الأدب في التأريخ القديم

الأدب في التأريخ القديم

بقلم : عضيد جواد الخميسي

كان الأدب الرافديني أسلوب في الكتابة لجأ إليه المدوّن القديم ؛ مُعبّراً عن مشاعره في الأمل والخوف والعاطفة بتأثير نمط الحياة ومجموعة المفاهيم الدينية والفلسفية ؛ ليتجلّى بصورة شعر أو نثر في نصوص الألواح الطينية .

نشأ الأدب في بلاد سومر (جنوب بلاد الرافدين ـ عام 3200 ق.م ) تحديداً عند مدينة أوروك ، ومن ثمّ ازدهر في مصر ، وانتقل بعدئذ إلى الإغريق عندما تعرّفوا على الكتابة من الفينيقيين ، ومن هناك وصل إلى الرومانيين .

تُعدّ أول مؤلفة للأدب في العالم المعروفة بالاسم ؛ الشاعرة ” إنهيدوانا (عام 2285-2250 قبل الميلاد) ” كاهنة مدينة أور ، والتي كتبت قصائد في مدح الإلهة السومرية ” إنانا ” . كما أن الكثير من المؤلفات كان يتعلق بأنشطة الآلهة في وقت مبكر من بلاد الرافدين ، لكن مع مرور الوقت برزت أسماء عديدة من البشر وجعلها شخصيات رئيسية في مجموعة القصائد ، مثل : ” الملك السومري إينمركار والملك أراتا ، و لوگال ـ باندا في كهف الجبل” (عام 2600-2000 قبل الميلاد) .

لأغراض الدراسة الأكاديمية في الوقت الحاضر ؛ قُسّم الأدب القديم حرفيّاً إلى قسمين : الأول ؛ واقعي ، والآخر؛ خيالي . ولكن هذا التصنيف لا ينطبق على معظم النصوص الأدبية القديمة ، بسبب ؛ ان تلك الأعمال كانت تُعد حقيقة مسلّم بها من قبل أولئك الذين كتبوها ، والذين سمعوها منطوقة ، أو مَن تغنّى بها قبل ظهور الكتابة ، وهي ليست من الترف الاجتماعي كما هو حاصل في عصرنا هذا !

الحقيقة في الأدب القديم

قصائد “هوميروس” التي تشيد في عظمة الأسطول اليوناني عندما اندفع الى” تروي ” ، أو “أوديسيوس” عبر بحر النبيذ الداكن ؛ كانت تعتبر حقيقية بالنسبة للجمهور المتلّقي ، مثل وصفه للساحرة “سيرس” ( شخصية من الأساطير اليونانية ، وهي ساحرة وابنة إله الشمس هيليوس وحورية البحر پيرسي ) ، أو الوحش العملاق “بوليفيموس” ( أحد شخصيات الميثولوجيا اليونانية ، وهو أشهر كائنات السايكلوب ذات العين الواحدة) ، أو “سيرينز” ( شخصية اسطورية انثوية يونانية ؛ نصفها طير ، ونصفها الآخر فتاة جميلة ) .

تلك الحكايات نعتبرها اليوم في مجموعها ؛ أساطير وقصص من محض خيال كاتبها ، بينما في زمن كتابتها ؛ كانت تُعد قصصاً حقيقية ومقدسة أيضاً شأنها في ذلك شأن القصص التي وردت في الكتب الدينية من العهد القديم ( التوراة ) ، أو العهد الجديد ( الإنجيل ) ؛ أو كتاب القرآن ؛ في مُعتقد جموع المؤمنين . وأن مصطلحات “واقعي” ، و”خيالي” ؛ هي مسميات حديثة إلى حد ما تُطلق على الأعمال المكتوبة .

لقد أدرك العقل القديم أنه في كثير من الأحيان يمكن فهم الحقيقة من خلال حكاية رمزية ، كما في القصة الشعبية المشهورة” ليلى والذئب ” على سبيل المثال،التي ليس لها أصل في الواقع . إلاّ أن جلّ اهتمام القارئ أو المستمع في هذه الأيام ؛ هو معرفة الحقائق كي يتمكن من استيعابها ومن ثم تصديقها .غير أننا نجد الوضع قد يختلف تماماً مع مستمع لحكايات ” أيسوب ” مثلاً ( كاتب إغريقي اُشتهر بكتابة الحكايات التي تنسب إليه المسماة “خرافات إيسوب ) ؛ إذ لم يكن المُتلّقي الإغريقي ليقلق أبداً ؛ سواء كانت القصة التي قد سمعها حقيقية أم لا . المهم ؛ هو ما كانت القصة تحاول نقله إليه من الحِكم والتجارب .

