استعادة كرة النار

لمّا يدرك النظام برموزه ورجالات أمنه ومستشاريه أن ما حدث في سوريا لم ينته بعد وأنه يمكن أن يتجدد أو يحدث مجدداً، وعندها ربما لن تسير الأحداث وفق مشتهى الحد الأدنى كما سارت خلال العشر سنوات الماضية، وربما ستكون دون الحد الأدنى بكثير.
يبدو لي أن النظام بكافة رموزه ورجالات أمنه ومستشاريه يستعيد ذات الفكر وذات الأليات الأمنية والسياسية والإعلامية والاقتصادية التي كانت متبعة سبعينات وثمانينات القرن الماضي في سوريا وغيرها، وبذلك أراه يستعيد تشكيل كرة النار أو أنه يحاول مجددا ودون مبالاة أن يجلس مجدداً على صفيح نار حامي معتقداً أن هذه السياسات ستحقق استقرار لسلطاته وامتيازاته لدهر قادم، إنه يُظهر لا مبالاة بكل الدروس التي يمكن أن يستقيها مما جرى في سوريا وما صار عليه الآن.
إن ما يبدو من سلوك النظام برموزه ورجالات أمنه ومستشاريه أنهم جميعا قرروا اعادة اتباع ذات السياسات متناسين وجود الفضائيات ووسائل التواصل والعالم المفتوح كقرية صغير، إنه يسلك سلوك رجعي غير متطور في تلك المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية.
أُعطي أكثر من مثال على ذلك، فمثلاً نلاحظ محاولة مستجدة فاشلة لملئ فضاء عقل المواطن بصور القائد وشعاراته وتوجيهات في مدحه وتعظيم ما يقوله واستحضار صور وتبجيل الراحل الأب القائد مجدداً و بكثافة، كما كنا في سبعينات وثمانينات القرن الماضي تماماً، وكأننا نحاول تهجين واستعادة أو احكام السيطرة على عقل المواطن من خلال ذات السلوكيات والأهداف، لبناء رمز عالي ومتعالي عن أي تشكيك بل رمز يرتقي للمقدس، ولكن برأيي هذا سيُأتي نتائج عكسية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار وجود الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي التي يستطيع هذا المواطن الولوج إليها واجراء مقارنة إرادية أو لا ارادية على الأقل، ليجد غياب كل هذه المظاهر في الدول الأفضل من دولتنا اقتصاديا وعلمياً واجتماعياُ وسياسياً وبكل صعيد، وبالتالي لن يتحقق من تلك المساعي شيء بل مزيدا من الخوف والاحتقان الخطر الذي سينفجر مجدداً في وجه هذه النظام بكل رموزه وكياناته ورجالات أمنه.


مثال آخر عن سياسيات الثمانينات والسبعينات والتي مارسها النظام أحياناً في سنوات ماقبل الأزمة ويعود لمممارستها مؤخراً.
إن ما نسمعه ونقرأ عنه عن فتح ” ملفات محاسبة ومحاربة فساد ” بطريقة غير قانونية وانتقائية تفقدنا الثقة مجدداً في وجود نية حقيقية لمعالجة هذه الحالة المستشرية من الفساد في نظامنا الاقتصادي والادراي والقضائي، ونذكر من هذه “الملفات” على سبيل المثال: ملف انتقائي في ادارة الجمارك أو ملف انتقائي في القضاء أو ملف احتجاز بعض الصيّاغ لأسابيع دون تهمة ودون احالتهم إلى القضاء، أو محاصرة بعض التجار أو الصناعيين الفاسدين واكراههم على دفع جزء من ثرواتهم الغير شرعية لحساب جهة ما، رسمية أو غير رسمية، إن مثيل هذه التصرفات التي لا تدل على نية حقيقية في محاربة الفساد أو محاولة جادة للحد منه، ولا يعطي صورة عن نية حقيقية في تطوير وتحديث الدولة، فليس هكذا تورد الإبل في دول القانون.
إنني إذا أعيش في هذه البلاد أجد نفسي مندفعاً بروح المسؤولية الوطنية والغيرة على هذه البلاد أن أقدم رؤيا ونهج آخر للنظام بكافة رموزه ورجالات أمنه ومستشايه، أقدم لهم رؤيا تؤمن لهم استمرار في السلطة بارادة شعبية ودولية حقيقية وصادقة وتؤمن انطلاق سوريا كدولة قانون حديثة، ولكن سيكون هناك أيضاً الحد الأدنى من ( أكباش الفدا ).
رؤيا تسمح ببدء الاستشفاء الاجتماعي الحقيقي واستعادة سوريا لسيادتها كاملة على كافة أؤاضيها واستعادتها لدورها السياسي والاقتصادي والانساني الداخلي والأممي.
لقد أودعت هذه الرؤيا معدّلة لدى شؤون رئاسة الجمهورية ومكتب الأمن الوطني ولدى الكثير من الجهات والشخصيات، إنها رؤيتي في مشروع محبة لسوريا الانتقالية.
المحامي وائـل نصري واصل

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.