الأختام الشخصيّة في بلاد الرافدين – تاريخها وأهميتها

بقلم :عضيد جواد الخميسي

من بين القطع الأثرية الأكثر إثارة للاهتمام والتي اكتشفت في بلاد الرافدين القديمة ؛ تلك الأشياء المعروفة باسم “الأختام “. إذ يمكن مشاهدة هذه القطع الصغيرة خلال عروض المتاحف في جميع أنحاء العالم ؛ ونظراً لصغر حجمها ، فإنها لا تجذب انتباه وفضول الجمهور الزائر كثيراً بالمقارنة مع القطع الأثرية المتوسطة والكبيرة مثل ؛ المنحوتات أو التماثيل .

الأختام الشخصية ؛ كانت بمثابة بصمة أو توقيع شخصي لحامليها ، وغالباً ما تكون معقدة التصميم ، فهي تستخدم في جميع أنحاء بلاد الرافدين من العائلة المالكة إلى العبيد ، وذلك من خلال المعاملات التجارية والمراسلات المتبادلة . كما تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية ، لأنها تحكي قصة تعاملات المواطنين بدقة أكبر مما تظهره النقوش الملكية أو التماثيل المنصوبة . تُعرف الأختام في السومرية بـ ” كيشيب
kishib ”
، وفي الأكدية ” كوناكو
kunukku ” .

يُعتقد أن نشوء فكرة الأختام تعود الى أواخر العصر الحجري الحديث مابين الأعوام 7600-6000 قبل الميلاد ، في شمال بلاد سومر (المنطقة المعروفة اليوم سوريا) ، على الرغم من ان هناك آراء أخرى ترّجح نشوئها في جنوبها (أي جنوب العراق ) .

الأختام التي عثر عليها المنقبون ؛ كانت مصنوعة من الأحجار الشبه كريمة ، مثل ؛ الرخام ، حجر السج ، الجمشت ، اللازورد ، وبعضها مصنوع من الذهب والبعض الآخر من الفضة .

عادة ما يكون الختم مربوطاً بخيط من الجلد ، أمّا أن يلفّ رقبة مالكه ، أو معصمه ، أو مثبت عند ردائه . وقد كان إستخدامه بمثابة توقيع شخصي على المستندات ، والضمان الأكيد على صحة أو شرعية الصفقة التجارية التي يبرمها صاحبه مع الطرف الآخر ، بطريقة تمرير الختم على الطين الرطب ودمغه على المستند أو العقد ، وبختمه يصبح وثيقة رسمية مُلزمة لكلا الطرفين .

أنواع الأختام

هناك نوعان من الأختام ;الأختام المسطحّة ، والأختام الاسطوانية . فالأختام المسطحة صغيرة بتصاميم بسيطة ، تتراوح أقطارها و أطوالها مابين 2-3 سنتيمتر . أما الأختام الأسطوانية ، فهي أكبر من تلك المسطحة وتتراوح أطوالها مابين 7-10 سنتيمتر ، وذات تصاميم معقدة وجميلة .

ولكن أيهما ظهر أولاً ؛ الختم المسطح أم الختم الأسطواني ؟

بعض العلماء مثل الدكتور “ستيفن بيرتمان” ؛ يرى أن الأختام المسطحّة سبقت الأختام الأسطوانية من حيث الاستخدام ، ولكن آخرون ، وأخريات مثل الدكتورة “گويندولين ليك ، والدكتورة “سينتا گيرمن” ؛ ترَيان أن الختمين قد أُستخدما بشكل متزامن . بيد ان الختم المسطّح جاء أولاً ، قد يبدو رأياً منطقياً ، بسبب أنه لا يُظهر الدقة المطلوبة دائماً عند ختم الوثائق والمستندات . بينما الأختام الاسطوانية ، كانت الأكثر وضوحاً وتطوراً من الأختام المسطحة ، وتشير الدلائل إلى أن الأختام المسطحة كان لها شعبية كبيرة في جميع أنحاء بلاد الرافدين ، مثلها مثل الأختام الاسطوانية المعروفة في سوريا وبعض مناطق تركيا .