رغماً من ذلك ، فقد كانت هناك انتقادات واضحة في تدوين الأحداث الحقيقية (كما يظهر النقد القديم للأحداث في روايات المؤرخ هيرودوت) . إذ كان نهج الأعمال الأدبية “تعليمياً” في وقت مبكرّ من التاريخ ، وكان لها أغراض دينية مُبطنّة (أو غالبا ما تكون علنية) ، كما هو الحال في ” قصة الخلق البابلية ” ، أو ” ثيوگوني ” ( قصة أنساب الآلهة ) للكاتب اليوناني “هسيود” في القرن الثامن قبل الميلاد .

ملحمة گلگامش السومرية / البابلية (عام 2150 قبل الميلاد ) ؛ واحدة من أقدم الأعمال الأدبية المعروفة في بلاد الرافدين والتي تناولت صفات البطولة ،الفخر، التحدي ،الصداقة ،خيبة الأمل ،الموت ،والخلود .

فيما لو كان كل ما جاء في هذه القصة من أحداث قد “حصل فعلاً ” ؛ فهو لم يكن ذا أهمية لكليهما سواء بالنسبة للكاتب أو المُتلّقي ، المهم هو ما استطاع الجمهور أن يستخلص الدروس والعِبَر من تلك القصة .

أفضل مثال على ذلك النوع من الأدب المعروف باسم “أدب نارو الرافديني ” ؛ حيث تظهر فيه شخصيات تاريخية حقيقية ضمن أحداث قد صنعها الكاتب من خياله . ومن تلك الأعمال التي نالت شهرة كبيرة في هذا اللون الأدبي ” لعنة أكد ” ؛ و ” اسطورة كوثا “، وكلاهما قد جعل الملك الأكدي العظيم ” نارام ـ سين “(عام 2261-2224 قبل الميلاد) “شخصية محورية “.

ان كلا العملين قد وصفا سلوك ” نارام ـ سين ” بطرق تتعارض مع الأدلة الملموسة ، والكتابات الأخرى الأكثر واقعية . ومع ذلك لم يكن الغرض من أدب نارو ربط الأحداث الفعلية مع تلك التي في المخيلّة ، ولكنه جاء للتأكيد على مجمل النقاط الأخلاقية والثقافية والدينية التي يرتكز عليها المجتمع الرافديني .

أمثلة من الأدب القديم

في النصوص الأهرامية المصرية والتي تُعدّ من الأعمال الأدبية الكبيرة ؛ وذلك عندما تخبرنا عن رحلة الروح ما بعد الموت إلى مكان حقل من البردي . ان تلك الأعمال الأدبية المثيرة ؛ لاتحمل المفاهيم نفسها التي تبنّاها أدب نارو الرافديني ؛ وعندما كان يتناولها في سياقها الأدبي ؛ فإنه يجعلها حقيقة ثابتة لا لبس فيها . إلاّ أن الثقافة الدينية المصرية قد استندت إلى واقع الحياة في الآخرة ، والدور الذي تلعبه الآلهة في رحلة الروح الأبدية ، حيث كانت حياة الشخص الجزء الأول منها على الأرض ، والثاني في الآخرة .

يظهر ذلك السلوك الأدبي أيضاً في ملحمة الإلياذة الشهيرة ؛ التي تُعد النتاج الثقافي الأبرز في الحضارة الغربية القديمة .حيث يروي لنا مؤلفها”هوميروس “عن حرب طروادة (عام 1200 قبل الميلاد) والتي استغرقت مدة عشر سنوات بين الإغريق والطرواديين ( طروادة ـ مدينة في آسيا الصغرى) . بيد أن في ملحمة “الأوديسا” المتممة للإلياذة ؛ نجد “هوميروس ” يحكي لنا عن رحلة عودة البطل العظيم “أوديسيوس” إلى موطنه مدينة “إيثاكا” بعد الحرب ليلاقي زوجته الحبيبة “پينيلوپ”.

من هذين العملين وغيرهما من الأعمال الأدبية المعروفة الأخرى ؛ تعززت القيم الثقافية لدى الجمهور دون الاهتمام لما قد يحدث أو لا يحدث فيما يتعلق بالحرب مع ” تروي “.

تعتبر قصة الشعب العبري التي تم سردها في كتاب الخروج من الكتاب المقدس (عام 1446 قبل الميلاد) ؛ حقيقة تاريخية من قبل الكثيرين اليوم ، ولكن في الأصل كان من الممكن تفسيرها ؛ على أنها تحرر من العبودية بالمعنى الروحي ؛ حيث تم كتابتها لتمكين عبدة “يهوه” من مقاومة إغراءات الشعوب الأصلية في كنعان ، وإعلاء شأن أنفسهم أمام العالم على اعتبارهم الشعب المختار بقوّة الإله .

