد ان منعت من العرض في سورية ، بسبب “الجرائم الالكترونية”( بلغة هذه الايام ) التي احتوتها ، مما اضطر فريق التمثيل لتلبية الدعوة لعرضها في تونس ، حيث عرضت لاسابيع متواصلة وبترحيب منقطع النظير ، ورافق عرضها هناك ضجة اعلامية غير مسبوقة لعمل تمثيلي عربي ، عن الاعجاب والتهليل لها ، ليس ثمثيلا فقط ، طبعا ، وانما و بالاساس ، نصا وفكرا ، لما قدمته من نقد سياسي ، بقالب كوميدي تهكمي فاضح .
ولما عاد الفريق التمثيلي من تونس الى دمشق ، وكانت الاصداء الايجابية جدا للمسرحية قد سبقته واستقبلته شعبيا بدمشق ، ربما وجد النظام حرجا امام الشعب برفضه عرضها في سورية واكتسابها الشهرة في بلدها ، اولا ، لتخرج منها الى الاخرين كسفيرة
ل “دولة حسنة السمعة” ، وبناء على شهرتها في الداخل تتلقى الدعوات للعرض من الخارج ، ولو حدث ذلك لكانت سورية ونظامها السياسي قد قطفا السمعة والشهرة التي تحققت لها في الخارج ( تونس) ، بدليل انتشارها الواسع لاحقا في التلفزيونات ووسائل الاعلام العربية الاخرى وباقلام الصحفيين واصحاب الراي الحر ، حتى اصبحت بعض مشاهدها ولقطاتها وعباراتها تتردد على لسان
جمهور واسع جدا في الوطن العربي !
ولابد من المقارنة بين مسرحية الماغوط ( كاسك ياوطن ) وبين مسرحية رائد المسرح العربي الراحل سعد الله ونوس بعيد هزيمة الخامس من حزيرا عام ١٩٦٧ (حفلة سمر من اجل الخامس من حزيران ) والتي ايضا تعرض عرضها الى مقاومة من بعض اطراف السلطة الذين لم يتحملوا التلميح بمسؤوليتهم عن الهزيمة ، ولكن جرى حسم الخلاف لصالح السماح بعرض المسرحية على الجمهور وبدون الخضوع لطلب عرض اولي مغلق يجري فيه ” تلطيف وتشذيب ” النص ، ليتلاءنم مع قول المسؤولين عن الهزيمة انهم انتصروا وهزموا العدو لانهم افشلوا خطته للاطاحة بهم وبقوا صامدين
في مواقعهم لايتزحزحون !
و”ألانتصارات ” مستمرة تتكرر ، بلا هوادة !
لكن ، وبالطريقة التي جرى فيها طرد مسرحية(كاسك ياوطن) الى الخارج واشتهارها هناك ، اصبحت المسرحية شاهدا على الخسائر المعنوية الكبيرة التي يلحقها بالبلاد حفنة من قصيري النظر وعديمي الثقافة والعلم السياسي والفن الاعلامي ، والمستبدين والفاسدين
الذين تناولتهم المسرحية بالنقد الساخر المباشر !
و لم يكن نصيب سوريا والسوريين ، واولهم كاتب المسرحية ، المبدع الكبير الراحل محمد الماغوط ، الا الحسرة على خسارة اكتساب المسرحية لجنسية بلدها ، اولا ، قبل ان تنطلق خارج حدوده .
والانكى من ذلك ، ان الشهرة التي حققتها مسرحية ( كاسك ياوطن ) في الخارج لم تشفع لها للسماح بعرضها في دمشق.، لاحقا ، الا بعد تقديمها في عرض تجريبي مغلق ومحصور حضوره بنخبة محدودة منتقاة ، وفي مقدمتهم كبار مسؤولي السلطة والحزب و الحكومة والاجهزة والاعلاميين الخ لتتعرض ، من اجل السماح لها بالعرض على “العامة “، الى “التشذيب والتلطيف”، علما انها تنتقد الواقع السياسي العربي على السواء ولم تخصص اي دولة او نظام معين .
وبما اني لم اكن منتميا او مقربا لاي من مستويات السلطة ، فلم يكن حضوري هذا العرض التجريبي المغلق المخصص لاتخاذ قرار الترخيص بعرض المسرحية للعامة في بلدها سورية الا بالصدفة .