إن مسألة فيما إذا كان الختم الأسطواني قد حلّ محل الختم المسطح أم لا ، قد أدت الى اختلاف وجهات النظر بين العلماء حول تعريف وماهية الختم بدقة . يعتبر بعض العلماء أن الأختام الأسطوانية جاء تطورها من الأختام المسطحة ، بسبب الحاجة إلى وسم الجِرار المستديرة ، والتي هي عبارة عن أوعية مصنوعة من الطين أشبه بالكرة ولها سدادّات من الطين أيضا ، و تحوي في داخلها الرموز التي تمثل المعاملات المالية . على سبيل المثال ؛ أربعة أحجار بيضاء تمثل أربعة أغنام ، ثم تختم بختم مرسلها على وجه السدادة بمثابة ” الطابع ” . في حين تم استخدام الأختام المسطحة لتأمين الظروف الطينية المسطحة ، والتي يمكن كسرها عند الاستلام .

تقول النظرية الحديثة ؛ إن الظروف المسطحة كانت تستخدم قبل تطور الجرار المستديرة ، وبالتالي ؛ فإن الختم المسطح كان وسيلة فعّالة في تأمين وصول الرسالة أو المعاملة المالية الى المرسل اليه . مع تطور الجِرار المستديرة ، كان المطلوب هو الوضوح ودقة صورة الختم على السدّادة المستديرة للجرّة . هكذا تطور الختم المسطح الى اسطواني كي يمكن تمريره بسهولة على السدّادة المدوّرة للجرّة .

المشكلة في هذه النظرية ؛ هي أن الظروف المكسورة التي تم اكتشافها حاضراً كانت مختومة بشكل واضح عن طريق الأختام الأسطوانية ، وأن هناك جرار تميزت بأختام مسطحة ! . وكما يبدو ؛ فإن الإجابة الأكثر دقّة على السؤال ، لربما ان الختم المسطّح قد سبق الختم الأسطواني ، إلا أنه استمرّ في الاستخدام لسبب قد يتعّلق بالحيازة الشخصية فقط .

يشير بيرتمان ، إلى أن الأختام الأسطوانية ” أصبحت في بعض الأحيان إرثاً ، وبالتالي فقد جرى تناقلها من جيل لآخر” (ص231).

كان يمكن أن يكون الوضع نفسه مع الأختام المسطحة ، باستثناء عمّا كان في سوريا وتركيا القديمتين ، إذ أُستخدم كلا الختمين على الظروف المسطحة والجرار المستديرة . يبدو من المنطقي جدا أن يكون الختم الأسطواني قد تم تطويره من الختم المسطح ، وربما حدث ذلك فعلاً ، ولكن لا يمكن ان يُجزم بشكل قاطع . توضّح الأدلّة الأثرية من أن بلاد الرافدين قد استخدمت كلا النوعين من الأختام في ختم الظروف والجرار عند الفترة التي سبقت اختراع الكتابة المسمارية .

كانت هناك إجابة واحدة على السؤال الآنف الذكر من قبل البروفيسور “كليمنس ريتشيل “، الذي يعمل في مؤسسة “جوشوا أنجلهارت” المختصة بالكتابة القديمة . يرى ريتشيل ، أن الإجابة بسيطة على هذا السؤال ، يختصرها بعبارة { الذي جاء أولاً } ، وذلك حسب الاحتياجات الخاصة لسكان مناطق بلاد الرافدين في ختم الرسائل أو الطرود . أوضح ريتشيل مفهومه من خلال المقطع التالي :

” على عكس التقليد المتبع في الختم الشمالي المتمثل في استخدام الأختام المسطحة ، استخدم مواطنو جنوب بلاد الرافدين الأختام الاسطوانية ، التي تتكون من قطع حجرية اسطوانية تم نقشها بتصاميم الختم .

الفرق بين الختم المسطّح والختم الأسطواني هو أكثر من كونه تقنياً ، إذ أنه في الحقيقة ، يعتمد على طبيعة مكان وجهة ظهور الختم . كما أن المساحة المحدودة في الجانب العكسي لدى الأختام المسطحة ، قد حدّت من التباين المحتمل في المجموعة الأيقونية لتصاميم الختم . ووفقاً لذلك ، فإن مجمل الاختلافات التي يمكن تمييزها بسهولة على التصميمين ، كانت محدودة . وعند المقارنة مثلاً ؛ حيث يظهر سطح الختم الأسطواني ما يشبه صورة للوحة زيتية مستطيلة وطويلة . مما جعله مكاناً مثالياً لتنفيذ وتصميم مُتقن مع الصور ” يجسّد حكاية “. المساحة الكافية تعني أن نفس المحتوى يمكن أن يتنوع بسهولة دون خلط أو إرباك “(ص 34 ) .

