اكتشف مايميزك، وقف شامخا ومعتزا بنفسك

قال لي عندما عجز عن مواجهتي، وبعد سيل من الشتائم: “الله صنعك وكسر القالب”! وهو تعبير يستخدمه السوريون عندما يسخرون من شخص ما.
……
بالنسبة لي، نعم عندما صنعني الله كسر القالب، ولَم يصنع به شخصا آخر على شاكلتي. أما بالنسبة لك، فأنت حر، إذا أردت أن ترى نفسك كما يقال بالإنكليزي
cookie cuter،
أي مصنوعا بنفس قالب المعمول الذي صنع بقية الأقراص في صينية واحدة! كانت ستي أم علي تجيد صنع الكبيبات المحشية بالسلق، ومن باب الطرفة كانت تحشي قرصا واحدا خلافا عن الأقراص البقية بالحمص المسلوق بدلا من السلق،
وتقول لنا: سيكون محظوظا من يعثر بالصدفة على هذا القرص!
……
لطالما شعرت، ومنذ نعومة أظفاري، بأنني ذلك القرص الفريد من نوعه في طنجرة مليئة بالأقراص المنسوخة من نفس المادة، ولطالما أسعدتني فرديتي وإحساسي بتميزي!
……
في المرحلة الإبتدائية كنت محط سخرية الطلاب بسبب قصري وصغر حجمي مقارنة بغيري، وكلما تبلورت قدراتي الدراسية كلما صار الآخرون يرونني أطول مما ظنوا، وأكبر مما توهموا. بقيت هكذا حتى هذه اللحظة، مقتنعة أن ما يعيبني يتلاشى أمام ما يميزني! بالمناسبة، لم ألبس في حياتي حذاءا نسائيا ذات كعب عال، إلا مافرضته بعض المناسبات النادرة، لأن الصورة التي أحملها في ذهني لنفسي، تظهرني أشمخ من أطول نخلة دخلت كتاب غينيس للأرقام القياسية.
…..
كثيرة هي المرات التي أشعر خلالها أن الغيرة تنهش قلب شخص ما، فأتساءل بيني وبين نفسي: هل غرت في حياتي من شخص؟ أحاول جاهدة، ومن خلال استرجاع شريط حياتي، أن أتذكر موقفا واحدا شعرت عنده بالغيرة الحقيقية من أحد،
فلا أذكر!
لقد كتب لي قدري أن أقابل بعضا من أشهر وأغنى وأهم الشخصيات في العالم،
ولَم أتلاشى أمامهم، بل كان ينتابني إحساس غارق في لغزيته، بأنني ذلك القرص الذي ميزته أم علي في طنجرتها، ووصفته بانه قرص الحظ! حتى بين أكثر الأشخاص تميزا في العالم، لم أشعر يوما أنني أقل تميزا….
…..
جمعني لقاء مرة مع