سفر نشيد الأنشاد ، وهو أحد أسفار التناخ والعهد القديم (عام 950 قبل الميلاد) الذي يخلّد الحب الرومانسي بين الرجل والمرأة والجانب المقدس في تلك العلاقة .إلاّ أن المسيحيين بعد الميلاد فسرّوها ؛ على أنها العلاقة بين المسيح والكنيسة ، رغماً من عدم وجود مثل هذا التفسير مسنوداً بالنص . كذلك تروي لنا الملحمة الهندية “ماهابهاراتا ” ( عام 800-400 قبل الميلاد) ، عن ولادة ” أُمّة “، بينما تخبرنا أسطورة ” الرامايانا ” (حوالي عام 200 قبل الميلاد) عن قصة “راما” الكبير الذي أنقذ زوجته المُختَطفة “سيتا” من “رافنا” الشرّير.

الأصالة في الأدب القديم

تمت كتابة معظم الأعمال المبكرّة في العداد الشعري والتي سمعها الكتّاب مراراً وتكراراً طوال الزمن ، وبالتالي فإن تحديد تأريخ تأليف الملحمتين مثل ؛ إينوما إيليش ؛ و الأوديسا أمر صعب ؛ حيث تم كتابتهما في نصوص محفوظة بعد سنوات عديدة من تكوينهما الشفوي .

القيمة الكبيرة التي يضعها القرّاء والنقاد المعاصرون على “الأصالة” في الأدب التي لم تكن معروفة لدى القدماء . وإن فكرة تقييم العمل الأدبي لمؤلف ما والذي مهما كان مؤثراً ؛ فإنه لم يكن يحظى بالفخر والتقدير من قِبل أي شخص في العالم القديم ؛ بسبب أن الأعمال الأدبية كانت مجرّد إعادة سردٍ لمآثر الملوك والقادة العظماء أو الآلهة ، كما هو الحال في “هسيود” ، و”هومر” .

كان احترام العمل الأدبي في فترة القرون الوسطى الأوروبية كبير جداً وبما يسمّى اليوم ” أدب الواقع ” ؛ لدرجة أن رجل الدين البريطاني “جيفري مونماوث” (عام 1100-1155 ميلادي) في كتابه ( التاريخ الشهير للملوك البريطانيين ) ، قد اختلق قصصاً غير حقيقية عن الملوك ؛ وزعم أنها مترجمة عن مجموعة نصوص قديمة قد “اكتشفها”!!. أمّا السير “توماس مالوري” (عام 1405-1471 ميلادي) المعروف كمؤلف لكتاب (مورت دي آرثر) ، يذكر من أنه لم يكن قد استعار أيّ نصّ أدبي يعود الى مؤلفين سابقين ، على الرغم من وضوح ما كتبه كان معظمه من مصادر أدبية قديمة !.

هذا التقليد الأدبي الذي يُصنّف على أنه عمل أصلي ، ولكن في حقيقته منقول من مصادر قديمة كي تبدو أعمالاً موثوقة ؛ كما في كتاب العهد الجديد (المسيحي) ؛ حيث الأناجيل المعروفة ؛ متّى ؛ مرقس ؛ لوقا ؛ ويوحنا ، التي يعتقد المؤمنون في أنها أدلة ثابتة وشهود عيان لقصة يسوع .ولكنها تأريخياً كتبت بعد رحيل يسوع بفترة زمنية طويلة من قبل مؤلفين مجهولين اختاروا أسماءً مرتبطة بالكنيسة الأولى .

أخيراً ؛ لابد من الإشارة إلى أن مجالات الأدب القديم لاتختلف عنها في الأدب الحديث ؛ هي أيضاً قد أتخذت أشكالاً متنوعة من : الشعر، الدراما ، النثر، الفولكلور، القصة ، الملحمة ، الرواية ، الترنيمة ، الانشودة ، التاريخ ، السيرة الذاتية ، النقد ، الحوارات الفلسفية ، المقالة ،الخاطرة ، الأسطورة ، الخرافة ، وغيرها . وعليه فإن أدب الحاضر ؛ هو امتداد حقيقي لأدب الماضي ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نانسي ساندرز ـ ملحمة گلگامش ـ بينجوين كلاسيكس للنشر ـ 1973.

جيريمي بلاك ـ الأدب في سومر القديمة ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2005 .

گريدين جونكر ـ الموتى والتقليد والذاكرة الجماعية في بلاد الرافدين ـ پرل للنشر ـ 1995.

صموئيل نوح كريمر ـ السومريون ـ جامعة شيكاغو للنشر ـ 1971.

پول كريڤاشيك ـ بلاد الرافدين ميلاد الحضارة ـ سانت مارتن گريڤين ـ 2012 .

وايز باور ـ تأريخ العالم القديم ـ شركة نورتون للنشر ـ 2007 .

ويل ديورانت ـ قيصر والمسيحية ـ سيمون وشوستر للنشر ـ 1980.

إديث هاملتون ـ طريق الإغريق ـ نورتون للنشر ـ 1993.

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.