طالما ان بيروقراطية أوروك (في سومر) وبقية مناطق جنوب بلاد الرافدين ، كانت أكثر تعقيداً وانتشاراً من الشمال ، فمن المنطقي نسبياً إلى ان الختم الأسطواني كان مفضّلاً فيها ، في حين ظلّ الختم المسطّح شائعاً في الشمال . كما أن هذا السلوك التنظيمي يحل مسألة المكان الذي نشأت فيه الأختام لأول مرة ، بيد أن سومر قد طوّرت الختم الأسطواني وفق مفاهيمها ، وسوريا القديمة أيضاً قد جعلت من الختم المسطّح ما يميزه عن الجنوب ، وذلك بسبب احتياجات كل منهما .

تصميم الأختام

أصبح الختم الأسطواني شائع الاستخدام خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد في فترة أوروك الوسطى والمتأخرة . التوسع في البيروقراطية خلال تلك الفترة ، تطلّب وجود وسيلة رسمية ضامنة في التعاملات ، وهذا ما استدعى ابتكار تلك الأختام ، ومع مرور الوقت أصبحت أكثر تعقيداً في التصميم و سعة الانتشار، على عكس الأختام المسطحة الصغيرة .

قدّمت الأختام الاسطوانية فنّاً جديداً بخصائص مميزة . هذه الأشكال لا تكشف عن هوية الفرد مالك الختم فحسب ، بل تعطي تفاصيل مهمة حول وظيفته وحتى أسلوب حياته .

كتبت الدكتورة ليك التعليق التالي حول هذه النقطة :

“المشاهد التصويرية التي تشير إلى أنشطة حياتية مختلفة مثل الحياكة ، الاهتمام بالحيوانات الأليفة ، والصيد ، والطقوس ، على ما يبدو قد تشير إلى مقدار الكفاءة الإدارية في اقتصاد أوروك”(ص47). تجلت هذه” الكفاءة الإدارية “من خلال العمل المتقن والمتطور للفنانين الذين ابتكروا تلك الأختام .

صناعة الأختام

عادة ما يكون صانع الأختام الأسطوانية متخصصاً في مهنته ، وتُعرف كنيته في اللغة السومرية ” بورگل
Burgul ”
، وفي الأكدية
” پوركولو Purkullu”
. إذ يتطلّب من الذي يرغب في تعلم تلك المهنة وممارستها ، مدة أربع سنوات على الأقل يقضيها في التدريب عند احدى الورش المنتشرة ، وذلك قبل فتح ورشته الخاصة به كمحترف .

كتب ستيفن بيرتمان عن مجموعة العُدد والأدوات الخاصة في صناعة الأختام المسطحة والتي عثر عليها عند أطلال مدينة أوگاريت (أوغاريت ) القديمة في سوريا ، التعليق التالي :

” في جرة طينية عثر على إزميل نحاسي صغير ، وشفرتين نحاسيتين ، وحجر شحذ ( مسّن ) ، ومثقاب (لاستخدامه في عمل التجاويف والثقوب ) ، وبعض الأختام التي لم تكتمل بعد “(ص 233) . صانع الأختام أستخدم أيضاً الأدوات البرونزية ، وحجر الصوان في النقش ، وكذلك احجام مختلفة من الأزاميل والشفرات المتنوعة .

يعتقد بيرتمان أنه ؛ ” بدلاً من قطع الأحجار الضخمة لعمل الحجر الأسطواني في صناعة الختم ، فإن صانعي الأختام ربما كانوا يشترون القطع الصغيرة ( الفضلات الناتجة من قطع الأحجار الكبيرة) من التجار ، ومن ثمّ يضعون عليها اللمسات الأخيرة في ورشهم الخاصة ” ( ص233) .