فقد وصلت عصرا الى دمشق ، قادما من حلب ، حيث كنت اعمل
استاذا للاقتصاد في كلية العلوم الاقتصادية بجامعة حلب منذ عام ١٩٧٣ ، والتي مر تعييني فيها بما يشبه الاستعصاء ( فحياتنا ، الخاصة والعامة ، كلها استعصاء باستعصاء منذ استقلال سورية ) الذي مر به عرض هذه المسرحية في سورية ، اذ انني كنت الموفد العائد الوحيد الذي لم يجر تعيينه خلال ثلاثة اشهر من عودته ، كما يقتضي القانون ، وكان ايفادنا اخر دفعة ايفاد خرجت من سورية وفقا للقانون ، على اساس اعلى معدل تخرج في الجامعة. ( بخلاف بعض دفعات الموفدين التي تلت دفعتنا ،وكان اعضاؤها ينتقون على خلاف المتطلبات القانونية ) ، ولم اكن الفائز الاول في اختصاصي ، لان معدل تخرجي كان ينقص بربع علامة عن معدل تخرج زميلي الفائز بخانة ” اصيل ” وكان اسمي في خانة “احتياط” ، ولان زميلي الاصيل تخلف عن السفر وفضل البقاء والتوظف في البلد ، فقد شاءت الصدفة ان يكون الايفاد من نصيبي ، مع كل ما استجره ” او بالاحرى ما استجررته ” بعده من حياة ملؤها الشقاء والصراع والسجن والتشرد والتشليح من
الحقوق والممتلكات التي لم تكن بمليارات الدولارات من اموال الدولة والمواطنين وانما كانت بما يقي من الموت جوعا وثمرة كدح فوق الطاقة الانسانية في التعليم والبحث ، لتنتهي ، بعد ربع قرن ، بالصرف من الخدمة والسجن ” مدى الحياة ” على “جرائم عظمى
” من نوع قول الرأي العلمي الحر المضاد لانتهاكات لاحدود لها من
قبل السلطة لدستورها وقوانينها نفسها ولحقوق الدولة والمواطنين وللمصالح الوطنية العليا والدنيا ، مما لم يعد بحاجة لأي اثبات على ارض الواقع الفاقع ، الذي يعرفه ، كما يعرف “جرائمي ” بحقه ، القاصي والداني !
وبعد` تعطيل تعييني لاشهر طويلة املا بابعادي عن الجامعة ،
تشاء ” الصدفة ” ايضا، ان ينعقد ” اسبوع العلم ” السنوي الثالث عشر في جامعة حلب ، وبعد القاء وزير التعليم الدكتور ( المرحوم) شاكر الفحام خطابه ، طلبني للقاء به والاستفسار عن الضجة التي اثارتها محاولات رفض تعييني في الجامعة ، لياخذ على عاتقه اطلاق اجراءات تعييني، الذي احتاج لشهرين أخرين ايضا .
اسف لهذا الاستطراد ، الذي لا اشك ان الراحل الكبير محمد الماغوط يغفره لي ، بقدر كون موضوعه يندرج في حكاية “كاسك ياوطن “
التي انما تناقش ، في الجوهر ، الانتهاكات التي تملا حيواتنا الوطنية والقومية والخاصة !
شاءت الصدفة ان اتصل بعيد وصولي من حلب باحد الزملاء واذ به يعرض علي بطاقة دعوة لحضور العرض التجريبي المغلق للمسرحية الذي سيبدأ بعد ساعتين ، وهذا ماحصل .
جلس كبار رموز السلطة في الصف الاول لمقاعد صالة المسرح ،
وبدأ الممثل دريد لحام وفريقه العرض ، الذي ترافق بكثير من الضحك “التفاعلي” من قبل من يتقصدهم الماغوط في كلماته ،
وقد جاؤوا يسمعون عبارات الماغوط الواخذة والساخرة من ممارسات السلطات ومسؤوليها وممارساتها الأمنية على المواطنين ، وبطريقة التمثيل الكوميدية التي ” لطفت ” وقع النقد الفاضح لهم ليتحول الى مادة للاضحاك وكأنه يقصد آخرين غيرهم تماما !
واثناء الاستراحة ، بعد انتهاء الفصل الاول من المسرحية ، وكان الماغوط يقف في طرف من القاعة ، آخذا وضعية المغضوب عليه ،
كما كان آنذاك في حقيقة الامر ، واذ بارباب السلطة يدعونه
لتطييب خاطره وتطبيع العلاقة معه .
ثم يبدا الفصل الثاني من المسرحية
حتى تنتهي بالحوار بين المواطن المغضوب عليه الذي بؤديه الممثل دريد لحام وهو يحادث والده المتوفي الذي يتصل به من العالم الآخر ليطمئن من ابنه ( دريد ، السكران)على اوضاعه واوضاع عائلته والبلد والأمة ، والذي يخادع فيه دريد ( السكران ) والده ويطمئنه بان كل شيء صار على افضل مايرام ، حتى استيقظ فجأة من سكرته ورمى البطحة بعيدا ووصف الحقيقة المؤلمة كما هي في الواقع ،
واختتم قائلا :
يا بي ، والله مو ناقصنا غير9 شوية كرامة !!!
ولا ادري ان كان مازال يتذكر التصفيق الحاد الذي تبع هذا الإقرار ، آنذاك ، وما كان يمكن ان يتبعه اليوم ، بعد ان اضيف الى انعدام الكرامة ، انعدام كل ما يحتاجه الانسان من اجل البقاء على قيد الحياة ، بعد ان اصبحت الشعارات الكبرى والقضايا الوطنية ، ومعها الوطن والدولة والشعب ، في خبر كان !

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.