Rupert Murdoch ،
العملاق الملقب بأبي الإعلام، والذي يقال أنه يملك الإعلام في العالم كله.
كنت أجلس على يمينه، وضع يده على كتفي، وخضنا في حديث، شعرت خلاله بأنني المعلم وبأنه التلميذ، علما بأنه أكبر مني عمرا بأكثر من ربع قرن، ويزن بيتي ذهبا وفضة، وإنجازاته وشهرته ضربت كل الآفاق! انتابني هذا الإحساس لسببين اثنين، لا ثالث لهما:
– أولهما وأهمهما إيماني بتميزي، وبأن القالب الذي صنعت فيه، يختلف عن قالبه، ولا يقل أهمية!
– وثانيهما: تواضعه ورفعة أخلاقه، وقدرته على الإصغاء! لو لم يكن هو الآخر مؤمنا بتميزه لما اكتسب تلك الصفات!
…….
هذا الإحساس لو امتلكته ستعيش حياتك سعيدا وراضيا، لأنك لن تقارن يوما بينك وبين الآخرين، ولو فعلت لما أزعجتك الفروق، بل على العكس لاعتبرتها برهانا على أن الله قد صنعك وكسر القالب! هناك فرق بين أن تكون مغرورا وبين أن تشعر بأنك مميز.
الغرور هو آلية دفاعية يحاول اللاوعي أن يتبنيها ليغطي بها إحساسا عميقا بالدونية. هذه الآلية تمنح الشخص شعورا مؤقتا بالراحة، لا يلبث أن يعمق شعوره الحقيقي بالدونية. أما الإحساس بالتميز، فينبع من ثقة دفينة وثابتة بالنفس، تساعدك على أن تكون متواضعا، لأنك تشعر بأنه لا أحد يستطيع أن يلغي الآخر بتميزه، إذ أن كل واحد متميز بطريقته! كما لو كنت قلما في علبة التلويين… لونك يميزك عن الجميع، ولون كل قلم آخر يميزه! في لوحة الحياة للونك دور، وللألوان الأخرى أدوارها….. كبر هذا الدور أم صغر لا يهم، لأن اللوحة لا تكتمل بدونه!
…….
لم تكن الحياة في نظري يوما حلبة صراع، يتهاوش فيها الواحد مع الآخرين،
بل هي بستان لا زهرة فيه تشبه الأخرى، والزهرة التي ترفض أن تشرأب معتزة بفرديتها وجمالها، ستُمسخ عشبة ضارة تعيش ملتصقة بالتربة، ومتطفلة على جذور الأزهار! أذكر قولا لمفكر أمريكي نسيت اسمه:
Being the best is great, I’m number one.
But being unique is greater, I’m the only one.
(سأكون عظيما عندما أكون الأفضل، وسأعتبر نفسي الأول…
لكنني سأكون أعظم عندما أعيش فرديتي، وسأعتبر نفسي الأوحد….)
……..
لم أسعَ في حياتي لأنافس الآخرين على الأفضل، وهذا أقل ما يعنيني، بل سعيت ـ وسأظل أسعى ـ لأعيش فرديتي وتميزي! هذا الأمر حررني من نار الغيرة وسطوة الغل الذي يخلفه الصراع، وسربلني بسكينة الرضى ونشوة الإعتزاز بالذات!
لستُ ماري كوري ولم أسجل يوما براءة اختراع، كذلك، ليست ماري كوري وفاء سلطان، ولم تقفز يوما فوق كل الحواجز والثوابت والتابوهات لتساهم في
إعادة خلق إنسان!
هكذا نحن في الحياة مختلفون ومميزون…. لكن لكل منا نفس القيمة ونفس الأهمية، إلا – اللهم- من آمن أنه ليس سوى مجرد قرص محشي بالسلق في طنجرة أم علي… عندها سيرى نفسه أقل شأنا من قرص الحظ في تلك الطنجرة، وسيعيش عمره دون أن يشعر بتميزه، أو أن يلعب الدور الذي تميز ليلعبه. نعم كل منا جاء إلى الحياة فريدا من نوعه، فالله يكسر القالب كلما صنع إنسانا، وقدرته الإبداعية تتجسد في تنوع تلك القوالب!
…..
اكتشف مايميزك، وقف شامخا ومعتزا بنفسك، حتى ولو وجدت نفسك تشرأب وحيدا ومختلفا عمن حولك، كبذرة حملتها الرياح وحطت بها في حقل مغاير لطبيعتها، فنمت زهرة مميزة عما يحيط بها…
…..
تذكر بأن الطبيعة قد ميزت كل منا، ليلعب دورا مختلفا وليجعل لوحة الحياة أجمل، لا ليعبث به. كلما شعرت بقبحك تأكد أنك تمارس دورا غير دورك،
وكلما شعرت بجمالك كان ذلك دليلا على أنك تعيش حقيقتك، وتترك وراءك بصمات أصابعك…..

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.