لطالما كان الأمر كذلك ، فهذا يعني أن هناك صنفين من الحرفيين في العمل على الأختام ، الصنف الأول الذي يصنع فقط الحجر الاسطواني الفارغ ( هيكل الختم ) ، والصنف الآخر الذي يقوم بأعمال النقش المعقدة لتخصيص الختم إلى الزبون .

في احدى مراحل العملية ، إما قبل النقش أو بعده ، يتم حفر ثقب طولي للختم كي يتمكن مالكه من إدخال الخيط في الثقب وارتدائه عند رقبته أو تثبيته في ملابسه ، كتب بيرتمان تعليقه التالي للايضاح :

” تماماً مثل ذلك الختم الذي عثرنا عليه عندما كان مثبتاً على صدر الهيكل العظمي للملكة (پوابي
Puabi
) في قبرها عند مدينة أور “(ص233) .

يتم نحت الأختام ونقشها من خلال عملية فنيّة بحتة تتسم بمهارة وذوق ودقة صانعها ، فعندما يبدأ الفنّان في نقش سطح الختم ، يضع في مخيلته الصورة العكسية أو السلبية ومن ثم يواصل نقشها ، وعند استعمال الختم تكون الصورة المطبوعة على الظرف أو سدادة الجرّة ، صورة حقيقية وذات معنى وحسب طلب الزبون . هذه المهارة العالية المطلوبة لدى صانعي الأختام ، كانت تحظى بأجور مرتفعة لجهودهم العظيمة ، واحترام كبير لحرفتهم .

يُعتقد بان ليس هناك نقص في الطلب على الأختام الاسطوانية من قبل شعب بلاد الرافدين ، كما أكّد البروفيسور بيرتمان في تعليقه التالي :

” تم العثور على 2,000 ختم أسطواني من خلال التنقيبات في بلاد الرافدين حتى الآن ، وبناءً على النظرية القائلة ، (لكل تحفة أثرية موجودة في المتاحف الآن ، لا يزال هناك مائة منها على الأقل مدفوناً تحت الأرض ) . مما يعني أن هناك حوالي 200,000 قطعة من هذه الأختام خلال فترة [أوروك] وحدها التي لا تزال تنتظر التنقيب عنها ” (ص231) .

الأنماط

هناك صنفان من الأختام الأسطوانية : الأول – طراز ” أوروك “. والثاني – طراز “جمدة نصر” ( تل صلبوخ ) ، اللذان يشيران إلى الأشكال المستخدمة والطريقة التي تم بها نقش الأختام . تعليق الخبيرتين في الآثار الرافدينية “ميگان لويس” ، و”ماريان فيلدمان” عن هذا التصنيف ، كان كالتالي :

” تُظهر الأختام المصممة على طراز أوروك ، الحيوانات الطبيعية والأشكال المصوَّرة بطريقة استثنائية ، مما يشير إلى أن نحّاتي هذا الصنف من الأختام ، كانوا يهدفون إلى وضوح أشياء معبرّة . إذ تشتمل نقوشهم على روايات طقوسية للمعابد والقوارب وقرابين الآلهة ، بالإضافة إلى تصويرهم عالم الطبيعة بترتيب هرمي . حيث يتم نقشها بمهارة عالية ، ودقة بالغة ، كما أنها تميل في تكوينها بجعلها متوازنة جمالياً . أما الأختام على طراز جمدة نصر ، فهي أقل تفصيلاً من أختام أوروك ، وتتميز بالاستخدام المكثّف للنقش والتقطيع الدائري ، والتي تترك علامات مستديرة ومستقيمة على التوالي . تشمل الأشكال الشائعة من نمط جمدة نصر صور النساء ذوات الشعر المضفور المنهمكات في الأعمال المنزلية ، وكذلك جمع من الحيوانات أمام المعابد” (ص 4).

كانت ملاحظة الخبيرتين لويس ، وفيلدمان ، على أن صنف الختم “جمدة نصر” لا يرتبط ولا يقتصر بالضرورة على الفترة مابين 3100-2900 قبل الميلاد ، إذ ” يمكن العثور عليه في حدود فترة أوروك المتأخرة أيضاً “.

تستشهد كل من لويس ، و فيلدمان بعالم الآثار “هانز نيسن ” فيما يتعلق بالاختلافات بين الصنفين ومعانيها . إذ يرى “نيسين” أن الصنفين لهما وظيفتان متميزتان . جاء استشهاد لويس ، وفيلدمان عن ذلك من خلال المقطع التالي :

” ان الأختام المصممة على طراز أوروك كانت مُلكاً للأفراد ، مما جعل من الضروري أن يكون كل ختم متميز بصرياً (نيسن 1977: 19). وقد تم استخدامها لأغراض إقرار المعاملات والتحكم في حركة وتخزين البضائع (نيسن 1977: 20). ولكونها أكثر تعقيداً وتستغرق وقتاً أطول في صناعتها ، فإن نيسن يعتقد ، أن تلك الأختام كانت مُلكاً للأفراد من نخبة المجتمع الذين كانوا على رأس التسلسل الهرمي في إدارة الدولة (نيسن 1977: 20). في المقابل يرى نيسن ، أن أختام جمدة نصر استخدمت لتعريف (الشخص المعنوي ) مثل المؤسسة الحكومية أو الجمعية التعاونية ، وليس للفرد الخاص (نيسن 1977: 19). ولهذا السبب فقد كانت أختام أوروك ، تقل عندها أهمية التباين في نقوشها وفرض تمييزها عن بعضها البعض، مما سمح ذلك باستخدام النقوش المتكررة أو المتشابهة في تصنيعها ” ( ص6) .

استخدامات الأختام الاسطوانية

كما ذكرنا سابقاّ ، فقد تم استخدام الأختام من قبل الناس عند جميع طبقات مجتمع بلاد الرافدين ، إبتداءً من الطبقة الحاكمة مروراً بالتاجر وانتهاءً بالعبد. لويس وفيلدمان حددتا الاستخدامات الأربعة للأختام الأسطوانية ، وكما يلي :

1ـ للمصادقة أو إضفاء الشرعية على المعاملات (بطريقة مماثلة لتوقيع العصر الحديث) .

2ـ لمنع أو تقييد الوصول إلى المخازن أو المستودعات .

3ـ اعتمادها في أحيان كثيرة كتمائم أو حُجُب .

4ـ دلالة على الهوية الشخصية أو الانتماء المهني .

كانت أختام بلاد الرافدين لها وظيفة مزدوجة عند حاملها من الناحية المهنية والروحية. إذ تتناول قائمة لويس وفيلدمان أعلاه ، الاستخدام المهني العملي لتوقيع اسم الشخص ، وكذلك تقييد تسليم الرسائل والطرود إلى أولئك المسموح لهم فقط بكسر الظروف ( أي إلى المرسل اليه شخصياً ) ، وكما تُعد الأختام وسيلة لتحديد الهوية الشخصية ، أو نوع من الإشارة الى السلطة أو المهنة المتخصصة.

الاستخدام الثالث المدرج في القائمة هو”التميمة” ، إذ تشير النصوص الرافدينية القديمة إلى اعتقاد مجتمعات بلاد الرافدين في الختم باعتباره تميمة ، وهو نوع من السحر ، الذي يمكن أن يحمي الناس من أذى الأرواح الشريرة . ويمكن أن يكون الختم جالباً للحظ وتحقيق الأماني أيضاً !.

قد يتم نقش الختم تأثراً بمشهد معين من قصة أو أسطورة عن إله ، أو حتى مع صورة لعفريت ، والتي قد تشير الى “الروح القوية” ، إذ لايعني ذلك بأن لها معنى سلبي كما في وقتنا الحاضر . فالعفريت ” بزوزو” على سبيل المثال ، كان يبدو مخلوقاً مخيفاً ، ولكنه كان يحمي النساء الحوامل وأطفالهن الذين لم يولدوا بعد من الأذى ، فيما لو كنّ يرتدينّ تميمة تحمل نقش وجهه عليها .

أهمية الأختام الأسطوانية

أيّاً كانت سبل استخدام الختم ، فإن حيازته مكسب كبير ، وفقدانه خسارة فادحة ومربكة لمالكه ، شأنه بذلك شأن بطاقة الائتمان الخاصة عند فقدانها .

كتب بيرتمان تعليقه عن ذلك الموقف ، في حال العثور على الختم بعد فقدانه : ” يسجل المالك السابق تاريخ ووقت فقدان الختم ، وذلك لاخلاء مسؤوليته عن التعاملات التجارية والشخصية التي حصلت خلال تلك الفترة ، والتي تُعد باطلة وغير مُلزمة لجميع الأطراف ” (ص235).

كما ذكرنا من قبل ، فإن بعض الأختام تصور مهنة الشخص ، غير ان البعض الآخر يكشف عن تفاصيل أشمل ، لتصل حتى اسم الشخص وكنيته . فلا عجب إذن ، عندما كان الناس يزداد قلقهم كثيراً في حالة فقدان اختامهم . حيث يتم توضيح الهوية الشخصية للفرد ، إما عن طريق نقش صورة محددة ترمز الى مهنته على سطح الختم ونقشه ، أو عن طريق الرموز المحيطة بالصورة . للتوضيح أكثر ، كما في هذا المثال ؛ إذا كان هناك شخص مهنته حائك ، عند ذاك تُنقش صورة لشبكة عنكبوت على وجه الختم ، ثم تحيط بتلك الصورة بعض الرموز التي تشير الى اسم مالك الختم . في حالة وجود مثل تلك الأختام ، فإن ضياعها او سرقتها كانت تُعد حوادث خطيرة بالنسبة لمواطني بلاد الرافدين القدامى ، مثلها مثل فقدان البطاقة الشخصية في عصرنا الراهن ، وسرقة الختم تعتبر جريمة يحاسب عليها القانون ، بعقوبة مشابهة لسرقة البطاقة الشخصية حسبما هو معمول به الآن .

ان الأختام المستخدمة والتي نُقش عليها اسماء أصحابها ، تُعد مفاجأة سعيدة ومفرحة لدى علماء الآثار عند العثور على بعض منها في حملات التنقيب ! . إذ ترى الدكتورة “سينتا گيرمن ” ، ان الاهتمام البالغ لدى المؤرخين بهذه القطع الأثرية ، يعود الى :

” أن الصور المنحوتة على الأختام تعكس بدقة الأنماط الفنية المنتشرة في الزمان والمكان المحددين بالضبط عند استعمالها . بعبارة أخرى ، ان كل ختم هو عبارة عن كبسولة زمنية صغيرة تُجمع فيها أنواع مختلفة من الزخارف والنقوش ، وكذلك تبين لنا طبيعة الأساليب الفنية التي كانت شائعة خلال حياة المالك “(ص2). كما تعتبر الدكتورة گرين ، أن هوية المالك لها نفس القدر من الأهمية لدى مؤرخ العصر الحديث ، إذ تمنحه فرصة لمقابلة مالك الختم ” شخصياً ” الذي عاش قبل 6000 سنة وأكثر، وذلك من خلال محتوى الختم . أمّا فيما يتعلق برموز الأختام ، تؤكد گرين مايلي :

” أن كل حرف ، أو إشارة ، او اي شكل منقوش ، يُمكننا من قراءة شخصية مالك الختم ، والكشف عن مركزه الاجتماعي ، وحتى اسمه في بعض الأحيان . على الرغم من أن نفس الأيقونات الموجودة على الأختام ، يمكن ان نجدها على اللوحات المنحوتة ، الرُقُم الطينية ، النقوش الجدارية ، والتماثيل ، كما يوجد ملخصها الأكثر اكتمالاً على الآلاف من الأختام التي عثر عليها من فترات العصور القديمة (ص 2-3).

لويس ، وفيلدمان ، حددتا تفسير صور الأختام في ثلاث نقاط :

1. قد تخص تلك الصورعائلات معينة ضمن رقعتها الجغرافية ، أو لمنطقة إدارية محددة ، ولربما أيضاً بسبب أحداث قد حصلت متعلقة بتلك المنطقة الإدارية .

2. في مراحل مختلفة من التسلسل الهرمي الإداري ، قد يكون هناك شخص له دور مهم في إبرام الصفقات التجارية ، و يُرمز الى شخصيته بصورة أو علامة فارقة .

3. صورة مالك أو مستخدم الختم ، أو تفاصيل المعاملة التجارية – السلعة المعنية ، كأن يكون مصدرها أو مكان وجهتها ، أو لربما أي شيء معين يتعلق باستخدامها .

حتى بعد اختراع الكتابة المسمارية حوالي عام 3200 ق.م ، فإن الأختام قد استمر استخدامها على نفس الوتيرة في بلاد الرافدين . الوثائق التجارية القانونية التي ترجمها الخبير والمؤرخ “ثيوڤيل جي ميگ” ، الذي لاحظ من ان جميع تفاصيل العقود التجارية المبرمة ، قد سُجلت من خلال الكتابة وبدقة بالغة على ألواح طينية ، كما يظهر عليها بشكل واضح أسماء الأشخاص المعنيين وقد سبق كل اسم منهم دمغة ختمه ..

استمرت أهمية الختم الأسطواني لمالكه حتى بعد ظهور الكتابة كما أسلفنا . ولكن بدلاً من استخدام العلامات على سطح الختم والتي تشير الى اسم المالك ، حلّت الكتابة المسمارية بديلاً عنها ، كما أضاف بيرتمان في تعليقه التالي :

” قد تتضمن البيانات الإضافية اسم والد المالك ، أو لقب المالك ، أو مهنته ، والحاكم أو الإله الذي يعبده ” (ص 235).

على الرغم من أن أسلوب الأختام وتفاصيلها قد تغير بعد اختراع الكتابة ، الّا ان أهميتها لم تتغير. ويقدم بيرتمان شرحاً مثيراً لنا عن هذا الموضوع ، وكما يلي :

” كان الرافدينيون القدامى ودودين و عاطفيين بمزيد من الشيء في حياتهم ، وأصبحت تلك الصفات ما يميّز حياة المعاصرين منهم الى اليوم ، فكان عدم الثبات والاستقرار في أرض يمكن أن تغمرها الفيضانات المستعرة وتكتسح مدن بأكملها ، من ذلك ، قد أدرك الرافدينيون القدامى ، في أن بعض الأشياء – بما في ذلك الحياة نفسها – لربما تكون مضمونة وآمنة حتى في أحلك الظروف ! . نتذكر أن كلكامش كان يحتفظ بالسر الهش للحياة الأبدية في يده ، فقط كان لرؤيته مُنتزعاً . بالنسبة لشعب بلاد الرافدين آنذاك ، كان الختم الأسطواني الحجري ، هو الرمز الكبير للديمومة في عالم غير دائم !. ولعل هذا هو السبب في احتلال الأختام لتلك الأهمية الكبرى في حياتهم ، وعندما كانوا يحملونها على أرديتهم ، فإنها بمثابة شارة الشرف الرفيعة بالنسبة لهم “(ص 235 ).

تستمر الأختام الأسطوانية الى يومنا هذا في إثارة فضول العلماء والمؤرخين ولأي شخص توّاق في قضاء بعض الوقت معها في عروض العديد من المتاحف حول العالم .

أمّا النهاية ؛ فإن الأختام الأسطوانية تحمل معها هذا السطوع الكبير، لكونها إنجازات فنية رائعة تحمل بصمات الماضي ليس فقط عن حضارة قد مضت ، بل عن شعب بأكمله قد عاش حياته مع العمل والبناء ، والأمل ، والنجاح والتحدي . واستمتع بها بنفس الطريقة التي يمارس بها الناس حياتهم الآن في بقاع الأرض المختلفة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دومينيك كولن ـ الأختام الاسطوانية في بلاد الرافدين ـ من منشورات المتحف البريطاني ـ 1978.

سينتا گيرمن ـ الأختام الاسطوانية ـ من منشورات أكاديمية خان ـ كاليفورنيا ـ 2013 .

ميگان لويس & ماريان فيلدمان ـ صناعة الأختام الاسطوانية في بلاد الرافدين ـ جامعة رايس ـ هيوستن ـ 2015 .

ستيفن بيرتمان ـ الحياة اليومية في بلاد الرافدين ـ جامعة أكسفورد ـ 2005 .

جوشوا انجلهارت ـ التجارة في الكتابة القديمة ـ جامعة كولورادو ـ 2012 .

گويندولين ليك ـ بلاد الرافدين من الألف الى الياء ـ سيكركرو للنشر ـ 2010 .

جي .بي .بريشارد ـ بلاد الرافدين القديمة ـ جامعة برينستون ـ نيوجيرسي ـ 1958.

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.